الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل يمكن أن تنجو إثيوبيا؟ وماذا سيحدث إذا سقط آبي أحمد؟

كيوبوست- ترجمات

نشرت مجلة فورين أفيرز مقالة مطولة تتناول الحرب الدائرة في إثيوبيا وأقليم تيغراي ومحاولات رئيس الوزراء الإثيوبي إدارة الصراع باستخدام الحل العسكري. حيث بدأ اشتعال الوضع حين أمر آبي أحمد بشنِّ هجومٍ على قوات متمردي تيغراي، التي تسيطر على جزء كبير من إقليم تيغراي في شمال البلاد، وجزء من منطقتي أمهرة وعفر المجاورتين في أكتوبر الماضي.

اقرأ أيضاً: الحرب الأهلية في إثيوبيا.. خطر وجودي يهدد أمن المنطقة

وكان هدفُ رئيس الوزراء الإثيوبي هو إجبار المتمردين على مواجهة أخيرة على أرضهم، وإنهاء حرب استمرت عاماً كاملاً، وأودت بحياة الآلاف من البشر وشرَّدت ما يزيد على 1.7 مليون شخص. وحتى لو تكلّل هجوم آبي أحمد العسكري بالنجاح، كان سيواجه تحدياً كبيراً في إعادة دمج تيغراي واستعادة الشعور بالهوية الوطنية. لكنه الآن، وبعد أن بات قاب قوسين أو أدنى من الفشل، شكَّك رئيس الوزراء في قدرته الشخصية على الحكم، وربما في وجود الدولة الإثيوبية ذاتها في شكلها الحالي.

وقد جادل ريتشارد هارتشورن؛ المتخصص في الجغرافيا السياسية، أن قدرة أيّة دولة على البقاء تعتمد على ما إذا كانت قوى الجذب المركزي لديها (التي توحد) تفوق قوى الطرد (التي تُقسِّم). وتشمل الأولى جهود الحكومة لبناء بنية تحتية، وتوفير الخدمات، وتعزيز قوة الحدود، فضلاً عن الجهود الرامية إلى إقناع المواطنين بفكرة الدولة -سواء من خلال الترويج لثقافة وطنية مشتركة، أو لغة، أو اقتصاد، أو غير ذلك من الرؤى الجامعة. أما القوى الثانية فتشمل أراضيَ شاسعة أو عديمة الجدوى، وبنية تحتية ضعيفة، ونقصاً في الموارد، وانقساماتٍ عرقية أو اجتماعية راسخة.

غارة جوية يُقال إنها كانت تستهدف منشآت لتصنيع أسلحة في تيغراي، إثيوبيا، 2021- أسوشيتد برس

وكان الهدفُ من الهجوم الأخير الذي شنَّه آبي أحمد هو دفع قوات التيغراي للخروج من منطقتي أمهرة وعفر وقطع خطوط إمدادها، بحيث لا تتمكن من إعالةِ شعب التيغراي. إلا أن القوات الإثيوبية لم تفشل في استعادة الأراضي فحسب، بل فقدت أيضاً السيطرة على مدينتي ديسي وكومبولشا في أمهرة، ما أفسح المجالَ أمام وصول المتمردين إلى أحد المطارات، وإحباط جهود آبي أحمد لقطع الطرق عن الإقليم.

اقرأ أيضاً: آبي أحمد.. بطل إثيوبيا الجديد

وبحسب المجلة، فإن الأزمة في تيغراي قد سلطتِ الضوءَ على شدة خطر التشرذم الوطني، إلا أن بذور عدم الاستقرار الإثيوبي لم تُزرع في عام 2020 أو حتى عام 2012، عندما تُوفي ملس زيناوي، زعيم الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية. إذ لم يتفق الإثيوبيون، في أيّة مرحلةٍ من مراحل تاريخهم، على هوية زعمائهم الشرعيين أو كيفية تقاسم السلطة بين الجماعات العرقية المختلفة.

وهناك على سبيل المثال مؤسس إثيوبيا الحديثة، الإمبراطور منليك الثاني الذي يبجله الأمهرة عموماً باعتباره بطلاً قومياً، لكن العديد من الأورومو والصوماليين والتيغرانيين ينظرون له باعتباره مالكًا للعبيد، وإمبريالياً ومختطفاً للأراضي. كما ينطبق الشيءُ نفسه على هيلا سيلاسي، الإمبراطور الذي حكم إثيوبيا من عام 1930 إلى عام 1974 والذي قضى معظم فترة عهده وهو يحاول إخماد حركات التمرد.

بعد أن بات قاب قوسين أو أدنى من الفشل، شكَّك رئيس الوزراء الإثيوبي في قدرته الشخصية على الحكم_وكالات

والواقع أن آبي أحمد، الذي أمر مؤخراً بشنِّ غاراتٍ جوية مثيرة للجدل على مدينة ميكيلي، ليس أول زعيم إثيوبي يحاول قصف إقليم تيغراي وإخضاعه. فقد فعلها سيلاسي بعد عودته من المنفى خلال الحرب العالمية الثانية، حين دعا سلاح الجو الملكي البريطاني لمحاولة القضاء على حملة التيغرانيين من أجل الحكم الذاتي.

وهكذا أدَّت المظالم العرقية والإقليمية، والتي تم شحنها بقوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حديثاً، إلى تفاقم في التباينات العميقة التي تعاني منها البلاد. وكما جادلت فرانسيس ستيوارت، الخبيرة الاقتصادية المتخصصة في مجال التنمية، حين تتوزع التباينات الاقتصادية على أُسسٍ دينية أو عرقية، فهي تقود إلى تعزيز الهويات دون الوطنية، وازدياد مخاطر اندلاع الصراع بين الطوائف المحلية بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: إقليم تيغراي..الطعام سلاح للحرب بينما تلوح المجاعة في الأفق!

ويُعتبر التفاوت العام في الدخل منخفضاً نسبياً في إثيوبيا، لكن البطالة تبلغ 27% وتتمتع النخبة الحضرية بشكل أساسي بثمار النمو الاقتصادي. ويؤكد كاتبا المقالة أنه من الممكن أحياناً إدارة أوجه التفاوت الاقتصادي في أوقات الازدهار، حين يشعر معظم المواطنين بالتفاؤل وبأن أحوالهم تتحسن. إلا أن إثيوبيا تصارع الآن في خضم ركودٍ اقتصادي مؤلم. وقد أدت الاضطرابات التي سببتها الحرب في تيغراي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكلٍ كبير، واضطرتِ الحكومةُ إلى خفض قيمة العملة الإثيوبية “البير”.

جنود إثيوبيون محتجزون كأسرى لدى متمردي تيغراي خلال استعراضهم على أهالي المنطقة 2021- فرانس برس

وهناك الآن ما لا يقل عن 13 مجموعة عرقية مختلفة تطالب بمزيدٍ من الحكم الذاتي أو بوضعيةٍ إقليمية. وقد ثبت أن حلَّ هذه التوترات يشكل تحدياً خاصاً ليس فقط لأن الحكومة المركزية قد رفضت عملياً السماح للمجتمعات بممارسة حقها في الانفصال، وهو ما يكفله لها الدستور من الناحيةِ النظرية، لكن أيضاً لأن بعض مزاعم هذه المجموعات تتناقض مع بعضها بعضاً.

شاهد: إنفوغراف: أهم القوميات في إثيوبيا

فعلى سبيل المثال، تطالب أقاليم، مثل تيغراي وأمهرة، بأجزاء من أراضي بعضها البعض، وقد ظلَّت عالقة في نزاعات حدودية قائمة منذ زمنٍ طويل. من جانب آخر، تعد هذه النظرة للـ “ميديمر” (وهي كلمة باللغة الأمهرية تعني “تآزر” أو”تكاتف”) تتمتع بالمصداقية في ضوء أحداث تيغراي. حيث يؤكد المراقبون أنه حتى لو اتبعت حكومة مستقبلية استراتيجية آبي أحمد لصياغة هوية وطنية جماعية، فإن “هناك أسباب تدفعنا للاعتقاد بأنها ستفشل على الأقل على المدى القصير”.

ولعل أول أسباب هذا الفشل، وأكثرها وضوحاً، وفقاً للفورين أفيرز، هو أن رئيس الوزراء لم يوحِّد إثيوبيا بل زاد من استقطابها. فعلى الرغم من أن الحرب في تيغراي مكّنت آبي أحمد من توحيد العديد من الإثيوبيين ضد “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”، فإنها فاقمت انقساماً عرقياً سياسياً خطيراً وزادت من احتمال تفكك البلاد.

سكان بلدة ميكيلي يهتفون لوصول قوات دفاع تيغراي والسيطرة على الإقليم بعد هزيمة قوات آبي أحمد، 2021- دويتش فيله

ومن شأن أنواع السياسات التي ستحتاج الحكومة إلى تطبيقها في سبيل صياغة استراتيجية قادرة على صهر جميع العناصر ودمجها أن تجعل عملية تحقيق سلام دائم في تيغراي أكثر صعوبة أيضاً. ومن شبه المؤكد أن “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” سوف تطالب بالمزيد من الحكم الذاتي الإقليمي، وليس أقل من ذلك، قبل أن يوافقوا على إلقاء أسلحتهم. وينطبق الأمر ذاته على “جيش تحرير أورومو”.

وبالتالي، فإن المشكلة التي يواجهها آبي أحمد هي أن نهجه المفضل لبناء الدولة يبدو أنه مقدر له أن يؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية الأكثر إلحاحاً في البلاد. ومن شبه المؤكد أن آبي أحمد سيرفض مثل هذه الخطة، التي ستكون بمثابة إذلال شخصي له، وستجعله الشخص الذي سيسجل التاريخ اسمه باعتباره الرجل الذي مزق أوصال إثيوبيا.

اقرأ أيضاً: يجب على العالم إيقاف جرائم الحرب في إثيوبيا

ولعل هذا يفسر لماذا يبدو رئيس الوزراء عازماً بشكل متزايد على البحث عن حلٍّ عسكري لمشكلة سياسية. لكن، وكما أظهرت مرونة التمرد في تيغراي، فإن القوة وحدها لن تكفي لإخضاع بلدٍ كبير ومتنوع إلى هذا الحد، لا سيما مع وجود العديد من الجماعات المسلحة التي تعرف كيف تحافظ على التمرد مستمراً. ولهذا السبب سيكون من الحماقة الاعتقاد بأن انتصاراً عسكرياً يحققه أي طرفٍ سوف يؤدي إلى مزيدٍ من الاستقرار السياسي.

نيكولاس تشيزمان: أستاذ الديمقراطية في جامعة برمنغهام.

يوهانس وولدمريام: أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولورادو.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة