الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل يصنع “طباخ بوتين” من ثروات إفريقيا طبقاً روسياً شهياً؟

عدة دول أوروبية وإفريقية حذَّرت المجلس العسكري الحاكم في مالي من مغبة استجلاب مجموعة "فاغنر" الروسية

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

مع وصول أربع مروحيات روسية مقاتلة إلى مطار باماكو عاصمة جمهورية مالي، حبيسة الصحراء الإفريقية الكبرى، دخلت بريطانيا إلى خط الجدل الدائر منذ عدة أشهر حول خطورة صفقة تجنيد مرتزقة من شركة “فاغنر”؛ يُجرى إبرامها بين روسيا والمجلس العسكري الحاكم في مالي، منذ انقلابه في 18 أغسطس 2020، برئاسة الكولونيل أسيمي غويتا؛ حيث دعت إلى ما سمَّتها حملة دولية للضغط على القادة العسكريين في مالي للتراجع عن صفقةٍ مشبوهة مع شركة مرتزقة روسية، وسط مخاوف كبيرة من أن الاتفاقية مع روسيا ستزيد من تعقيد انعدام الأمن في المنطقة. وحثتِ الحكومة البريطانية “مالي” على إعادة النظر في صفقتها مع “فاغنر”، محذرةً من أن اتفاقاً كهذا من شأنه تقويض الاستقرار في غرب إفريقيا.

وبينما ظلَّ قادة مالي الذين يقاتلون الإرهابيين، بينما يعاني بلدهم انتقالاً سياسياً هشاً، متحفظين حول الحديث عن أن الصفقة أُبرمت مع مجموعة “فاغنر”، أقرَّ وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بذلك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقوله: “لقد لجأوا إلى شركةٍ عسكرية روسية خاصة”.

اقرأ أيضاً: إفريقيا مسرحاً أمريكياً جديداً للحرب على الإرهاب

طباخ بوتين وطناجر إفريقيا

وكانت عدة دول أوروبية وإفريقية، حذَّرتِ المجلس العسكري الحاكم في باماكو، من مغبَّة استجلاب مجموعة “فاغنر” الروسية -التي ترجح مراكز أبحاث ملكيتها لرجل الأعمال “يفغيني بريغوزين”، المقرب من الرئيس الروسي، والمعروف بـ”طباخ بوتين”- مهمات قتالية وتدريبية في مالي؛ حيث حذَّر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، حكومة مالي من أن الاستعانة بخدمات المجموعة الأمنية الروسية الخاصة سيؤثر جدياً على العلاقات بين بروكسل وباماكو.

وأضاف بوريل، الذي كان يتحدث لصحفيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 20 سبتمبر الماضي، “نحن نعلم جيداً كيف تتصرف هذه المجموعة في أجزاء مختلفة من العالم”، مشيراً إلى الانتهاكات التي تتهم بارتكابها في جمهورية إفريقيا الوسطى.

يفغيني بريغوزين مؤسس وممول مجموة “فاغنر”- المصدر Getty Image

من جهتها، لم تلتزم مالي الصمت حيال ذلك؛ حيث شنَّ رئيس وزرائها، شوغل كوكالا مايغا، حملة شعواء على فرنسا، مُتوسلاً خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر الماضي، مُتهماً إياها بالتخلي عن بلاده في “منتصف الطريق” حسب تعبيره، مشيراً إلى سحبها قوة برخان، ومعرباً عن أسفه لما سمّاه بالإعلان الأحادي، وأن من حق بلاده البحث عن شركاء آخرين، بيد أن رئيس الوزراء الفرنسي، لم يتأخر في الرد على مايغا، واصفاً اتهاماته بالمخزية وغير المقبولة، وأنها مثّلت صدمة كبيرة بالنسبة إليه.

اقرأ أيضاً: الصحراء تغدر بـ”الصحراوي”.. زعيم “داعش” في الصحراء الكبرى يتبدد في سرابها

انتهاكات “فاغنر”

يقول النعيم ضو البيت، الباحث في الأمن القومي لـ”كيوبوست”، مفسراً الجدل الدائر حول الصفقة: إن العلاقة بين روسيا وجمهورية مالي ليست وليدة لحظة الانسحاب الفرنسي؛ حيث حافظ البلدان على علاقاتٍ وثيقة منذ عام 1994، عندما وقعا اتفاقية تعاون دفاعي تمت مراجعتها في عام 2019، وإن وزير الدفاع الحالي تم تدريب وزير الدفاع ساديو كامارا، وبعض كبار أعضاء المجلس العسكري الحاكم في مالي، تلقوا دورات تدريبية عسكرية متقدمة في روسيا.

مشهد وصول مدرعات روسية من طراز “BRDM-2” إلى إفريقيا الوسطى- وكالات

يضيف ضو البيت أن المشكلة المحورية تكمن في العلاقة بمجموعة فاغنر، التي كرَّست وجودها في منطقة الساحل والصحراء منذ 2017، لحظة دخولها جمهورية إفريقيا الوسطى؛ حيث قدمت للحكومة الهشة هناك، الكثير من الأسلحة والذخيرة، بجانب نحو 175 مدرباً عسكرياً؛ وهي مجموعة عسكرية ضخمة، تقدِّم خدماتٍ قتالية وتدريبية وخدمات حماية وحراسة بطريقةٍ أشبه بعمل عصابات المافيا الدولية، رغم أن تنظيمها وتمويلها وتسليحها، يتم من قِبل جهاز المخابرات الروسي، على حد تعبيره، وقد ارتكبت “فاغنر”، وفقاً لضو البيت، انتهاكاتٍ جسيمة وواسعة النطاق في جمهورية إفريقيا الوسطى، أثناء القتال إلى جانب القوات الحكومية التي تعرف اختصاراً باسم (فاكا)؛ بينها الاعتقال التعسفي، والتهجير القسري لنحو 240 ألفاً من ديارهم، والإعدام الجماعي، والتعذيب، وشنّ هجمات على المنظمات الإنسانية العاملة هناك.

اقرأ أيضاً: “لا توجد كابول إفريقية”.. فهل ستُنقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟

باماكو وبانغي.. “نسخة طبق الأصل”

بالنسبة إلى العلاقة بين المجلس العسكري الحاكم في باماكو، ومجموعة فاغنر، فإنه يمكن تفسيرها بالنظر إلى العقد المُبرم بينهما، يستطرد ضو البيت، مضيفاً: ينص العقد على نشر 1000 مرتزق روسي في البلاد؛ لمساعدة الجيش في عملياته العسكرية ضد الإرهابيين، فضلاً عن تقديم خدمات حماية وحراسة للشخصيات رفيعة المستوى، ووفقًا لعدة مصادر، فإنه بمجرد إبرام الصفقة، سيتم دفع 6 مليارات فرنك إفريقي (9.1 مليون يورو) لـ”فاغنر”.

النعيم ضو البيت

ويبدو، حسب ضو البيت، أن استراتيجية “فاغنر” في جمهورية مالي، ستكون مشابهة لتلك المُستخدمة في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ عام 2018، حيث تعمل مجموعة “فاغنر” عبر ذراعَين، فبينما تتولى شركة (Sewa Security Services) المجال الأمني، تنشط شركة Lobaye Invest)) في قطاع التعدين في مجال المعادن النفيسة التي تزخر بها إفريقيا الوسطي، مثل الذهب والألماس واليورانيوم، بعد حصولها على امتيازاتٍ واسعة من الحكومة، في هذا الصدد، وليس أدلّ من ذلك ارتباط المجموعة بعلاقات قوية بـ(لامين سيدو تراوري)، وزير المناجم والطاقة والمياه، في جمهورية مالي التي تأتي في المرتبة الثالثة إفريقياً من حيث إنتاج الذهب، ولربما سيتم استخلاص المبالغ المهولة التي سيتم دفعها لفاغنر، من السماح لها بممارسة أنشطة تعدينية للمعدن النفيس، ما يفتح أمامها باباً واسعاً النهب والفساد.

إلا أن ما يُخشى منه، في هذا المجال هو أن “فاغنر” تستهدف بالأساس الثروات المعدنية الإفريقية، أكثر من عنايتها بالأمن القومي للدول التي تتعاقد معها، وبالتالي فإن الإرهابيين سيكونون بمأمن ما لم يقتربوا من المناجم المخصصة للمجموعة، والنخب العسكرية والسياسية الحاكمة التي تسهل لها العمل، وتشاركها في نهب الثروات؛ مقابل توفير الحماية الشخصية لها، وبالتالي فإنه يُرجح أن تنشط الجماعات الإرهابية في الساحل والصحراء مجدداً، في وجود “فاغنر”، نفسها، لجهة أنها غير معنية بالأمر، طالما ظلَّ بعيداً عن نطاق مصالحها، يختم النعيم ضو البيت إفادته لـ”كيوبوست”.

اقرأ أيضاً: بعد هزائم ساحقة.. “داعش الموزمبيقي يتقهقر أمام الجيش الرواندي”

خشية الجوار

الحسن وتارا رئيس ساحل العاج- وكالات

وفي السياق ذاته، لم يقتصر التنديد باستدعاء المجلس العسكري الحاكم في مالي، لمجموعة فاغنر، على الدول الأوربية فحسب؛ بل تخطاها إلى نظيرتها الإفريقية، عندما شنَّ الرئيس الإيفواري الحسن وتارا، هجوماً عنيفاً على الحكومة المالية، قائلاً: ستترك مالي وحدها لمجابهة التهديد الإرهابي المتنامي هناك، سيسحب الفرنسيون قواتهم، وكذلك الألمان، وأنا متأكد أن الأمم المتحدة ستبدأ في تفكيك بعثتها المتكاملة متعددة الأبعاد؛ لتحقيق الاستقرار في مالي، المعروفة بـ(مينوسما)، وقوامها 15 ألف فرد.

وأضاف وتارا، في مقابلةٍ مع يومية “فاينانشيال تايمز” البريطانية، متحدثاً عن “فاغنر”، إننا نعلم ماذا فعلت هذه الميليشيا في سوريا، وفي دونباس بشرق أوكرانيا، وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، مشدداً على أن أي قرار تتخذه مالي لتوظيف شركة الأمن الروسية الخاصة لمساعدتها في محاربة الإرهابيين الإسلاميين سيكون بمثابة انتحار، ومعتبراً ذلك خطاً أحمر بالنسبة إلى دولٍ أخرى في غرب إفريقيا.

من جهتها، وصفت حرم أبو بكر؛ الباحثة في شؤون غرب إفريقيا، لـ”كيوبوست”، الدفعة الأولى من المروحيات الروسية التي تتضمن أربع طائرات؛ اثنتين منها من طراز (مي- 171 شا)، وهي مروحيات نقل مزودة بمجموعة أسلحة، أما المروحيتان الأخريان فهما من طراز (مي-17 في5) مخصصتان لنقل العسكريين، وإجلاء الجرحى، ونقل المعدات، ومختلف الشحنات العسكرية، ويمكن استخدامها لتنفيذ عمليات الإنزال والاستكشاف لكونها مزودة بأسلحة وصواريخ غير موجهة ومدافع، مُقللة من أهمية الصفقة وقدرتها على ترجيح كفة ميزان القوى لصالح الحكومة المالية، حال انسحاب وإحجام حلفائها التقليدين عن مساعدتها.

اقرأ أيضاً: إفريقيا الوسطى.. من الهيمنة الفرنسية إلى السيطرة الروسية!

روسيا في الجغرافيات الإفريقية الهشة

حرم أبو بكر

وأضافت أبو بكر، أن القلق يأتي دائماً من جهة وجود “فاغنر” في البلدان الإفريقية الهشة التي تعاني سيولة أمنية وتتمتع في نفس الوقت بثرواتٍ طبيعية هائلة، ويبدو أن روسيا تختار الجغرافيات التي تتناسب مع عمل “فاغنر”، وطبيعة تكوينها ومهامها بعناية فائقة؛ فجمهورية مالي مثل إفريقيا الوسطى تماماً، تنشط فيها الجماعات الإرهابية، وتعاني غياباً للدولة والجيش، بينما تزخر بالمعادن؛ خصوصاً الذهب، وهذه بيئة مثالية لـ”فاغنر”، التي لا تتورع في تدريب المتمردين أنفسهم، وتنفيذ الاغتيالات السياسية متى ما استدعى الأمر.

وليس بعيداً عن الأذهان التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية التشادي، محمد زين شريف، بأن المتمردين الذين قتلوا الرئيس السابق إدريس ديبي، تلقوا تدريباتٍ من قبل جماعة “فاغنر”.

اقرأ أيضاً: دلالات وتداعيات إنهاء عمليات” برخان” ضد الجهاديين في منطقة الساحل

واعتبرت أبو بكر أن العمل مع فاغنر ربما يطيح باتفاق السلام الذي التأم، 2015، بين حكومة مالي وتنسيقية الحركات الأزوادية؛ وهي تحالف متمردين سابقين من العرب والطوارق في شمال الجمهورية.

كما يُمكن أن تتعرض الشراكة العسكرية بين مالي وجيرانها الرافضين وجود “فاغنر”، إلى الانهيار، وهذا بالضبط ما ذهب إليه وزير خارجية النيجر، حسومي مسعودو، عندما أكد أن التحالف سينهار حال تعاقد الحكومة المالية مع “فاغنر”، كما أن الجماعات الجهادية الإفريقية، التي احتفلت مؤخرًا بخروج الولايات المتحدة من أفغانستان، يمكن أن تسعى إلى استغلال عدم الاستقرار لتوسيع نطاق هجماتها في مالي ودول الجوار، وهذا ما تخشى منه النخب السياسية في دول غرب وشمال إفريقيا، وكذلك المجتمع المدني؛ حيث يرجحون أن تُكثِّف المجموعات الجهادية هجماتها في مالي، في غضون الأشهر المقبلة، بسبب الفراغ الذي سيحدثه انسحاب الحلفاء الغربيين من مالي، وتركها لقمة سائغة لـ”فاغنر”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة