ترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

هل يمكن فهم ظاهرة الانتحار من خلال الأعمال الأدبية؟

استكشاف ظاهرة الانتحار في الرواية الأدبية!

ترجمة كيو بوست –

 

نشرت المؤلفة والكاتبة الأدبية الأمريكية ميشيل مالكوف مقالة في مجلة “ذي ويك” الأمريكية، تتحدث فيها عن دوْر الأدب في فهم دوافع الانتحار، والآثار المترتبة على أسر المنتحرين، التي قد تلاحقهم مدى الحياة. وتعتقد “مالكوف” أن استكشاف الانتحار من خلال الأدب يمنحنا فهمًا أفضل ممّا توفره لنا التقارير والدراسات النفسية والعلمية.

 

أثار الفيديو الذي نشره نجم يوتيوب لوغان بول حول “غابة الانتحار” في اليابان ضجة عارمةً، أصابت كلّ متابعيه بصدمةٍ كبيرة، إذ شاهدوا جثةً معلقةً على شجرة، أقدم صاحبها على الانتحار قبل ساعات قليلة.

جرى التقاط الفيديو في غابة “أوكيغاهارا” اليابانية، المعروفة باسم “غابة الانتحار”، وحاز على أكثر من 8 ملايين مشاهدة خلال يومٍ واحد، قبل أن تحذفه الشركة.

وبعد نشر الفيديو بيوم، ازداد عدد الباحثين عن كلمة “انتحار” إلى 14,6 مليون شخص، في مختلف مواقع البحث العالمية. من الواضح أن الجمهور العالميّ لديه شهية مفتوحة للقراءة حول هذه الظاهرة في كلّ ميدان.

وليس هناك أي شكّ في أن الانتحار يشكّل مصدر قلق كبير في مجال الصحة العامة، وخصوصًا في دولٍ مثل الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أفادت المؤسسة الأمريكية للوقاية من الانتحار أنه من أكثر عشرة أسباب رئيسة للوفاة بالنسبة للأمريكيين، لا سيّما أن معدلاته آخذة في الارتفاع على مرّ السنين. وقد تحدثت الكثير من المراكز والمعاهد الرسمية والحكومية عن أسباب هذه الظاهرة المقيتة، مثل المعهد الوطنيّ الأمريكيّ للصحة العقلية، وخدمات منع الانتحار في أميركا، ومركز شريان الحياة، فضلًا عن مختلف وسائل الإعلام.

ولكن السؤال يبقى ما إذا كانت التقارير الإعلامية تفي بحاجة الجمهور وهوسه نحو استيعاب قدرة المنتحرين على سلب أرواحهم بأيديهم؛ فالأمر لا يتعلق بأسبابٍ مجردة، وكلام إنشائي، بقدر ارتباطه بحاجةٍ روحانية.

إن الأدب هو أفضل مصدر لأولئك الذين يرغبون بفهم دوافع المنتحرين للانتحار؛ فهو خالٍ من أيّ استغلالٍ وانحياز، بل يثير العواطف، وحب الاطّلاع على قيمٍ إنسانيةٍ وبشرية.

يُمثّل الانتحار هاجسًا أدبيًا يعود إلى عصر الإغريق القدماء، والقرون اللاحقة، التي شهدت أعمالًا كلاسيكية لكثير من الأدباء والشعراء والروائيين؛ أهمهم الشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير، وأحد عمالقة الرواية الرّوسية ليو تولستوي، والروائي الفرنسي الكبير جوستاف فلوبير.

استكشف الأدباء موضوع الانتحار بشكلٍ مفصّلٍ في أعمالهم الأدبية الرائعة، وهنالك الكثير من الروايات الحديثة التي تناولت الانتحار في عالمنا المعاصر:

  • ركّزت الروائية الأمريكية “سيلست نغ” في روايتها المدهشة “ما لم أخبرك به” على عائلة آسيوية أمريكية تعيش في ولاية أوهايو منذ السبعينيات، تتصارع مع واقع إقدام ابنتهم على الانتحار منذ زمن بعيد. تثير الرواية تساؤلات حول دوافع الفتاة لاتخاذ مثل هذا الخيار المأساوي، وتتناول كذلك التعقيدات التي تحول دون انتقال العائلة إلى المستقبل، وطيّ صفحة الماضي ونسيان المصيبة. وكل من يقرأ الرواية سيدرك حاجتنا الملّحة إلى النظر من جديد في ظاهرة التمييز العنصريّ، وفهم كل مآربه وعواقبه، التي قد تزجّ بالآخرين نحو ذاك الخيار.

 

  • تناول الروائي الأمريكي “ديفيد فوستر والاس” في روايته الشهيرة “دعابة لا متناهية” حالة انتحارٍ غريبة أقدم عليها أحد مخرجي الأفلام. تتمحور الرواية حول فيديو يجذب انتباه كل من يشاهده، إذ يفقد متابعوه اهتمامهم بكلّ شيء، ويواصلون مشاهدته حتى يموتون. ويكتشف القارئ في النهاية أن الرواية تستنسخ وفاة المخرج، وتحاول تطبيق منهجية انتحاره على القارئ. ولكن ما الذي حصل في النهاية؟ أقدم “والاس” نفسه على الانتحار شنقًا عام 2008.

 

  • لقد تضاعف استخدام العبارات المجازية حول الانتحار في أدب الشباب بعد أن حقّق الروائيّ المعروف “جي آشر” نجاحًا باهرًا في روايته “ثلاثة عشر سببًا، لماذا؟” وما تبعها من سلسلة أفلام بُنيت عليها في عام 2017، برغم كل الانتقادات حول عدم تعامله مع هذه الظاهرة بقدرٍ عالٍ من المسؤولية.

 

  • أما الروائية “سينثيا هاند” فتختبر في روايتها “الوداع الأخير” آثار فقدان أحد أفراد العائلة، وتتناول قصة فتاة تطاردها الأشباح بعد أن أقدم أخوها على الانتحار. وفي الرواية، تجاهلت الفتاة رسالة نصية من أخيها قبل لحظاتٍ قليلة من انتحاره، وما تبع ذلك من مرارة تلاحقها طوال الوقت. وتميّزت الرواية بتبيان قدرة الحزن على إزالة الخطّ الفاصل ما بين الخيال والواقع، بالنسبة لكلّ من يفقد عزيزٍ له.

 

  • أما رواية “قلبي والثقوب السوداء الأخرى”، للروائية المعروفة “جاسمين وارغا” فتتحدث عن فتاةٍ ترغب بالانتحار، وهي جادة جدًا في قرارها، إذ توجهت إلى أحد مواقع التعارف، وبدأت بالبحث عن شريك آخر يفكّر بالانتحار، ليقدِما على الموت معًا في آنٍ واحد.

 

من المفجع حقًا أن نقرأ عن شخصيات تشعر بهذا الحدّ من اليأس العميق، إلا أن القراءة تمنحنا استنارة كافية لفهم ميول الآخرين نحو الانتحار، وتلاشي كلّ شيءٍ أمامهم سوى هذا الخيار. وبالطبع، ليست الروايات بديلًا عن موارد العالم العلمية، فيما يتعلق بمن يعاني من ميولٍ انتحارية، ولكنها توفر نظرة ثاقبة في عقول أولئك الذي يتعاملون مع هذه الظاهرة.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة