الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

هل يمكننا الاحتماء بالفن حين تطغى المأساة على الواقع؟

 كيوبوست- ترجمات

مايا فيليبس♦

قبل أن يتم الإبلاغ عن إطلاق نار جماعي جديد في أمريكا، كنت قد أنهيت رواية “العمى” للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو، والتي صدرت عام 1995. وقد قررت قراءتها استعداداً للمسرحية المأخوذة عنها، والتي سيتم افتتاحها في مسرح داريل روث، الشهر المقبل، وهو ما سيكون أولى غزواتي إلى المسرح في ما يبدو وكأنه عصور من العزلة.
كانت الرواية موجودة بالفعل على قائمتي
، منذ أن وصفها لي صديق بكلمة “مزعجة”، أو ربما كانت الكلمة “مؤلمة”، وفي كلتا الحالتين بدا التعبير حاداً ولا يمكن نسيانه، وقد جذب ذلك انتباهي على الفور. في الكتاب، يستسلم العالم فجأة لسبب غير مفهوم لوباء العمى، ومن ثمَّ ينهار المجتمع. الحبكة مليئة بالفظائع البشعة: القتل والاغتصاب والجثث التي مزقتها الكلاب البرية.

شاهد: فيديوغراف.. الفجوة بين المثقف والمجتمع

وهذا لم يزعجني كثيراً، ربما بسبب ميولي المرضية؛ لكنني ركزت بدرجة أقل على الأوصاف الحسية لاختلاط الدم بالمخلفات الجسدية وروائح التعفن، وركزت أكثر على اللغة والفلسفة. فبعد كل شيء، أنا ناقدة؛ لذا عندما يقع ناظري على مأساة، أفصلها وأفحص أجزاءها: ما الذي يفعله ذلك؟ كيف تم تنفيذ هذا؟ ما الغرض من ذلك؟ وبينما أتعمق في المعنى، يمكنني أن أعهد بشكل عام إلى مبدأ “بندقية تشيخوف”؛ وهو أنه في العمل الفني، كل شيء وكل شخصية، وكل فعل عنيف وموت، يجب أن يخدم غرضاً ما في الرواية.

قوات الأمن تحاصر موقع إطلاق النار في أحد متاجر البقالة في كولورادو وتساعد الناجين.. الولايات المتحدة- “إيه بي سي نيوز”

وحتى في أحلك القصص، هناك نظام ومنطق، وربما حتى عدالة، إن لم يكن في عالم القصة نفسها فعلى الأقل في مخيلة الفنان. وبصفتي ناقدة، وعلى الرغم من أنني انتهيت من كتابة آخر كلمة في مراجعتي؛ فربما ألصق حكاية شخصية في ما أقول، أو أن أقوم بتوسيع نطاق اختصاصي للحديث عن التاريخ والتقاليد؛ لكني في النهاية أشعر أنني مقيدة بالفن.
ورغم كل ذلك
، فإنه بالنسبة إليَّ لا توجد طريقة لنقد المآسي في الحياة الواقعية. فبعد ساعاتٍ قليلة من انتهائي من رواية “العمى”، تناولت عشاءً لذيذاً، وشاهدت التلفاز بعض الوقت، ورقصت في أرجاء شقتي على قائمة تشغيل “سبوتيفاي” الخاصة بي. وكنت أحظى بليلة سعيدة.

اقرأ أيضاً: إلى مَن يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

ثم رأيت خبر إطلاق النار على متجر بقالة في بولدر بولاية كولورادو، ولم يمضِ حتى أسبوع كامل على حادثة إطلاق النار في أتلانتا. فوجئت بموجة من الحزن تجتاحني. وبطبيعة الحال، يحزنني كل إطلاق نار ويجعلني أخاف الأماكن العامة الاعتيادية التي قد تتحول بسرعة إلى مواقع للرعب؛ لكنَّ حادثتَي إطلاق نار جماعيتَين خلال أسبوع، بينما كنا بدأنا لتونا في رؤية النور في نهاية نفق (كوفيد-19)، قد أخذتاني إلى حالة من اليأس الواضح.
أنا أشعر بالامتنان
 كل يوم للعمل الذي أقوم به؛ فأنا أتقاضى أجراً لأشاهد، وأفكر، وأكتب. لكن هذا الأسبوع ومثل العديد من الأسابيع في الآونة الأخيرة، بدا الأمر وكأنه بلا مغزى بل وحتى سخيف أن نحلل قصصاً خيالية بينما يموت أناس حقيقيون. وفي هذه المرحلة، اعتدت رؤية العنف على خشبة المسرح.

متضامنون يرفعون شعارات ضد التمييز واستهداف النساء في حادث إطلاق النار على نادي صحي بالولايات المتحدة- “أسوشييتد برس”

فقبل الإغلاق مباشرة، أتذكر وقوفي خارج أحد المسارح مع صديق لي بعد أن شاهدت “قصة الجانب الغربي”، وإطلاقي وابلاً من الشتائم حول تصوير الاعتداء على أنيتا من قِبل عصابة “ذا جيتس” والمعركة العنيفة بين العصابات.
في
 العام الماضي كتبت عن الأفلام التي تصور وحشية الشرطة ضد السود، والتي تضمنت مشاهدة الموت مراراً وتكراراً، حتى شعرت بالحزن الذي بدا شخصياً أكثر مما ينبغي ومتغلغلاً بالنسبة إلى بعض القصص الخيالية؛ لكني تركت النقد يقودني للخروج من هذا الحداد، وكتبت كلمات عن ردود أفعالي، وكشفت المعنى في الطلقات النارية، وتعافيت من جراحي.

اقرأ أيضاً: التغير الاجتماعي الخليجي والذائقة الفنية!

أما الآن فإن قدراتي النقدية تخذلني، بينما أتأمل العالم الحقيقي؛ حيث لا يزال الناس يموتون بسبب الوباء، والأمريكيون الآسيويون يواجهون الكراهية أكثر من أي وقت مضى، ورجل يحمل بندقية يمكنه أن ينهي حياة المتسوقين في متجر البقالة. وأول شيء أبحث عنه هو الدافع، كما لو أنني أبحث عن اتجاه مسرحي في سيناريو هذه المأساة؛ حتى أستطيع القول “آه، هناك معنى للعنف، وإليكم كيف يخدم القصة”.
فبالنسبة
 إلى بعض الناس، فإن العالم يقودهم إلى الفن.. الأخبار هي التي تقودهم إلى معرض أو مسرح. وبالنسبة إلى الآخرين، فإن الفن يقودهم إلى العالم، ويرفع من وعيهم ويصوغ أفكارهم وسياساتهم. أنا واحدة من هذه المجموعة الأخيرة، وقد بنيت مأوى لنفسي في تلك المساحة من الإزاحة. فمن خلال النقد، أتحدث أيضاً عن السياسة والأحداث الجارية، والتي غالباً ما يمكنني تجنبها بسعادة في حياتي اليومية.

حداد في أعقاب إطلاق النار على مدرسة في باركلاند بولاية فلوريدا.. والذي قُتل فيه 17 شخصاً سنة 2018- “بي بي سي”

لكن في بعض الأيام، وعندما يطغى الواقع، فإن الفن يبدو هزلياً. وأنا جزء من النكتة، بالنظر إلى المسرحيات عن الملوك الإنجليز الموتى أو الأفلام التي تتحدث عن الرجال الذين يطيرون بعباءات. ففي أحلك الأيام، ماذا لديَّ لأقدمه سوى بعض ملاحظات على بعض المآسي الخيالية؟ وما الذي لدى الفن ليقدمه سوى ظل لنا؟
فعلى الرغم
 من أن القصص والشخصيات والوفيات خيالية؛ فإننا نجعلها حقيقية بالنسبة إلينا، فنرجئ عدم تصديقنا؛ مما يسمح لنا بالتعاطف مع المشقة أو الحزن، ولو لفترة وجيزة. لقد أصبحت غارقة في ذكرياتي؛ وأحياناً من خلال العمل أقوم بتوجيه قلقي أو حزني من الحياة الواقعية، وتغمرني موجة مفاجئة من التنفيس عما بداخلي؛ لكني لن أجد معنى أبداً في رعب إطلاق النار في بولدر وأتلانتا، أو الوباء أو أي من الويلات اللا نهائية في حياتنا المعاصرة.

شاهد: فيديوغراف..هل الفنون متعة خاضعة للأذواق أم قيمة خالدة؟

فبعد بضعة أيام تذكرت أن إيجاد معنى في الفن ليس بلا هدف؛ فأنا أجد العزاء في قاعدة تشيخوف، لأن الأمر يبدو كما لو أن إطلاق النار من البندقية هو فعل إلهي، والإلهي هو التصميم الأنيق للخيال الذي سمح أن تدب الحياة في السلاح في تلك اللحظة، ويخدم غرضاً أعظم من الحبكة وتطور الشخصية.
ومع ذلك
، فإن إطلاق النار في المتجر أو المنتجع الصحي أو الشارع، ليس فعلاً إلهياً؛ إنه عمل مروع من فعل البشر.

♦ناقدة فنية وشاعرة.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة