الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل يمكن أن يشكل صعود “طالبان” رافعة لـ”إخوان سوريا”؟

يرى بعض المراقبين أن سيطرة "طالبان" على المشهد السياسي الأفغاني سترسم ملامح مرحلة جديدة لجماعة الإخوان

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

علاقات وطيدة كانت قد جمعت بين الفصائل الإسلامية التي قاتلت في أفغانستان، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وجماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا، ولا تزال هذه العلاقة التاريخية قائمة لاعتبارات الأيديولوجيا والفكر وتقاطع الأهداف والمسارات بين جماعات الإسلام السياسي، والتيارات الجهادية؛ حتى إن بدَت تلك العلاقات في الظاهر أنها ملتبسة ومتوترة، إلا أنها متينة، ولا أدلّ على ذلك من التهنئة التي قدمتها جماعة الإخوان السورية، بعد تسيُّد حركة طالبان المشهد السياسي في أفغانستان، على الحكم لحظة إمساك حركة “طالبان” بالسلطة؛ أملاً في قطف ثمار الحرب السورية.

جماعة الإخوان المسلمين السورية، أصدرت بياناً هنَّأت من خلاله “طالبان”، معتبرةً أن ما جرى نعمة من الله يستحق كل الشعب الأفغاني عليها التهنئة والتجلة والإكبار.

مقاتلو “طالبان” يقومون بدورية في كابول بعد الاستيلاء عليها.. أفغانستان أغسطس 2021- “أسوشييتد برس”

كما وصفت الجماعة ما حدث مؤخراً على يد “طالبان” بـ”العيد الحقيقي” لكل الأحرار والشرفاء؛ ليس في أفغانستان وحدها، بل عند كل الذين يكرهون الاستعباد والاستعمار، والنَّيل من إرادة الشعوب، على حد وصف البيان.

اقرأ أيضاً: سيناريوهات وخيارات إخوان سوريا بعد نهاية الأزمة

ويرى البعض أن التغيرات التي فرضتها سيطرة “طالبان” على أفغانستان، والمشهد السياسي الأفغاني، يمكن أن تكون فرصة لتركيا في التوسع أكثر في الداخل الأفغاني، وستؤدي إلى رسم ملامح مرحلة جديدة لجماعة الإخوان، الذين سيجدون الباب مفتوحاً أمامهم للاستفادة مرة أخرى من التجربة الأفغانية من جهة، وإيجاد منافذ جديدة للدخول إلى المشهد “الجهادي” المعقد في سوريا من جهة أخرى.

قوة دفع جديدة

ووسط هذه التطورات، هل من الممكن أن تعطي سيطرة حركة طالبان على أفغانستان قوة دفع جديدة لـ”الجماعة” التي تسعى إلى إعادة تشكيل نفسها ولملمة صفوفها؛ خصوصاً بعد الشقاق الكبير الذي ظهر إلى العلن بين تيار المراقب العام السابق لـ”الإخوان” محمد رياض الشقفة، ونائبه فاروق طيفور، وتيار “إخواني” آخر يقوده محمد سعيد حوا؟ وهو الانقسام الذي أدى إلى الإبقاء على محمد حكمت وليد مراقباً عامّاً لولاية ثانية.

فكيف يمكن أن تستثمر جماعة الإخوان في سوريا الحدث الأفغاني لإحداث مكاسب سياسية لها على المستوى السوري؛ خصوصاً أن هناك علاقات وثيقة تجمع وتربط عدداً كبيراً من قياديي الفصائل “الجهادية” في سوريا بقيادات فصائل أفغانية، بينها “طالبان” ذاتها، الأمر الذي ينظر إليه البعض على أنه يمكن أن يسرِّع في إعادة تصدرها المشهد السياسي والعسكري في سوريا؟

“الإخوان المسلمون” في سوريا وصفوا سيطرة “طالبان” على المشهد الأفغاني بأنه عيد للأحرار والشرفاء

وبخصوص انعكاسات المشهد السياسي بعد سيطرة “طالبان” على أفغانستان، يرى الباحث في الحركات الإسلامية جمعة لهيب، في تصريحاتٍ أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن تلك المتغيرات ستشكل رافعة للمشروع الإسلامي السياسي؛ خصوصاً الإخوان، وخسارة للسلفية الجهادية، وذلك لعاملَين اثنين؛ العامل الأول يتمثل في العقدي والفكري، فـ” طالبان” و”الإخوان” أشاعرة وماتريدية العقيدة، الأمر الذي لم يكن مهماً قبل عشرين سنة ضمن الحراك الجهادي عموماً.

جمعة لهيب

أما العامل الثاني فيتمثل، حسب رؤية لهيب، في المفهوم الوطني ضمن الإطار الأممي، وهذا وإن أصبح واقعاً خضعت له جماعات الإسلام السياسي عموماً، وجماعة الإخوان خصوصاً، و”طالبان” أيضاً بعد التدخل القطري، ونشر فكر يوسف القرضاوي، أصبحت ضمن هذه المنظومة، لكنه ما زال مفهوماً جنينياً بطور التعقيد والتفريع، بينما سيكون جامعاً لحركة طالبان مع الإخوان من جهة، ونافراً عن السلفية الجهادية من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: لماذا قبلت مجموعات جهادية أجنبية بالعمل تحت مظلة تركيا في سوريا؟

ويؤكد لهيب أن “طالبان” نظراً لحاملها العقدي الصوفي الماتريدي- الحنفي، التي تقترب في تركيبتها العقدية مع الإخوان، والتي لا يمكن لها أن تجتمع مع العقيدة السلفية لأسبابٍ كثيرة، كما أن الحامل الحركي لـ”طالبان” يعتبر وطنياً بامتياز، وهذا ما تجتمع فيه مع “الإخوان”، وبالتالي فلن تسمح “طالبان” بأي تصرف يضر مصلحتها الوطنية كتبنِّي الجماعات السلفية الجهادية.

ويضيف لهيب، في سياق حديثه، بالقول: “لعل الرؤية الأمريكية بكف استعمال ورقة الإرهاب ستكون بتوكيل (طالبان) والإخوان ملف إنهائه بعد فشل الأنظمة التقليدية في ذلك؛ إذ سيكون الصراع لاحقاً إسلامياً- إسلامياً، ولن يكون للغرب تدخل فيه اللهم إلا دعم ومساندة، ومن هنا ستكون المرحلة القادمة لمصلحة الإسلام السياسي، إلا إذا كان للنظام التقليدي السياسي تحرك آخر”.

سياقات مختلفة

وفي سياقٍ متصل، يذهب الباحث في شؤون الجماعات والتيارات الإسلامية عباس شريفة، إلى رؤية مغايرة إلى ما ذهب إليه لهيب، مؤكداً، في حديثٍ خاص له مع “كيوبوست”، أنه من الصعب إيجاد روابط بين الحالة الإخوانية السورية والأفغانية “الطالبانية”، مشيراً إلى أن بيان “الإخوان المسلمين” في سوريا في تهنئة “طالبان” لم يفعله الإخوان وحسب؛ بل الكثير من تنظيمات “الإسلام السياسي” التي بدورها هنَّأت “طالبان”، ودعت إلى إنهاء الاحتلال، وهذا أمر طبيعي ويدخل في سياق رفض وجود أية قوات أجنبية في أي بلد كان.

عباس شريفة

ويرى شريفة أن حالة القياس والإلحاق والاستنساخ للتجارب كانت سمة عامة جداً عند الكثير من الأطياف السياسية؛ بحيث تبحث عن النقاط المتشابهة لتوجد قياساً وإلحاقاً واستنساخاً بالتجارب السياسية؛ لكن في الحقيقة أن هناك سياقات مختلفة بين الإخوان وطالبان- أفغانستان، التي هي مكون عشائري من البشتون، ومكون ينتمي إلى المدرسة التقليدية؛ وهو في الأساس لا ينتسب إلى فكر الإخوان المسلمين، ولا يرتبط بالحالة الإخوانية، مشيراً إلى أن الحزب الإسلامي الذي يقوده قلب الدين حكمتيار، هو الأشبه والأقرب إلى الحالة الإخوانية، الذين كانوا خصوم “طالبان” “التقليديين”، إضافة إلى أن الإخوان المسلمين في سوريا غير موجودين على الأرض، وليست لديهم ذراع عسكرية.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون خارج اللجنة الدستورية في سوريا

وفي ما يتعلق بالعلاقة الوثيقة بين بعض شخصيات من “طالبان” و”الإخوان المسلمين”، يوضح شريفة أنها تأخذ شكل العلاقات الشخصية، وليست علاقات تنظيمية، ولا توجد تبعية بين الطرفَين، منوهاً بأنه يمكن أن تكون هناك محاولة لدراسة التجربة والوقوف على دلالاتها والعِبر منها؛ لكن من المستبعد أن يحدث تعاون بين “طالبان” و”الإخوان المسلمين” على المستوى السياسي أو العسكري سوى أنها علاقة عاطفية.

من جانبه، يذهب المحلل السياسي التركي محمد علي أردوغان، إلى التأكيد أن التطورات في أفغانستان سيكون تأثيرها الأكبر على التيارات والجماعات الجهادية؛ كتنظيم القاعدة وهيئة تحرير الشام في إدلب بشكل خاص، مشيراً إلى أن الإخوان في سوريا أصبحوا تنظيماً ضعيفاً جداً، وحضورهم في المشهد السوري محدود، ولم يعد له تأثير على أرض الواقع، وبالتالي فلن يكون هناك تأثير حقيقي وملموس لإخوان سوريا بعد التطورات في المشهد الأفغاني.

محمد علي أردوغان

ويتابع الخبير التركي حديثه الخاص لـ”كيوبوست”، قائلاً: “هناك علاقات متغيرة بين الدول والأطراف؛ فمن يستفيد أكثر من الجانب الاقتصادي والتجاري، والمستفيد الأكبر بما جرى في أفغانستان هو الصين، كما أن لدى (طالبان) علاقات ممتازة مع إيران، وقد بدأت علاقات تجارية بينهما؛ لكن هذه المعادلة يمكن أن تنقلب في المستقبل القريب بعد نجاح النظام السوري في إعادة سيطرته على سوريا وانتصاره في الحرب، حيث ستكون أدلب في السنوات المقبلة تحت سيطرة النظام السوري، وحينئذ يمكن أن يلجأ المقاتلون في إدلب من تنظيمات هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى المقاتلة مرة أخرى إلى أفغانستان، وتشكل ملجأً لهم من جديد”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة