الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دوليةفيديو غراف

هل يمكن للغرب بنقرة واحدة على الكمبيوتر أن يغلق مصانعنا ومصارفنا ومحطات الطاقة لدينا؟

ترجمات-كيوبوست

حوار: ديمتري سميرنوف  

ترجمة الحوار إلى العربية: د. نجاة عبدالصمد

هل يستطيع الغرب إغلاق المصانع والمصارف ومحطات الطاقة الروسية بنقرة زر على الكمبيوتر؟ هل قد تنشب حرب عالمية ثالثة؟ هل تصمد روسيا في الحرب التكنولوجية أمام الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل تتسبب السياسات الأمريكية التجارية الإلكترونية وحربها ضد هواوي الصينية فى تقارب روسيا والصين؟ هل السيطرة الإلكترونية الأمريكية على العالم بغرض إيصال التكنولوجيا لجميع البشر أم لأغراض المراقبة والتجسس؟ السيارات الحديثة المزودة بأجهزة “جي بي إس”، هل هناك إمكانية لقيام هاكر ماهر بتقييد المحرك الأيسر لسيارة دفع رباعي على سرعة 100 كم/ساعة؟ هل تقتني الهواتف الصينية نظام تشغيل روسي بعد منع أندرويد عن هواوي؟ وهل التفكير في زيادة سرعة الهواتف من4G  إلى5G  يعد مؤشرًا على شيء بخلاف أننا لا نعرف ما الذي نريده بالظبط من التكنولوجيا؟! ماذا سنفعل بكل هذه السرعة؟ وكيف يسير تطور الذكاء الاصطناعي وكيف سيسهم في تطوير المجال العسكري؟ وهل يتجه بنا هذا التطور إلى نتائج كارثية لا ندركها ولا نعرف مدى خطورتها على البشرية؟ ولماذا يكشف بوتين عن أسرار الدولة ويتحدث عن دفاعات تفوق سرعة الصوت وعن “بوسيدون”؟ ولماذا نحتاج إلى قانون للإنترنت؟ وما مدى خطورة أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولة والمسيطرة على الإنترنت في العالم؟

حول هذه التساؤلات التقت صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الروسية، الباحث إيغور أشمانوف، أحد أكثر الاختصاصيين كفاءةً في روسيا، ومرشح العلوم التقنية وخبير الذكاء الاصطناعي وتطوير البرمجيات وإدارة المشروعات، والمدير العام السابق لشركة “MediaLingva” والمدير التنفيذي لشبكة الإنترنت القابضة “Rambler”، ونظرًا لأهمية الحوار قمنا بترجمته في كيوبوست.

هل نحن بصدد حرب عالمية ثالثة؟

يقول أشمانوف: لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل وعلنًا. من التاريخ نتذكر كيف بدأت الحرب العالمية الثانية كبؤر متفرقة: غزو إيطاليا لإثيوبيا، حرب إسبانيا مع النازيين (بمشاركة ألمانيا والاتحاد السوفييتي)، استيلاء تشيكوسلوفاكيا على بولندا وتقاسمها مع ألمانيا، ضم النمسا، الحرب الفنلندية، ثم غزو اليابان للصين وعدوانها على خالخين، حرب إيطاليا واليونان.. استغرق تصاعد هذه الحرب من 5 إلى 7 سنوات.

ما يحدث الآن شبيه وإن كان بصيغة مختلفة: حرب العراق وليبيا وسوريا واليمن وأوكرانيا، الضغط على فنزويلا، الحرب الإلكترونية، الحروب الهجينة، تغيير الأنظمة، القصف عن بُعد بطائرات دون طيار.. الحروب التجارية أيضًا جزء كبير من هذه الحروب، وهذه الأخيرة تكشف عن خطورة الصراع بين المصالح الجيوسياسية التي تطول أولًا مفهوم السيادة الوطنية.

إيغور أشمانوف

انتهج الأمريكيون منذ 30 عامًا مسار السيطرة على العالم وإلغاء جميع السيادات المتبقية فيه، وقطعوا في ذلك شوطًا طويلًا دون عوائق تُذكر؛ فقد تخلَّى الأوروبيون عن السيادة منذ انهيار يوغوسلافيا، أو أُجبروا على ذلك؛ لكن الصين بدأت تنتعش، ثم فجأة نهضت روسيا على ركبتَيها ودخلت حلبة الصراع.

تكنولوجيًّا، فرضت الولايات المتحدة تقنياتها الرقمية، بل واستعمارها الرقمي على الجميع منذ مطلع القرن الـ21، ولم يكن الأمر صعبًا بسبب افتقاد معظم البلدان محركات البحث والشبكات الاجتماعية الخاصة بها، إضافةً إلى وجود بعض الهيكليات (كالمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام..) التي تحوَّلت ربما عن غير قصد إلى أنظمة عميلة.

أعلنت الولايات المتحدة، عبر إعلامها، أنها تستعد لهجوم إلكتروني على نظام الطاقة الروسي. وهذا ليس التهديد الوحيد ولا الأول من نوعه.

يعتقد معظم الروس مثلًا أن شركة “هواوي” (المصنفة درجة ثالثة) ليست أكثر من شركة تصنيع هواتف محمولة؛ بينما هي في حقيقة الأمر شركة ضخمة، وحرب الولايات المتحدة عليها قد تُغَيِّر وجه العالم، وتدفع الصين إلى الارتماء في أحضان روسيا!

من شرفة منزلي صوَّرت، مساء أمس، بجهاز “هواوي” غروب الشمس الجميل أول حلول العتمة، كانت الصورة ساحرة. كاميرا هواوي (4 في 1) ترى في الظلام أفضل من العين البشرية (كما كانت حال سامسونج سابقًا). طوَّرت “هواوي” أجهزة التوجيه الشبكية وَفق نظام (سيسكو) في أوائل القرن العشرين بنسخة سيئة ثم نسخة جيدة ثم نسخة سيئة للغاية، ثم نسخة جيدة جدًّا وأرخص مرتَين من النماذج الغربية. استغرق كل مرحلة نحو 5 سنوات. كذلك طوَّرت “هواوي” هواتفها الذكية وطرحتها في الأسواق كمنافس لـ”آبل” و”سامسونج”. هواتف “هواوي” الذكية ليست سوى الكرزة فوق سطح الكعكة، بينما توجِّه الولايات المتحدة الأمريكية حربها على أجهزة التوجيه في “هواوي”.

صرَّحت الولايات المتحدة علنًا، في نوفمبر 2018 في استراتيجيتها القومية الإلكترونية، بأن لديها عدوَّين رئيسيَّين: روسيا والصين. رأيي الشخصي أنهم حمقى؛ فهم بهذا يدفعوننا نحن والصين إلى أحضان بعضنا بعضًا: لدينا أفضل أمن للمعلومات في العالم، بينما تمتلك الصين جميع أجهزة الكمبيوتر العالمية، نحن معًا إذَن اتحاد مثالي!

 حالنا في الصناعة في روسيا ليست على ما يُرام؛ لكن لدينا منظومتنا الدفاعية المحلية الوطنية. البرامج الغربية تتحكَّم في 99% من الإنتاج، وتراقب ما ننتج، وقد يمكنها وقفه، ويمكنها التحكم من الخارج إلى حد كبير بالقطاع المصرفي؛ فهي تراقب حركة فيزا وماستركارد وجميع الرواتب والمشتريات والمدفوعات.

فقط إدارة جيشنا محمية من التدخُّل الخارجي.

ببساطة، يمكننا بكل سهولة حظر مراقبتهم لنا، إنما: ماذا نستخدم بديلًا عنها؟!

الهواتف الذكية: هناك بعض الحراك للتقليل من استيرادها؛ لكنه يسير ببطء. أمرت هيئات الدولة بحزم أن نتحوَّل إلى الأجهزة المحلية. تم بالفعل حظر الهواتف الذكية في الجيش، لكن باقي القطاعات لا تريد ذلك!

الكمبيوتر: حالنا مع أجهزة الكمبيوتر أيضًا ليست بخير تمامًا، حالنا أفضل مع البرامج: هناك نحو خمسة آلاف برنامج محليّ مسجّلة في وزارة الاتصالات منذ عام 2016؛ ليست جميعها على سويّةٍ لائقة في شكل إصداراتها، ولم تلقَ لا الرواج ولا الدعم. هذا هو حالها. من الضروري أن نفهم أن منطق المسؤولين ماكر، (كثير منهم لديهم تاريخ طويل مع Microsoft وOracle). يصرِّحون: بالطبع سوف نشتري البرامج المحلية حين تكون أرخص وأفضل. هي أقل ثمنًا فعلًا لكنها أسوأ. الطبيعي أن يشتري الإنسان الأرخص والأفضل!    

لكن الأمر لا يتعلق فقط بالسعر، بل بالأمان! لنفترض أن الحرب وشيكة، سيُمنَع المسؤولون الحكوميون من السفر في السيارات المستوردة تحسبًا لخللٍ قد يطرأ على منظومة الدفاع. حينها لن ترتاح مؤخراتهم في ركوب سيارات (لادا) ذات البرستيج المتدنِّي قياسًا بالمستوردة.. بينما تُصنّع بلادنا سيارات تعمل بشكل أفضل في مناخنا، وهي أرخص سعرًا وصيانتها متاحة دومًا، والأهم من هذا كله: لا يتم التحكم فيها من الخارج.

 لو أخذنا “BMW” الحديثة مثلًا: في داخلها نحو 40 إلى 50 منظومة تشغيل صغيرة إلى جانب الإنترنت المدمج دومًا مع خدمة التجوال الدائمة والمدفوعة الأجر، هذه الخدمة التي ترسل البيانات بشكل مستمر (إلى مكان ما!). لا نستطيع تعطيل خدمة التجوال؛ لأننا بحاجة إليها، ولأننا إن عطَّلناها سوف نخسر معها التأمين على السيارة.

وقد يتحكَّم بنا طرف آخر غير الشركة المصنعة، وهو الهكر! يمكن للهكر الماهر مثلًا أن يُقَيِّد المحرك الأيسر لسيارة دفع رباعي على سرعة 100 كم/ ساعة . منذ نحو 20- 25 عامًا تم إنشاء نظام تحكم واحد يعتمده عديد من الشركات المصنعة للسيارات وأجهزة كثيرة، وهناك ثغرات أمنية كثيرة في هذا النظام والجميع يعرف ذلك، ولكن لا أحد الآن لديه الصبر أو الطاقة لاعتماد نظام تحكم جديد.

قد تقتني الهواتف الصينية نظام تشغيل روسيًّا!

يجب علينا عدم الخلط بين التنمية الاقتصادية والقدرة التنافسية التي تتستر على سياسة أمريكا الرهيبة بذريعة الأمن أو الحماية. لم تتمكن أمريكا من عقد صفقة مع الصين في حربها معها على “Huawei”؛ فقررت أن تمنع الصين من استخدام “android”. أي نوع من التنافس هذا؟! هل هذا تنافس شريف مثلًا؟!

كيف ستنتهي هذه القصة؟

إنها الصين! أعلنت الصين بالفعل أنها سوف تصنِّع نظام التشغيل الخاص بها.

نحن في روسيا لدينا نظام تشغيل واحد أو نظامان للهواتف الذكية: “Sailfish” و”Aurora”، كما لدى “Kaspersky” نظام التشغيل الخاص به، والذي يمكن تطبيقه على الهاتف المحمول. كلاهما لديه كود مراقَب ولا يتم التحكم به من الخارج ولا يحتوي على إشارات مرجعية أمريكية.

نحن مثلًا ليس لدينا هاتف ذكي من تصنيعنا، ولذلك نوافق على أن نشغل Huawei”” في بلادنا ولكن على نظام التشغيل الخاص بنا، وهذا الهاتف الذكي لا يصل إلينا من بلد عدوّ؛ فالصين ليست خصمًا أيديولوجيًّا ولا عسكريًّا بالنسبة إلينا، ولم يأتنا منها عدوان مباشر، بينما تعلن الولايات المتحدة تهديدها لنا بفرض عقوبات والتضييق علينا في النقاط الساخنة.

– ألن تتراجع الولايات المتحدة تكنولوجيًّا بسبب الحروب التجارية؟

– لكي نفهم إذا كان هناك تراجعٌ حقًّا، ومَن منَّا يتراجع أو يتخلف عن الركب، علينا أولًا أن نجيب عن سؤال: “إلى أين هم ذاهبون وإلى أين نحن ذاهبون؟”. يبدو لي بشكل عام أننا لا نسير في اتجاه واحد، وهذا جيد؛ لأننا إذا سرنا باتجاه الولايات المتحدة لن نحظى بأكثر من الوقوف خلفها كـ”خنزير”. لسنا بحاجة إلى ذلك، سيكون الأمر أسوأ؛ فجميعهم سيئون للغاية في تحديد الأهداف وفي كفايتها.

هل حكاية “G5” على سبيل المثال مؤشر على أمرٍ ما؟

– لست متخصصًا في مجال الاتصالات ولا أفهم حتى الآن سبب الحاجة إليها على الإطلاق؛ هل لتزيد سرعة الإنترنت على الهاتف؟! لكنها سريعة في وضعها الحالي! أيّ تغييرٍ ستُحدث حين تدخل، فهاهو الإنترنت موجود في كل شيء وفي كل مكان؟! ثم هناك سؤال آخر: هل هذا جيد؟! أشعر أنه، كما يقولون في الاقتصاد، ستكون الفائدة منها (G5) محدودة؛ فكل تكنولوجيا جديدة تعطي أقصى منافعها في أول دخولها، بينما لا ينتج عن خطواتها التالية سوى تقدم قليل وبطيء؛ لأن معظم الاحتياجات قد تمت تلبيتها بالفعل.

إنترنت الأشياء، الصناعة! هذه قصة غبية بما يكفي. هذه رقابة شاملة ليس إلا! الجميع يصرخ، “بسرعة، بسرعة وإلا فإننا سوف نتأخر ويرحل القطار تاركًا إيانا خلفه!” (مرة أخرى السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟) وما الذي يجري تقديمه بسرعة وبسرعة؟ مجرد تقنيات أجنبية نتلقفها جاهزة بدلًا من تطوير تقنياتنا الخاصة بهدوء.

هل الذكاء الاصطناعي هو الأهم في المستقبل؟

– نعم، هو الأهم. لماذا يُثار حوله كل هذا الصخب؟ لأن التطور الرئيسي للذكاء الاصطناعي سيكون في المجال العسكري. الجميع يركض إلى هناك. أي تأخير في هذا الاتجاه سوف يؤدّي إلى نتائج كارثية. إذا لم يكن لدينا في غضون 15 عامًا سلاحنا الخاص السريع بما يكفي، سنكون بالمطلق بلا حماية.

 ولكن ما الذكاء الاصطناعي عمومًا؟

اسمحوا لي أن أشرح بمثال بسيط، لنتخيل أن مسؤولًا رفيع المستوى (رجل أعمال/ جنرال..)، يرافقه حارس- روبوت مزود برادار يرى الرصاصة التي قد يطلقها القاتل من على بُعد 500 متر، يتعرف عليها ككائن، كشيء غير مضبوط ولا يجب أن يراه هنا! رد فعل هذا الروبوت أسرع من الرصاصة بمئة مرة، يختطفها من مسارها في الهواء. يتحرك الروبوت أسرع من البشر بآلاف المرات. الآن هناك هذه الماكينات كالأدمغة التي تتصرف تجاه كل ما يجري حولها. تخيَّل ما سيكون في ساحة المعركة عندما يخرج من الأرض: مشاة البحرية، والروبوتات السوبر المسيَّرة بنظامها الذاتي، و”أرماتا” الذاتية التسيير أيضًا، والطائرات المهاجمة بلا طيار، وأنظمة التحكم في ساحة المعركة، وأسراب من الميكروبات والمتفجرات والأهوال الأخرى التي تعمل جماعيًّا معًا. أي شخص سوف يشاهد ساحة المعركة سوف يرى ضبابًا، عجاجًا حلّ فجأةً ولا يمكن تمييز شيء فيه، وسوف تنتهي هذه المعركة خلال جزء من الثانية حتى قبل أن تستطيع شبكية العين التقاط المشهد. لن يستطيع الإنسان أبدًا إدارة ساحة المعركة!

– ومَن يستطيع؟

فقط أولئك الذين يمتلكون الذكاء الاصطناعي الصحيح في مركز إدارة المعركة وسط تعارك القوى على السيطرة. يجب أن نستوعب أن هذه أشبه بمباراة شطرنج لم يسبق للاعبين أن تدربوا عليها. أين يمكن التدرُّب عليها؟! لهذا سيتم اختيار سوريا والصومال مثلًا كمكبات نفاية يمكن التحارب فوق أرضها على سبيل الاختبار: هل تستطيع طائرة “C-400” إسقاط طائرة “F-35” أم لا؟ لا أحد يعلم، فهما لم تلتقيا بعد في معركة حقيقية. المحللون العسكريون من كلا الجانبَين فقط هم الذين يخمنون هذا، بينما العسكريون أنفسهم لا يعرفون ذلك. لا هم ولا نحن نعرف كيف ستنتهي هذه المباراة.

لماذا يكشف بوتين عن أسرار الدولة ويتحدث عن دفاعات تفوق سرعة الصوت وعن “بوسيدون”؟

– نعم، أعلن بوتين عن امتلاكنا صواريخ بمحركات نووية تفوق سرعتها سرعة الصوت، دائمة الدوران حول الكرة الأرضية، ولدينا أيضًا “بوسيدون”: طائرة دون طيار تقبع تحت الماء وتحمل أطنانًا من الذخيرة وأسلحة ليزرية ذرية.

لماذا فعل بوتين هذا؟ هذا أمر يخيف الأمريكان بعض الشيء. لعلّهم يتّعظون! هذا ما يحتاجون إليه حقًّا، فقد آن الأوان لكي يصحوا ويعودوا إلى الواقع؛ فهم في واقع اليوم لن يتورَّعوا عن الضغط على الزر بمجرد أن تتاح لهم الفرصة لتدميرنا، على أن يضمنوا عدم إلحاق الضرر بأنفسهم. هم يتخيلون أن لديهم مثل هذه الفرصة، وأنا متأكد من ذلك. فهم لم يُبدوا أية بوادر أخلاقية من قبل! هم (يهمسون) في إعلامهم الحربي، وأبحاثهم العلمية عن احتمال نشوب حرب محدودة بين القوى النووية، حرب هجينة، وأسلحة نووية تكتيكية.. إذا لم نملك طائرات دون طيار لن نستطيع الرد بضربات جوابية، عمليًّا يجردوننا من دفاعاتنا النووية لعدم التكافؤ بيننا. لقد أقنعوا أنفسهم في السنتَين أو السنوات الثلاث الماضية أنه يمكنهم الآن بدء الحرب أولًا.

نحن نعيقهم، نحن نقف في وجوههم كجدارٍ يقي ما تبقى من السيادات من أن تتدحرج صاغرةً على أسفلتهم. نحتاج إلى الإعلان عن التقنيات الجديدة وإلى استعراضها؛ من أجل توضيح أن الأمور ليست بهذه البساطة، وأن “الجواب سيصل” من كل بلد.

وهل يحتاج الاقتصاد أيضًا إلى الذكاء الاصطناعي؟

– نعم، إنه الأفضل. في شركة نفط “غازبروم” مثلًا يحفرون أفقيًّا من الأرض إلى البحر، تكون سماكة الخزان المطلوبة في بعض الأحيان مترًا أو اثنين، بطول مئات الأمتار، أو حتى الكيلومترات. مجرد انزياح خط الحفر قد يجعلهم يخسرون 300 مليون دولار؛ لأن عليهم أن يبدؤوا من جديد.

يوفر الذكاء الاصطناعي مبالغ باهظة من المال. في مجموعة “Novo-Lipetsk Metallurgical Combine”، يتم إدخال فوهات كبيرة (tuyeres) في أفران الصهر؛ لتدفع الهواء هناك. قد تحترق هذه الفوهة تدريجيًّا في أثناء عملية الصهر التي  تستغرق أسبوعَين، فلا يمكن إزالتها واستبدالها، وتتكبد الشركة خسائر كبيرة. بالذكاء الاصطناعي يتم وضع مستشعرات تحدد درجة اهتلاك هذه الفوهة، فيعطي إشارة إلى أنها لن تستطيع إذابة المعدن وأنها، أي الفوهة، تحتاج إلى تبديل. هناك كثير من الأمثلة وكذلك الاحتمالات، لكن المشكلة هي نفسها: فالذكاء الاصطناعي يصنع نفسه بنفسه، وعمليات الإنتاج هذه تعمل الآن على الأنظمة الغربية، وغالبًا ما يتم التحكم فيها من الخارج: يتلقَّى المركز في مكانٍ ما في ألمانيا مثلًا بلاغات متواصلة عما تفعله هذه الآلات ومدى عملها. إذا قُمنا بنقلها على بُعد 400 متر مثلًا إلى المتجر التالي؛ فسوف يعطي جهاز الاستشعار “GPS” إشارة عن انتقالها، فيلغي عملها عن بُعد (هذا طبعًا من أجل التحكُّم في إعادة بيع الآلات).

على المستوى المحلي يرتدي رجال الشرطة عندنا نظارات يتعرَّفون بها على الأشخاص المطلوبين، ولديهم قارئ للأشخاص المطلوبين في مترو الأنفاق أيضًا. هل ترانا نمضي قدمًا في هذا المجال أم ما زلنا متخلفين؟  

– أصبحت هذه التقنيات في حوزة الجميع. لكن هل هم ذاهبون في الاتجاه نفسه؟ الصين تسير في تطبيق هذا على كامل مجتمعها وفي المراقبة الدولية. هل نحن بحاجة إلى الذهاب إلى هناك؟

يتخلفون أو يتقدمون! الأمر مرتبط أولًا وقبل كل شيء بمساعدة القوانين. لقد مُنع المشرعون الفرنسيون للتو من التحقيق في القضايا السابقة للقضاة، التي تسمح بتحديد أنماط في عملهم، بعقوبة على مثل هذه الدراسات قد تصل إلى السجن خمس سنوات. على العكس من ذلك في أمريكا، فقد أجبروا جميع القضاة على التوقيع على إذن لمعالجة بيانات عملياتهم تلقائيًّا؛ ليتمكن الموردون والمشغلون بحرية من تبادل بيانات المستخدمين. وأيضًا على العكس في أوروبا شددوا عليهم الخناق؛ كي لا يتمكنوا من فعل شيء. هذا صراع خجولٌ على السيادة، وبشكل رئيسي: ذراع المال، الغرامات.. مَن هنا يتخلَّف وعن مَن؟

الاختراق الرئيسي في هذا المجال بدأ في مجال الشبكات العصبية العميقة قبل نحو خمس إلى سبع سنوات: اجتمعت عوامل ثلاثة: فقد تراكمت البيانات من مشروعات الإنترنت وصُنِّعت أجهزة كمبيوتر سريعة وبطاقات لألعاب الأطفال، وتم اختراع شبكات عصبية متقدمة. كنت قبل عشر سنوات قد سألت الأشخاص المحترفين في أعمال الكمبيوتر إذا كانوا يستطيعون التعرُّف على الأشياء الدلالية: أن تستدعي القطة مثلًا من خلال صورة لهذه القطة، يومها قالوا: إنه أمر مستحيل. وبعد خمس سنوات أصبحت هذه الميزة متاحة للجميع.

ولكن رغم المسيرة المنتصرة للذكاء الاصطناعي؛ فإنه لا يخلو الأمر من مشكلات حادة: لا يوجد في العالم كله سوى عدد محدود من المنصات العصبية، وهذه تنشئ 50 نوعًا من الشبكات العصبية المختلفة؛ لأداء مهام مختلفة: بعضها يتعرف على الوجوه وأخرى تعالج النصوص، وهكذا.. جميعها تقريبًا أمريكية (أهم اثنين منها Google وFacebook)، ومن هناك تأتي البيانات أيضًا، فمَن كانت مهنته التعرُّف على الوجوه مثلًا ليس عليه سوى تنزيل مجموعة تدريب مميزة على السيستيم، وسيمكنه الاستقصاء بالمجان ومن دون تعب عن ملايين الناس.

لا يُخفى على أحد أن دقة هذه البيانات دون المطلوب ولا تتجاوز 80%، في حين أن الدقة المطلوبة لا تقل عن 97 إلى 98%، وكذلك قد يتعذَّر التعرُّف جيدًا على وجوه النساء والأطفال؛ لكنهم يستخدمونها لأنها أسهل من إنشاء قاعدة البيانات الخاصة بهم.

أما العيب الخطير الثاني فهو أن الشبكة العصبية هي “الصندوق الأسود”؛ فهي لا تشرح على أي أساس تعرَّفت على شخص ما، بل هي منظومة تحتوي على معالِجات متخصصة وليست “خلايا عصبية كما في المخ”، وقد لا يكتشف أحدٌ متى وبأي معطيات تمّت تعبئة هذه المعالِجات! (بالمناسبة؛ هذا هو التسويق!) ولا يهتم أحدٌ اليوم بتنزيل صندوق جديد ولو رمادي! وإذا قُمت بتنزيل قاعدة البيانات هذه وعينات التدريب من الغرب؛ فهذه مرحلة أخرى من الاستعمار الرقمي.

لا يفهم الناس تمامًا إلى أين تمضي بهم التكنولوجيا، ولذلك فالخطر هو المحرك الرئيسي الذي يُجبر هذه التكنولوجيا على التطور. يجب في كل وقت مواجهة الغرب بصفته عدوًّا.

أما من فرصة لحدوث انفراج؛ بحيث تغدو هذه التقنيات مجرد تقنيات؟

– أدى “الانفراج” الماضي إلى انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي بأكمله. يؤسفنا أن مجابهةً جديدة لابد آتية. لا نعلم إن كانت ستأتي كضربات جانبية أم قد تصل إلى تمريغ الأنوف!

نواجه أسوأ عدو لنا في التاريخ، القوة الأكثر افتراسًا في العالم والتي تحطِّم العشرات من الدول. شعار استراتيجيتهم الوطنية والإلكترونية: “يجب أن نسيطر”، ليس في قاموسهم مصطلحات مثل: “يجب علينا تقديم تنازلات” أو “يجب أن نتعاون” أو “خير الإنسانية”.

يعتبرون أن خير البشرية الوحيد في أن تتبع زعيم الولايات المتحدة الأمريكية! يعلنون: “ببساطة، قيمُنا هي الأفضل”، وعلى الجميع إدراك ذلك وقبوله “علينا نشرها”، “هناك حاجة إلى إنترنت مفتوح لنشر قيمنا”. وسوف يحاصرون الذين يقاومون الاستعمار الرقمي في باقي البلدان؛ إما بتقييد الإنترنت عليهم وإما بالحرمان الكلي منه.

هناك حكاية الخنازير الثلاثة في الغابة، يقول أحدهم: “ناف ناف، هناك ذئب في الغابة”، والاثنان الآخران لا يصدقانه؛ لا يريدان أن يمنعهما التفكير من التمرُّغ اللذيذ على العشب في الغابة. انظر في أي موقف عصيب نحن! ألا يوجد ذئب؟!

لكننا نرى هذا الذئب. هاهو ذا! لقد عرَّفنا بنفسه وقد حدَّد هويته! يقول إن روسيا أسوأ من الإيبولا، “يريد تمزيق الاقتصاد الروسي إلى نتف”، وقد التهم العالم العربي من قبل ويوغوسلافيا والاتحاد السوفييتي! كيف يمكننا التظاهر بأن الذئب غير موجود؟!

 إذن هذا هو الخنزير الذكي يصوغ قانون الإنترنت الآمن؟

– أخشى أن يستاء واضعو القانون من هذا التشبيه. يتكون قانون الإنترنت الآمن من جزءين:

الأول: هو ضمان عدم انقطاع التشغيل وتأمين نسخ احتياطية لبيانات الشبكة. يتعلق الأمر بما نحتاج إليه حتى لا يتم وقف تشغيل “كهرباء الإنترنت” في مكان ما على الخط؛ أي أن نضع لأنفسنا “مولدًا احتياطيًّا للإنترنت”. قد يقول قائلٌ: هذه قصص رعب، لن يفصلوا كهرباء الإنترنت، إنه بزنس، إنها العولمة، والإنترنت مستقل عن الولايات المتحدة، وأن هذا مستحيل تقنيًّا.. ولكن هاهي حالة “هواوي”، بنقرةٍ قطعوا عنها الأكسجين وأدوا لها تحية “إيقاف التشغيل” بين ليلة وضحاها.

قطعوا عنَّا أيضًا إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا عدة مرات في شبه جزيرة القرم، وأخضعوا كبرى الشركات الروسية إلى عقوبات، وفيزا مع ماستركارد لبعض البنوك؛ حتى إننا ناقشنا بجدية انفصال روسيا عن نظام التحويل المصرفي الدولي “SWIFT”.

تفادي الحرب ليس مستحيلًا، ولكنْ هناك خطر حقيقي.

والجزء الثاني من قانون الإنترنت: الفلترة– الشروع في تزويد جميع مقدمي الخدمات بنظام حساب حكومي قادر على التعرف عن بُعد على تجوال: Watsapp وYuotube وGoogle وSkype.. وما إلى ذلك؛ بحيث يمكن حسب الطلب خفض هذا النوع من الحركة دون التأثير على باقي القطاعات.

في السنوات الأخيرة لم يعد عنوان “IP” هو المعرِّف؛ فقد ظهرت قطاعات ضخمة من عناوين “IP” المؤقتة، التي لا يمكن حظرها كما أظهرت الحرب مع “Telegram”.

من الضروري أن نرسل إشارات إلى أولئك الذين لا يريدون العمل في اختصاصنا وعلى نهجنا، وكثيرون لا يريدون، خُذ مثلًا: “Facebook” و”Google” و”Apple”.

على سبيل المثال، ترسل الصين إشارة عن طريق حظر الخدمة بالكامل، وعلى “جوجل” أن يقدم البيانات بشكل دوري إلى المخالفين أو نقل الخوادم إلى الصين أو حظرها. كيف يرد “جوجل”؟! بالصراخ على مسمع العالم الحر بأكمله: “لا، أبدًا، لن نغضب، نحن مع حرية الرأي”. ولكنه يقرر لاحقًا بالاتفاق مع وزارة الخارجية: “يجب أن نكون حاضرين. مهمتنا هي نقل الحقيقة إلى شعوب الدول المحكومة بالأنظمة الشمولية” (وهذا تصريح مباشر من سيرجي برين، أحد مؤسسي “Google”). لكنه بعد مضي ستة أشهر وافق بهدوء على شروط الصين.

قناعٌ يحارب الحكومات

هل يحقق قناع إيلونا إنترنت السماوي بعضًا من الشفافية وإيصال الحقيقة؟

– بالطبع، هو محاولة لتوصيل الإنترنت دون المرور بفلاتر الحكومات التي تتحكم به حسب سياسة كل منها، وسوف تكون الشعوب ممتنة لهذه الخدمة. هذا عملٌ نظيفٌ لا يخلف روائح كريهة! والهدف منه إيصال الخدمة دون تعريضها إلى الفلترة، وهذا جزء من حرب المعلومات.

– هل سيحظرون الـ”Telegram” في آخر المطاف؟

– لست أدري. ثمة سوية من العلاقات العامة الظاهرة على السطح، وسوية أخرى تنعقد عبرها اتفاقات كثيرة مع الأغبياء من تحت الطاولة، ولا يتعلق الأمر بإمكانية إجرائها تقنيًا أم لا، مع أن تطبيق قانون “Lateral-Klishas-Lugovoi” قد يتيح حظرًا فعالًا عليها في المستقبل أفضل من هذه الاتفاقات الجارية حاليًّا خلف الكواليس.


 المصدر: كومسومولسكايا برافدا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة