الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل يمكن تجنب حرب بين الولايات المتحدة والصين؟

كيوبوست- ترجمات

بول هير♦

كثيرون هم المحللون الذين يبحثون في دوامة العلاقات الصينية- الأمريكية، ويقدمون آراءهم ومقترحاتهم؛ ولكن من النادر أن تجد باحثاً يتمتع بعلاقات وثيقة مع كل من بكين وواشنطن دون أن يكون أمريكياً أو صينياً، مما يسمح له بالتحدث بصراحة وحرية مع كلا الطرفَين. وهذا ما يفعله رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفين رود، في كتابه “الحرب التي يمكن تجنبها”.

هذه كانت مقدمة مقال كتبه بول هير، المسؤول السابق في المخابرات الوطنية لشؤون شرق آسيا، ونشره موقع “ناشيونال إنتريست”.

والغرض من الكتاب، كما يقول رود، هو “تقديم خريطة طريق مشتركة لمساعدة هاتين الدولتين العظميين على سلوك طريق مشترك نحو المستقبل”، في جو تسود فيه في كلا البلدَين وجهات النظر التي تدفع البلدَين نحو الحرب. وتقوم خريطة رود على ما يُسميه “المنافسة الاستراتيجية الخاضعة للسيطرة”؛ حيث تسعى كل من بكين وواشنطن إلى التفاهمات المتبادلة التي تسمح لهما بالحفاظ على تنافسهما الاستراتيجي الحتمي ضمن الحدود المقبولة، مع تعزيز فرص التعاون التي تخدم مصالح البلدَين. يدرك رود مدى صعوبة الأمر؛ نظراً لانعدام الثقة وغياب الفهم المتبادل بين البلدَين، إلى جانب القيود السياسية الداخلية المفروضة على قادتهما؛ ولكنه يشير إلى أن البدائل -بما فيها المسار الحالي- لن تؤدي إلا إلى كارثة.

اقرأ أيضاً: ما هي بالضبط سياسة أمريكا تجاه الصين؟

أولى العقبات التي ينبغي تذليلها هي حاجة بكين وواشنطن إلى التغلب على الفخ المعرفي الذي أوقعتا نفسيهما فيه، من خلال شيطنة كل منهما للآخر، والمبالغة في تقدير طموحاته بشكل كبير. ويؤكد رود أنه يجب على الجانبَين الابتعاد عن التحيز الأيديولوجي وخداع الذات. ويرى أن الولايات المتحدة هي الطرف الذي يغالي بشكل أكبر في هذا الأمر. ويرى أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين “مدفوعة بشكل كبير بمزيج من الذعر الاستراتيجي غير المدروس والانتهازية السياسية المحلية”. ونتيجة لذلك “تبقى الرغبة السياسية والمساحة السياسية لمقاربة أمريكية أكثر عقلانية تجاه الصين”؛ وهذا نقد لاذع ولكنه ليس في غير محله.

ولكن رود لا يحصر انتقاده في الولايات المتحدة، وقد خصص نصف كتابه لتقديم شرح معمق لرؤية شي جين بينغ للعالم التي يقول إنها قائمة على دوائر متحدة المركز متدرجة في أهميتها. الدائرة المركزية والأكثر أهمية هي بقاء الحزب الشيوعي الصيني في السلطة وسيطرته على البلاد، وتليها دائرة سعي الحزب لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأمن الحدود، وسلامة أرض البلاد، والسعي الخارجي لبسط التأثير الإقليمي والعالمي، والهيمنة والأمن.

رئيس الوزراء الأسترالي كيفين رود- أرشيف

الأمر الأهم بالنسبة إلى علاقة الصين مع الولايات المتحدة هو نظرة القادة الصينيين الذين يرون أن ازدراء الولايات المتحدة للحزب الشيوعي الصيني وما يعتبرونه رغبة واشنطن في تغيير النظام في بكين، هو التهديد الأكبر للاستقرار الداخلي للصين. كما أنهم يرون أن سياسة الولايات المتحدة لاحتواء الصين إقليمياً وعرقلة نموها وتأثيرها دولياً هي التحدي الخارجي الأساسي للصين. ويرى رود في هذا الأمر دافعاً للرئيس الصيني شي، لتعزيز سلطة الحزب الشيوعي محلياً، ولاتباع سياسات أكثر حزماً وفعالية في الخارج لتسجيل نقاط على واشنطن ولتعزيز مكانة الصين العالمية.

اقرأ أيضاً: هل شركة ماكنزي سلاح بيد الصين ضد أمريكا؟

ويرى رود أن العلاقة الحالية بين البلدَين إنما هي نتاج تاريخ طويل ومعقد ومليء بالنزاعات. وأن ما فعله شي هو تكثيف وتسريع الأولويات التي لطالما كانت جزءاً من استراتيجية الحزب. كما أنه شحذ الطموحات الوطنية للبلد، وعزز سلطة الحزب وسيطرته على القرار السياسي. ويذكر رود أن الحزب ليست لديه أية نية لتحويل الصين إلى دولة ديمقراطية، ولديه طموح في خلق منطقة نفوذ صينية في نصف الكرة الشرقي، وتمييع -وفي نهاية المطاف إزالة- الوجود العسكري الأمريكي فيها.

ويعالج رود في كتابه قضية استراتيجية رئيسية يمكن أن يكون لميول شي الشخصية تأثير حاسم بشأنها، وهي قضية تايوان. إذ يرى رود أن شي لديه رغبة حقيقية في تأمين سيطرة بلاده على تايوان أثناء فترة وجوده في السلطة. القضية الثانية التي يعالجها هي طموحات الصين الاستراتيجية وهدف بكين العالمي بعيد المدى، ويؤكد محقاً أن “الاستراتيجية العالمية للصين هي زيادة تأثير سياساتها الاقتصادية والخارجية والأمنية في جميع المناطق”. وهي تعمل على تحقيق ذلك من خلال الاستفادة من “التراجع النسبي في القوة الأمريكية، والتراخي الأمريكي وعدم اهتمام واشنطن بأصدقائها وشركائها التقليديين في مختلف أنحاء العالم”.

ولكن المسألة الضبابية حول الصين تتمثل في ما يُقال عن رغبة شي في تغيير النظام العلمي الحالي القائم على القواعد؛ إذ يرى رود أنه من غير الواضح إلى أي مدى تريد الصين تغيير العالم وبأية وتيرة، ويشك في أن بكين لديها مخطط لما سيبدو عليه النظام الدولي بقيادة بكين في نهاية المطاف. ويبقى السؤال الذي لم يتطرق إليه رود هو ما إذا كانت الصين -كما يُزعم على نطاق واسع- تطمح لأن تزيح الولايات المتحدة، وتحل محلها في مركز النظام العالمي، أم أنها تريد مشاركتها في هذا الموقع.

كيفين رود وكتابه “الحرب التي يمكن تجنبها”- جامعة ديوك

ويلفت رود إلى أن الصين تعمل على توسيع نفوذها في مؤسسات الحوكمة العالمية، وعلى إنشاء مؤسسات جديدة -مثل بنك آسيا للاستثمار- حيث تكون الصين، وليس الولايات المتحدة هي القوة المنظمة المركزية. ويرى أن هذه التوجهات تشير إلى رغبة الصين في وجود نظام عالمي متعدد الأقطاب بدلاً من النظام الحالي أحادي القطب.

ويعطي رود الأفضلية للصين في هذا الأمر؛ لأنها -كما يقول- تقوم بعمل أفضل مما تفعله الولايات المتحدة، ويقول إن “أمريكا والغرب فقدوا الثقة بأنفسهم وفي رسالتهم ومستقبلهم”. ولذلك، فهو يركز على حاجة الولايات المتحدة إلى إظهار “العزيمة السياسية والحكمة الاستراتيجية” الضرورية لمواجهة هذا التحدي الاستراتيجي من خلال بناء قوتها الاقتصادية والعسكرية وتنشيط شراكاتها في الخارج. وسوف يتاح لواشنطن الوقت والموارد للتركيز على استعادة الذات؛ هذا فقط إذا تمكنت من تجنب الصراع مع الصين. وهنا يطرح رود رؤيته “المنافسة الاستراتيجية الخاضعة للسيطرة”. ويقول إنه لحسن لحظ يبدو أن الصين لديها نفس الحاجة والرغبة في التركيز على بنائها الداخلي؛ لأن الصين -مثل الولايات المتحدة- ليست سعيدة بالبيئة الاستراتيجية العدائية التي تجد نفسها فيها.

اقرأ أيضاً: العلاقات الصينية- الأمريكية دخلت مرحلة جديدة

وبالطبع فإن رود لا يفرط في التفاؤل بشأن ما يمكن أن تسفر عنه “المنافسة الاستراتيجية الخاضعة للسيطرة”. وهو يستبعد بشكل كامل أي احتمال لإحياء “الشراكة الاستراتيجية” أو “التعاون المربح للطرفين”، وربما كان في ذلك شيء من الإفراط في التشاؤم؛ إذ إنه لا ينبغي لواشنطن وبكين أن تستبعدا إمكانية التوصل إلى علاقة منفعة متبادلة، بل إن هنالك بعض التداخل بين اقتراح رود ودعوة بكين قبل عقد من الزمان لـ”نوع جديد من علاقات القوى العظمى”. ومن السابق لأوانه أو من غير الضروري في هذه المرحلة استبعاد إمكانية تحقق نتائج أكثر إيجابية.

وعلى الرغم من ذلك؛ فسيكون من الصعب على بكين وواشنطن التكيف بعضهما مع بعض في ظل القيود المفروضة ذاتياً على السلوك الإقليمي والدولي لكل منهما. ويبدو من غير المنطقي أن أياً منهما ستوافق على السماح للأخرى بالتركيز على بناء قدراتها الذاتية في ظل المنافسة طويلة الأجل بينهما. ولكن رود يجادل بأن كلا البلدَين يدرك أن “المنافسة الاستراتيجية الخاضعة للسيطرة” تخدم مصالحهما؛ لأن البديل هو “المنافسة الاستراتيجية الخارجة عن السيطرة”، مع ما يرافقها من مخاطر متزايدة بحدوث أزمة أو صراع أو نشوب حرب بينهما.

وفي النهاية، يصل رود إلى نتيجة صحيحة تماماً يلخصها بقوله: “في عالم الأفكار والأنظمة والحوكمة قد يفوز الطرف الأفضل. ويجب على العالم الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي أن يشعر على الأقل بالمقدار ذاته من الثقة بالنفس التي يبدو أن الصين تمتلكها”. ويضيف: “إن أكبر خطرَين يواجهان الولايات المتحدة هما أن تفقد أمريكا ثقتها بنفسها، أو أن يفترض أي من الجانبَين أن الفوز يتطلب بالضرورة هزيمة الطرف الآخر”.

♦مسؤول سابق في المخابرات الوطنية لشؤون شرق آسيا.

المصدر: ذا ناشيونال إنتريست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة