ترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

هل يكذب عليك طفلك؟ هذا أمرٌ جيدٌ

أبحاث: الأطفال الذين يكذبون في سنّ مبكرةٍ أكثر ذكاءً من غيرهم

ترجمة كيو بوست –

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقالةً للكاتب أليكس ستون يتحدث فيها عن ظاهرة الكذب عند الأطفال، وتقول إن الكذب عند صغار السن علامةٌ على ذكائهم أكثر من غيرهم الصّادقين. تستند الصحيفة في مقالتها إلى عددٍ من أبحاث علم النفس، التي تُجمِعُ على أن الكذب عند الأطفال ميّزة ومدعاة للسرور عند الآباء، ودلالة على قدراتٍ عقليةٍ استثنائيةٍ.

هل يجب أن ينزعج الآباء عندما يبدأ أطفالهم بالكذب عليهم، أو حتى خداعهم؟ علم النفس يُجيب. يتساءل الآباء كثيرًا حول ظاهرة الكذب عند أطفالهم، ويودّون معرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها؛ إذ يرونها “معضلة” اجتماعية لا بد من مكافحتها. ولكن العلم له رأيٌ آخر.

جميعنا نعتقد أن الصّدق واجبٌ اجتماعيٌ لا بد من غرسه في قيم ومعتقدات أطفالنا منذ صغرهم، ولهذا نلجأ إلى روايةِ حكايات أخلاقٍ كلاسيكيةٍ على مسامع أطفالنا، في محاولةٍ منّا لتبيان مخاطر خيانة الأمانة والكذب، ومحاسن الصدق. وفي غالب الأحيان، ينظر الناس إلى الأطفال الذين يكذبون كثيرًا في سنٍّ مبكرةٍ بعين الاشمئزاز، ويرونهم غير طبيعيين من ناحية المنشأ والتطور. كما ويعتقد الكثيرون أن الصّغار الكاذبين أكثر احتمالًا لمواجهة المشاكل والاضطرابات في وقتٍ لاحقٍ من الحياة.

ولكن الأبحاث تشير إلى أن العكس صحيح، فالكذب ليس طبيعيًا فحسب، بل علامة على الذكاء والعبقرية.

تشير  الدراسات كافة إلى أن الأطفال يكتشفون الكذب في وقتٍ مبكرٍ من العمر؛ في حدود العامين. وقد أثبت عالم النفس التربوي مايكل لويس هذا الأمر في عديدٍ من دراساته التي أجراها على مئاتٍ من الأطفال. وفي إحدى تجاربه، طَلَبَ من عددٍ من الأطفال عدم النظرِ إلى لعبة مخبّأة وراءهم، بينما تظاهر بالخروج من الغرفة ليراقبهم عن بُعد، وبعد دقائق عاد إليهم، وسألهم فيما إذا نظروا إلى اللعبة الموضوعة خلفهم. وأفادت التجربة سلسلتين من النتائج المتناغمة: الأولى؛ أن الغالبية العظمى من الأطفال يأخذون نظرةً خاطفة إلى اللعبة في غضون ثوانٍ من تركهم وحدهم في المكان، والثانية؛ أن عددًا كبيرًا منهم يكذبون بشأن نظرهم إلى اللعبة. لقد أكدت تجربة الباحث لويس أن ثلث الأطفال ذوي العامين، ونصف الأطفال ذوي الثلاثة أعوام، وأكثر من 80% من الأطفال ذوي الأربعة أعوام، يكذبون بشأن “التجاوزات” أو “المخالفات”، بغض النظر عن جنسهم أو عرقهم أو دينهم.

ووجدت الدراسات كذلك أن الأطفال يجيدون الكذب بشكلٍ كبير. فقد أجرى باحثون آخرون سلسلةٍ من دراساتٍ استندت إلى النموذج التجريبي ذاته، أثبتت عدم قدرة الآباء على التمييز ما بين الصادق والكاذب من أطفالهم. وفي إحدى التجارب، أظهر الباحثون صورًا أمام مجموعة من البالغين، ضمّت أخصائيين اجتماعيين ومعلمي مدارس وضباط شرطة وقضاة، واشتملت الصور على أطفال، بعضهم يكذب، والبعض الآخر يقول الحقيقة بشأن ارتكاب التجاوزات. وجاءت النتائج مثيرة للدهشة؛ فلم يتمكّن أيّ من الآباء والكبار التمييز ما بين الصادق والكاذب من الأطفال.

ولكن، لماذا يبدأ بعض الأطفال بالكذب في سنّ مبكرةٍ جدًا؟ وما الذي يميّزهم عن بقية الأطفال الأكثر صدقًا؟ الإجابة القصيرة هي أنهم أكثر ذكاءً. وقد وَجَدَ الباحث لويس أن الأطفال -الذين كذبوا بشأن تحديقهم في اللعبة- يتمتّعون بنسبةِ ذكاءٍ أعلى بكثير من غيرهم الصادقين؛ أعلى بعشر نقاط.

وأظهرت أبحاث أخرى أن الأطفال الذين يكذبون يتمتعون بـ”مهارات أداءٍ تنفيذيةٍ عالية” تشتمل على قدرات السيطرة على الدوافع والتركيز في المهام، بالإضافة إلى قدرةٍ كبيرةٍ على رؤية العالم من خلال عيون الآخرين، وهذا مؤشر حاسم على التطور المعرفي المعروف باسم “نظرية العقل”. وتؤكد أبحاث جديدة أخرى أن “الأطفال الكاذبون يمتلكون مهارات اجتماعية أعلى من أولئك الذين لا يكذبون”.

ويؤكد الأستاذ والباحث الكبير في علم النفس “كانغ لي” أن الآباء الذين يكتشفون كذب أطفالهم في سنّ العامين أو الثلاثة، لديهم سببٌ جيدٌ للاحتفال والفرحة. لقد أجرى “لي” أبحاثًا متخصصةً في “خداع الأطفال” لأكثر من عقدين، ووجد بأن الكذب عند الأطفال جيدٌ لعقولهم، “بل لا بد تعليمهم على الكذب من خلال آلياتٍ محددةٍ لتحسين قدراتهم العقلية”. وتؤكد أبحاثه أن تعليم الأطفال الصغار على الكذب يحسّن كثيرًا من درجاتهم في “اختبارات الأداء التنفيذي ونظرية العقل”. ويقول “لي” في أحد أبحاثه: “إن وجدت ابنك متخلفًا عن جيله فلا تقلق، بإمكانك تسريع العملية؛ يمكن تدريب الأطفال على الأداء التنفيذي ونظرية العقل باستخدام مجموعة من الألعاب التفاعلية والتمارين التي يمكنها أن تحوّل مخبري الحقيقة إلى كاذبين في غضون أسابيع”.

وبرغم النتائج المذهلة للأبحاث، إلا أن الآباء والأمهات يجدونها مربكة ومحيّرة. هم يريدون أبناءهم أذكياء بما يكفي، حتى وإن كانوا كاذبين، ولكن في الوقت ذاته، يجدون ذلك غير أخلاقي، ويحبذون الحكمة التقليدية وراء عبارة “الصدق أنجى”.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة