الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

هل يستفيد العرب من أعمالهم الدرامية سياحيًا؟

كيوبوست

لم تعد السياحة مكانًا أثريًا أو مشهدًا طبيعيًا جذابًا يخطف الأعين فقط؛ بل بات الأمر أكثر اختلافًا عما كان عليه في الماضي، فالرمزية التي عدت من قبل ركنًا أساسيًّا في رغبة السائح للزيارة أو التقاط الصور نُقل جزء منها اليوم إلى مكان آخر لم يكن موجودًا في الماضي؛ فقد أصبحت السياحة السينمائية أو الدرامية التي تندرج تحت بند السياحة الثقافية هي الرمزية الجديدة التي بات قطاع كبير من السياح يبحث عنها، واستثمرت العديد من الدول هذه الرمزية في وقت لم تستثمر فيه بعض الدول العربية الأعمال الفنية لتطوير السياحة فيها.

وتعد السياحة السينمائية أو الدرامية شكلًا جديدًا من أنواع السياحة، فالأفلام أصبحت قادرة على التأثير في قرار ووجهة السائح؛ إذ أكدت الدراسات أن الأفلام تستطيع أن تصل إلى جمهور أوسع باستثمارات أقل من إعلانات السياحة والترويج المستهدف لها. وحسب دراسة أجراها إيواشيتا تشيكو، أثبتت أن الأفلام والدراما التليفزيونية باتا عاملَين مهمَّين كدعاية لجذب السياح. وقدمت الدراسة دليلًا على أن السياح اليابانيين الذين يأتون إلى المملكة المتحدة كان اختيارهم للوجهة مبنيًّا على مجموعة واسعة من الأفلام والمسرحيات التليفزيونية.

منطقة البتراء الأثرية في مسلسل جن

أماكن التصوير التي جلبت السياحة العالمية

استطاعت سلسلة أفلام “هاري بوتر” أن تنعش السياحة البريطانية؛ حيث إن عددًا من مواقع التصوير التي تم فيها تصوير السلسلة شهدت إقبالًا كبيرًا من السياح خلال سنوات عرض الفيلم. ومن الأعمال الدرامية المهمة التي بات السياح يفضلون الذهاب إلى مواقع تصويرها، مسلسل “لعبة العروش”؛ حيث باتت الدول التي صوّر صناع العمل في مدنها وجهةً مهمةً للسياح. واللافت هو عدم متابعة جميع هؤلاء السياح للمسلسل أو من محبيه؛ ما يثبت أن أُثر رمزية العمل بات السائح يبحث عنه.

ومن الوجهات التي ارتفع عدد السياح فيها من أجل الوجود في أماكن تصوير مسلسل “لعبة العروش”، دولة كراوتيا وتحديدًا “جدران قلعة المدينة القديمة بدوبروفنيك”؛ حيث كانت المدينة تمثل عاصمة “الممالك السبع” في “لعبة العروش”. وفي إسبانيا تم التصوير في أكثر من مدينة، ويعد أشهرها مدينة جازتيلوغاتسي، وهي العاصمة الخاصة لأم التنانين “دراجونستون”. وفي المغرب تم تصوير عديد من المشاهد في قصر “آيت بن حدو” الذي يقع على بُعد 100 كيلومتر جنوب غرب مراكش. أما في أيرلندا الشمالية، فاستخدم صناع المسلسل طرق إحدى الغابات هناك التي تُدعى “دارك هدكس”. ومنطقة “Mýrdalsjökull” بأيسلندا تعد هي الأخرى من أهم المناطق التي يرغب السياح في زيارتها؛ خصوصًا أنها المنطقة التي بدأت فيها معارك البشر مع السائرين البيض.

طريق “دارك هدكس”

اقرأ أيضًا.. “نتفليكس”.. لشُباك السينما الكلمة الأخيرة

تلك الوجهات ارتفعت نسبة السياحة فيها؛ فالسياح القادمون من الصين كانت رغبتهم الأولى زيارة تلك المواقع؛ حيث بلغ عدد الزائرين الصينيين إلى أيرلندا الشمالية 90 ألف سائح عام 2017 بزيادة 20% عن الأعوام السابقة، وارتفع عدد السائحين الصينيين المتجهين إلى أيرلندا إلى 114 ألفًا. وأعلن مجلس السياحة المغربي أن عدد السائحين الصينيين الزائرين للمغرب ارتفع بشكل كبير في عام 2018، وزار كرواتيا 192 ألف سائح صيني بنمو وصل إلى 53%، واستقبلت أيسلندا 66 ألف سائح صيني.

مسلسل “لعبة العروش” لم يكن الوحيد الذي جذب أعين السياح لأماكن تصويره؛ فمسلسل “ناركوس” حوَّل مدينة “ميديلين” الكولومبية إلى وجهة سياحية مهمة؛ لارتباطها ببابلو إسكوبار، الذي كان يعد أشهر أثرياء العالم، وكان مصدر ثروته تجارة المخدرات.. هذا التأثير الفني على السياحة امتد إلى خليج بان ناه بتايلاندا؛ حيث إنه يطلق على الجزيرة الآن اسم “جزيرة جيمس بوند”؛ بسبب فيلم “الرجل ذو المسدس الذهبي” الذي أنتج سنة 1974، وصُوّر في الجزيرة.

تركيا هي الأخرى نجحت في جذب جمهور من المنطقة العربية بسبب أعمالها الدرامية، فيكفي أن مسلسل “نور” جذب قطاعًا كبيرًا من الجمهور العربي وجعل كثيرًا منه يذهب إلى تركيا من أجل زيارة قصر محمد عبود أفندي، الذي صورت بعض مشاهد المسلسل فيه. ويوميًّا كان يزور القصر نحو 100- 150 سائحًا عربيًّا.

تصوير الأفلام الأجنبية في تونس والمغرب والإمارات

استغلَّ بعض الدول العربية تصوير عدد من الأفلام الأجنبية فيها من أجل الترويج السياحي؛ فتونس استغلَّت تصوير مشاهد من سلسلة أفلام الفضاء “حرب النجوم”؛ للترويج للسياحة فيها، فضلًا عن تصوير أفلام؛ مثل: “إنديانا جونز”. ولعبت تلك الأفلام دورًا في التعريف بتونس في أوروبا وأمريكيا. أما المغرب فشهد هو الآخر تصوير مشاهد من أفلام “المصارع” و”مملكة السماء” و”ألكسندر”، والأردن أيضًا يشهد ترويجًا للسياحة من خلال مواقع تصوير الأفلام؛ حيث سمح لشبكة “نتفليكس” بتصوير إنتاجها العربي الأول من مسلسل “جن” في مدينة البتراء التاريخية. وتعد الإمارات كذلك من الوجهات السياحية المهمة، حسب صحيفة “فيليتريب تريبيون” الأمريكية، التي عدّت مدينة دبي من المدن التي تتيح فرصًا فريدة لتصوير الأفلام، خصوصًا أنه تم تصوير فيلم “المهمة المستحيلة 4” فيها، وفيلم “ستار تريك بيوند” عام 2016.

اقرأ أيضًا.. السينما الإيرانية في خدمة سياسة ولي الفقيه: فيلم “بتوقيت دمشق” مثالًا

الدراما العربية وفرص جذب السياحة

كما تتوفَّر الآن فرص جديدة لتطوير وجذب السياحة الداخلية وتحديدًا بين الدول العربية بعد الأعمال الدرامية التي أصبحت أكثر انتشارًا عربيًّا؛ سواء أكانت السورية أم المصرية، فالدراما السورية نجحت خلال وقت ما في أن تجذب سياحًا عربًا من أجل مشاهدة أماكن تصوير مسلسل “باب الحارة”، وكذلك مسلسل “جراند أوتيل” الذي تسبب في تطوير السياحة الداخلية في مصر، بل إن قطاعًا من السياح العرب جعل فندق “سوفيتيل أولد كتراكت” من الوجهات المفضلة له؛ خصوصًا بعدما تم تصوير أحداث المسلسل فيه. لذلك بات أمام الدراما العربية فرصة للترويج للسياحة في بلادها عن طريق الأعمال الدرامية أو الأفلام، ويكفي أن فيلم “كازابلانكا” المصري صورت الكثير من أحداثه في مناطق في المملكة المغربية؛ حيث لم تعد مصر قبلة لتصوير الأفلام الأجنبية ولا العربية خلال السنوات الماضية.

معوقات تسبَّبت في ابتعاد تصوير الأفلام عن مصر

على الرغم مما تمتلكه مصر من مناطق أثرية واسعة؛ فإن معوقات كبيرة منعت تصوير كثير من الأفلام السينمائية فيها؛ بل إن بعض الأفلام المصرية قد تعاني صعوبة التصوير في بعض الأماكن السياحية؛ بسبب ارتفاع رسوم تأجير تلك الأماكن، والعقبات الجمركية التي تواجه صناع الأفلام الأجنبية؛ إذ بات كثير منهم لا يفضلون مصر كمكان لتصوير أفلامهم، لكن الحكومة المصرية تسعى لإصدار حزمة قرارات؛ في محاولة منها للمساهمة في تطوير صناعة السينما المصرية، وفتح سوق للسينما العالمية لتصوير أعمالها واستغلال الطبيعة والأماكن الأثرية المصرية وجعلها قبلةً للسائحين الأجانب.

“جراند أوتيل” أسوان

 اقرأ أيضًا.. كيف تعمل الأفلام السينمائية على صناعة الدعاية الحربية؟

العقبات الحقيقية

وفي ردِّه على المعوقات التي تواجه تصوير الأفلام الأجنبية في مصر، قال ناصر ترك، عضو مجلس إدارة اتحاد الغرف السياحية ورئيس لجنة الإعلام والعلاقات الحكومية، في تصريحات خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”: “بالنسبة إلى الرسوم فهي ليست مرتفعة ولا مبالغ فيها كما يدَّعي البعض، بل يمكن القول إن العقبات الحقيقية التي قد تواجه صناع الأفلام قد تكون في دخول أجهزة التصوير ومعدات العمل إلى هذه المناطق، ولكن هذا يصبح شيئًا سهلًا لو تعاملوا مع شركة معتمدة ومتخصصة تنهي الإجراءات الضرورية والتحقيقات الأمنية التي تعدّ ضرورية للحفاظ على هذه الأماكن، إضافة إلى ضرورة تقديم تعهد وضمانات، وينبغي توضيح أن الدولة تشجع تصوير الأفلام في المناطق السياحية من أجل الترويج للسياحة المصرية، ولكن هذه الإجراءات تعد شيئًا ضروريًّا للحفاظ على المناطق السياحية والأثرية”.

وأضاف عضو مجلس إدارة اتحاد الغرف السياحية أن بعض الدول العربية تسمح بتصوير الأفلام الأجنبية بالفعل، لكن مصر كانت تمر بظروف أمنية صعبة أثَّرت على قطاع السياحة، وكانت سببًا في تأخُّر إصدار قوانين تسمح بتسهيل عمليات التصوير.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة