الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل يسير الجيش الأمريكي “المُسيَّس” على خطى نظيره الفرنسي؟

مقال نشره موقع "ناشيونال إنترست" يشبه المؤسسة العسكرية الأمريكية بالجيش الفرنسي الذي هزمه الألمان في أربعينيات القرن الماضي

تلخيص: كيوبوست

جون روسوماندو

تشبه المؤسسة العسكرية الأمريكية المسيَّسة لعام 2021 إلى حد كبير الجيش الفرنسي المسيَّس الذي هزمه الألمان النازيون عام 1940؛ فقد عاشت جدتي وعائلتها في جبال فوغ على بعد 100 ميل من الحدود الألمانية، وقاتل والدها في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى. وعاشوا خلال الغزو الألماني، وما تلاه من أربع سنوات من الاحتلال.

 هذا ما يشير إليه المحلل السياسي المختص بقضايا مكافحة الإرهاب جون روسوماندو، في مقال نشره موقع “ناشيونال إنترست”، يضيف الكاتب: أخبرتني جدتي عن رؤيتها للجنود الفرنسيين، وهم يركضون بأسرع ما يمكنهم هرباً من الغزاة الألمان، وكان نصفهم بلا أحذية. وعن قصف القوات الجوية الألمانية لمنزلها، وسير موكب الجنود النازيين في بلدتها، واعتداء جندي ألماني عليها بالضرب ببندقية. وحالياً يواجه البنتاغون، الذي يتسم في هذه الفترة بتزايد البيروقراطية والتسييس وانعدام الرؤية، حشداً عسكرياً هائلاً من جمهورية الصين الشعبية.

وهو لا يختلف عن ذلك الذي واجهته فرنسا في الثلاثينيات؛ حيث لا يزال الصينيون بلا رادع من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. وقد انتهكت الصين الاتفاقية مع بريطانيا العظمى التي كان من المفترض أن تضمن الحكم الذاتي لهونج كونج حتى عام 2040 من خلال إلغاء وضعها الخاص وإرسال قوات إليها، وهو ما لا يختلف كثيراً عن إعادة تسليح ألمانيا لمنطقة الراينلاند عام 1936. كما تضطهد الصين أقلياتها على غرار ما فعله النازيون خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

جنود فرنسيون يحملون ذخيرة مدفعية في الجبهة الغربية خلال الاشتباك مع قوات النازي 1940- “أسوشييتد برس”

يؤكد الكاتب أن معظم المؤرخين يرون أن إعادة تسليح راينلاند هي الدليل الأول على أن أدولف هتلر، أظهر قدرته على الإفلات من أية تبعات للعدوان الذي أدى إلى ضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا في عام 1938، وغزو بولندا في عام 1939، وفرنسا في عام 1940؛ حيث استغرق الأمر 4 سنوات بين إعادة احتلال هتلر منطقة الراينلاند وغزوه فرنسا.

وتشير بعض التقديرات إلى أن الأمر قد يستغرق 4 سنوات قبل أن تتمكن الصين من غزو تايوان بنجاح؛ حيث قام الرئيس باراك أوباما، بإحالة 197 من كبار الجنرالات والأدميرالات الذين عارضوا أجندته الاجتماعية والسياسية إلى التقاعد، تاركاً الموالين له سياسياً في خلافتهم، وهو ما لا يختلف عما حدث في فرنسا خلال أوائل الثلاثينيات، عندما تولى القيادة جنرالات موثوق بهم سياسياً؛ مثل موريس غاملان.

اقرأ أيضاً: الإدارة الجديدة لن تجعل الديمقراطية الأمريكية تتعافى!

ونقلت صحيفة “إنفستورز بزنس ديلي” عن الجنرال بالجيش الأمريكي بول فاليلي، قوله عام 2013: “لن يفصل أوباما أي شخص مدني أو سياسي معين؛ لأنهم اقتنعوا بأيديولوجيته، فالبيت الأبيض يحمي رجاله. لذا فقد توقفوا عن التحقيق في عملية فاست آند فيوريس بنغازي، وقانون أوباما كير. فهو يعمل عن عمد على إضعاف وإفراغ جيشنا والبنتاغون، وتقليص دورنا كقوة عظمى، وأي شخص في الجيش يعارض أو يتحدث علناً يتم فصله”.

احتشد مئات الآلاف من القوات البريطانية والفرنسية الذين فروا من تقدم القوات الألمانية على شاطئ دونكيرك في فرنسا انتظاراً للسفن التي ستنقلهم إلى إنجلترا 1940- “أسوشييتد برس”

وقديماً أثَّر الانقسام المجتمعي في فرنسا سلباً على استعداداتها؛ حيث كانت فرنسا في فترة ما بين الحربين العالميتين خاضعة لهيمنة النخبة من الأثرياء الذين فضلوا استرضاء الفاشيين الصاعدين على مواجهتهم، وهو ما لا يختلف عما يحدث في أمريكا اليوم؛ حيث ترفض نخبة الشركات مواجهة الصين بسبب علاقاتها الاقتصادية. واستغلت نخبة الأثرياء في فرنسا التهديد بالعنف لترهيب حكومتها ودفعها إلى التهدئة.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

وعارض اليسار الفرنسي أية استراتيجية من شأنها أن تسمح للجيش الفرنسي بالهجوم والفوز. وكان المجندون الفرنسيون في فترة ما بين الحربين العالميتين، والذين تم إدخالهم إلى الجيش عشية الحرب العالمية الثانية، محبطين تماماً مثل الأمريكيين اليوم. وصدمت الهزيمة الساحقة لفرنسا في يونيو 1940 على يد ألمانيا النازية، العالم، وامتدت لإمبراطوريتها الاستعمارية في جميع أنحاء العالم؛ من إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، إلى أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.

فقد كان للبلاد أقوى جيش في أوروبا على الورق، وأعاقت البيروقراطية والقيادة عديمة الكفاءة، إلى جانب مناخ الانقسام والاستقطاب والتسييس في الجيش، قدرة الجيش الفرنسي والقوات الجوية على صد الغزاة. وركز الجنرالات الفرنسيون على إعادة القتال، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. كما لا يزال الجنرالات والأدميرالات الأمريكيون عالقين في تكتيكات واستراتيجيات القرن العشرين.

عناصر القوات الأمريكية خلال استراحة بعد ساعات عمل متواصلة في أفغانستان- “نيويورك تايمز”

ووفقاً لما جاء في مقالة نشرتها مجلة “الوقائعالصادرة عن المعهد البحري الأمريكي، فإن “البحرية هي منظمة بيروقراطية، وأجزاء منها تقاتل بين الحين والآخر في الحروب. والمتطلبات البيروقراطية التي تنهال على قادة السفن تعرقل الإنجاز المهني، وتطور مجموعة من المهارات والعقليات التي لا علاقة لها بالقتال الحربي”.

اقرأ أيضاً: نهاية الحرب في أفغانستان وخيبة أمل المحاربين القدامى

يضيف الكاتب: في العام الماضي، اشتكى المجلس الأطلسي من أن انهيار قاعدة التصنيع الأمريكية والابتكار التقني، مقترناً برفض البنتاغون التصدي لهذه المشكلة، قد أدى إلى إضعاف الجيش الأمريكي. وبالمثل كان الجيش الفرنسي البيروقراطي قد أنفق الكثير على قواته البحرية قبل الحرب العالمية الثانية لإبراز صورته كقوة استعمارية قوية وإخفاء حقيقة دولته المجوفة. كما أنفق مبلغاً باهظاً على خط ماجينو. وهذا لا يختلف عن ميزانية الدفاع الأمريكية الجامحة التي نَمَت بشكل مطّرد وسط الإخفاقات المتكررة لتضخم البيروقراطية  وعمليات التوريد.

وقد استغلت ألمانيا التقدم الذي أحرزته في تكنولوجيا الراديو والذي أعطى دباباتها ميزة نوعية على الفرنسيين، الذين كان هيكل قيادتهم البيروقراطي وافتقارهم إلى القدر نفسه من الإبداع، سبباً في إذلال فرنسا وإخضاع عائلتي على أيدي النازيين. وعلى النقيض من ذلك، كان النازيون متحدين، وتحت قيادة جيدة، ومنضبطين، وسريعي الحركة.

جنود الجيش الأمريكي يحزمون حقائبهم استعداداً لتنفيذ قرار الانسحاب من أفغانستان.. أبريل 2021- “لوس أنجلوس تايمز”

ويحتاج الأمر إلى تبسيطٍ جذري للبيروقراطية، والقضاء على الامتيازات في القمة؛ حيث إن الجيش الذي لا يتمتع بالوطنية وليس لديه سبب للوجود هو جيش مُقدر له أن يلقى مصير الجيش الفرنسي عام 1940 نفسه. كما ينبغي منح المزيد من القوة وسلطة القيادة لمن هم في المستويات الأدنى لاتخاذ القرارات دون الحاجة إلى إدارة أفعالهم في أعلى التسلسل القيادي. وإذا لم يحدث تحول جذري، فإن الولايات المتحدة قد تواجه أسوأ هزيمة عسكرية لها منذ غزو اليابان للفلبين عام 1942، التي كانت جزءاً من الكومنولث الأمريكي في ذلك الوقت.

♦محلل أول للسياسات الدفاعية، كما عمل كمحلل مكافحة الإرهاب في مشروع التحقيق حول الإرهاب لمدة 8 سنوات.

المصدر: ناشيونال إنترست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة