الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

هل يمكن أن تصبح بريطانيا جمهورية؟

كيوبوست 

د. دينيس ساموت

اختتمت جنازة الملكة إليزابيث، اليوم الإثنين، عشرة أيام من الحزن البالغ على وفاة ملكة حكمت سبعين عاماً. كان الانتقال إلى الملك الجديد فورياً وسلساً؛ فوفقاً للدستور البريطاني فإن العرش ينتقل إلى ولي العهد فور وفاة الملك. ولكن ماذا عن مستقبل النظام الملكي في بريطانيا؟

لقد كان واضحاً مدى صدق سيل مشاعر الحزن والاحترام الذي تدفق في شوارع لندن وغيرها من المناطق التي مر بها نعش الملكة إليزابيث خلال رحلتها إلى مثواها الأخير. ومع أنه كان متوقعاً، يمكن القول إنه قد تجاوز كل التوقعات. لقد كان هنالك رابط قوي بين الشعب البريطاني والملكة إليزابيث الثانية؛ نتيجة عملها المخلص وسلوكها الذي خلا من الهفوات طوال فترة حكمها المديدة. لقد كانت الملكة هي رأس الدولة الوحيد الذي عرفه معظم البريطانيين. بالنسبة إلى كثير من البريطانيين كانت الملكة هي الدولة، والدولة هي الملكة. وامتدت ردود الفعل على وفاتها إلى ما وراء الشواطئ البريطانية على نطاق واسع؛ ليس فقط في الكيانات الأربعة عشر التي كانت الملكة هي رأس الدولة فيها، بل تجاوزتها إلى أبعد من ذلك في رابطة الكومنولث التي كثيراً ما زارتها الملكة التي كانت هي رئيستها الفخرية.

اقرأ أيضًا: ماتت الملكة.. عاش الملك!

إن حضور عدد كبير من قادة العالم جنازة الملكة يدل على الاحترام الكبير الذي تكنه لها حكومات العالم؛ حتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعث برسالة تعزية مؤثرة إلى الملك الجديد، على الرغم من أنه لم تتم دعوته لحضور الجنازة؛ بسبب الأزمة الدبلوماسية بين المملكة المتحدة وروسيا.

حتى الآن يمكن للمرء أن يستنتج أن الملك تشارلز الثالث قد تمتع ببداية جيدة، وهذا صحيح؛ ولكن الوضع أكثر دقة مما يبدو عليه. وبشيء من التدقيق يمكن للمرء أن يرى أن النظام الملكي يواجه تحديات لا بد له من التعامل معها.

الملكة إليزابيث أثناء زيارة إلى منتزه عام.. 24 يونيو 2002

أولاً؛ يمكن للملك الجديد أن يتوقع أنه سيتم النظر إليه باحترام، فهو الآن الرمز الجديد للدولة، ومن غير المستغرب أن تختفي بعض الانتقادات البسيطة التي كانت توجه إليه عندما كان أمير ويلز؛ ولكن يتعين على تشارلز الثالث أن يعمل بجد للحفاظ على الرابط مع الشعب الذي أسست له والدته عبر عقود من الزمن بفضل أسلوبها ورصانتها وحكمتها. وعلى الرغم من توق البلاد إلى استمرارية الملكية؛ فإنها تتطلع إلى التغيير، وبالتالي يجب على الملك أن يكون محدثاً؛ ولكن أي نوع من أنواع التغيير يحمل معه مخاطر معينة.

من المتوقع حدوث تغيير في طريقة عمل النظام الملكي، وهذا ليس بالأمر اليسير عندما تستمد المؤسسة شرعيتها من تقاليد ترجع إلى قرون عديدة؛ ولكن من الممكن اتباع مقاربة أكثر حداثة. وهذا الأمر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة التوافق مع أعضاء العائلة المالكة الآخرين، أو على الأقل كيفية التخفيف من التزاماتهم وواجباتهم من أجل إبقاء التركيز على الملك وقرينته وولي عهده. وهذا الأمر قد يخلق مشكلاته الخاصة؛ فوسائل الإعلام والجمهور دائماً ما يبحثون عن قصص العائلة المالكة وكثيراً عن الفضائح الملكية لسوء الحظ. ولا شك أن الاهتمام الشعبي الكبير الذي ظهر خلال الأيام العشرة الماضية سيزيد من هذه الشهية، ولا بد من إطعام هذا “الوحش”.

اقرأ أيضًا: الملكة إليزابيث الثانية.. محطات في عهدها

كل ما سبق هو قضايا عرضية إلى حد كبير؛ وهي مسائل مهمة، ولكنها ليست مصيرية. لقد نجح النظام الملكي في الماضي في التكيف والتأقلم. وإن كان قد فعل ذلك ببطء في كثير من الأحيان؛ فقد نجح في الحفاظ على دوره. والتحديات الوجودية هي تلك ذات الطبيعة السياسية والدستورية.

هل يمكن أن تصبح بريطانيا جمهورية؟

قبل فترة طويلة، عندما كنت طالباً في كلية لندن للاقتصاد، تعرفت على طوني بين، أحد أقطاب اليسار البريطاني الذي يتمتع بشعبية كبيرة. كاد “بين” يخلق أزمة دستورية بمفرده منذ أن كان في سن مبكرة؛ فقد ورث عن أبيه لقب “فيسكونت ستانزجيت” الذي يمنحه مقعداً مضموناً في مجلس اللوردات، ولكنه أراد أن يكون عضواً منتخباً من الشعب في البرلمان، وأراد أن يتخلى عن اللقب وأن يصبح شخصاً عادياً. تمكن “بين” في نهاية المطاف من تحقيق غايته بعد تغيير القانون عام 1963؛ حيث تمكن في سابقة من نوعها من التنازل عن اللقب الذي ورثه بعد دقائق من دخول القانون حيز التنفيذ. بقي “بين” عضواً في البرلمان لسنوات طويلة، وكان أحد أبرز الخطباء في مجلس العموم، وشغل مناصب وزارية في العديد من الحكومات في الستينيات والسبعينيات.

اعتاد طوني بين أن يخبرني أنه يرغب في إجراء محادثة مطولة معي، ويجب أن أذهب إلى بيته في الصباح الباكر. كان يعيش في نوتينغ هيل غيت، وكان باب منزله مميزاً بلونه الأحمر. لذلك كنت في مناسبات عديدة أستيقظ في ساعات الصباح الأولى لأصل إلى منزله عند السادسة والنصف صباحاً؛ للتحدث عن السياسة بينما نتناول فنجاناً كبيراً من القهوة.

مجلس العموم البريطاني- “رويترز”

وفي إحدى هذه الزيارات أخبرني أنه انتهى للتو من إعداد مشروع قانون لإعلان بريطانيا جمهورية، وأنه يعتزم تقديمه إلى مجلس العموم. أصابني الذهول؛ أنا أحترم النظام الملكي وأعتقد أنه جيد بالنسبة إلى بريطانيا، وكنت معجباً بشكل خاص بعائلة ويندسور (العائلة المالكة الحالية في بريطانيا)، لذلك قُلت له إنني أختلف معه. وهو بدوره أخبرني أنه يكن الكثير من الاحترام الشخصي للملكة، وقال: “ليس لدي تحفظات على سكان قصر باكنغهام”. وكانت حجته أنه يعارض النظام الوراثي، وأنه يؤمن بأن السلطة يجب أن تنبع من الشعب وليس من الملك كما يقتضي النظام الملكي.

عُدت إلى أوساط الطلاب وأنا أتساءل عما إذا كان هنالك عدد كبير من الناس يدعمون مشروع قانون “بين” في بريطانيا.

اقرأ أيضًا: غياب الملكة إليزابيث عن افتتاح البرلمان

يعتقد كثيرون أن النظام الجمهوري لا يحظى بتأييد كبير في بريطانيا، وأنه يقتصر على كونه قضية للنقاشات في أوساط الاتحادات الطلابية واليساريين غريبي الأطوار. لا شك في أن معظم الأحزاب السياسية الرئيسية في المملكة المتحدة تؤيد النظام الملكي، ويُقال إن علاقة الملكة ببعض رؤساء حزب العمال كانت أفضل من علاقتها مع بعض قيادات المحافظين. ومن المؤكد أن العلاقة مع هارولد ويلسون -ربما كان رئيس الوزراء الأكثر يسارية على الإطلاق- كانت دافئة وودية للغاية.

لكن الحركة الجمهورية متجذرة للغاية؛ وهي تنتظر اللحظة المناسبة. وكثيراً ما كان يُقال إن تلك اللحظة لن تأتي ما دامت الملكة إليزابيث لا تزال على العرش. وإذا ما كان ذلك صحيحاً؛ فقد حانت اللحظة. لكن الاعتقاد بأن النظام الجمهوري سيلقى قبولاً لدى البريطانيين بين ليلة وضحاها غير صحيح؛ وقد أظهرت الأيام الأخيرة عكس ذلك. ولكن يبقى هنالك خطر أن تُصاب الملكية بالضرر من جراء حدوث اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة في بريطانيا نتيجة وقوع حرب أو صراع عرقي أو اضطرابات اجتماعية أو ببساطة نتيجة الشعبوية المطلقة. وهذا ما من شأنه أن يقوِّض النظام السياسي والدستوري للدولة إلى درجة قد تهدد بانهياره.

الملكة إليزابيث والأمير فيليب مع الأمير تشارلز والأمير إدوارد والأميرة آن والأمير أندرو أثناء احتفالهم باليوبيل الماسي لذكرى زواج الملكة والأمير- “الغارديان”

إن تجاوز التحديات السياسية والدستورية المقبلة سيكون أكبر مهمة للملك تشارلز. يتمتع الملك بوعي اجتماعي كبير، وقد أقام روابط وثيقة مع الأقليات العرقية والمجتمعات الدينية المتنوعة ومع الفئات الأقل حظاً. وكان عمله الخيري من خلال مؤسسة “صندوق الأمير” موجهاً إلى هذه الفئات، وغالباً ما جعله على تواصل معها، وهذا أمر سيخدمه كثيراً في المستقبل.

التحدي الأول المقبل هو مستقبل الاتحاد نفسه. توحدت بريطانيا العظمى في مملكة واحدة تضم إنجلترا وأسكتلندا عندما ورث الشخص نفسه عرشَي البلدَين. ولكن السعي إلى الاستقلال استمر في أسكتلندا وأصبح في وقتنا الحالي حركة جماهيرية فازت بنسبة 48% من الأصوات في استفتاء تم قبل عقد من الزمن. ويبدو أن الدعم الشعبي للاستقلال يتزايد على الرغم من أن القيادة السياسية للحزب الوطني الأسكتلندي أعلنت أنه إذا ما استقلت أسكتلندا فإنها ستحتفظ بالنظام الملكي كما هي الحال في أستراليا وكندا ودول أخرى. ولكن صدمة تفكك الاتحاد ستكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها وستشكل تحدياً خطيراً للنظام الملكي.

شاهد: فيديوغراف.. أبرز المتغيرات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

أيضاً يمكن للشعبوية أن تتحول إلى واقع سيئ. وحتى الآن، فإن أكبر إنجازاتها كان الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبعد أن تحقق لها ما أرادت، فهي الآن تبحث عن قضية جديدة. إن نظرة فاحصة على بعض المسارات في دول مجموعة السبع الكبرى يمكن أن تعطينا فكرة عما يمكن أن تؤول إليه الشعبوية. إن هذا النوع من التحديات يمكن أن يشكك في الأسس التي يقوم عليها النظام الملكي.

في هذه السيناريوهات يمكن أن تتأثر الملكية؛ ولكنها لن تكتفي بالمراقبة السلبية. وقد نجح العرش البريطاني في توحيد البلاد في العديد من المناسبات عندما كانت الأوضاع سيئة، كما كانت الحال أثناء الحرب العالمية الثانية مثلاً. ولا يزال النظام الملكي يحظى بتلك القدرة والإمكانات، ولذلك فإن الجمهورية البريطانية لا تزال غير متوقعة؛ بل بعيدة الاحتمال إلى حد كبير.

♦مؤرخ ومدير مركز “LINKS Europe” في لاهاي، بهولندا. [email protected]))

لقراءة الأصل الإنكليزي: Is a republican Britain possible

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة