الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

هل يدفع العراق ثمن الخروج من عباءة إيران؟

دراسة تؤكد: كراهية مقتدى الصدر الشديدة لنوري المالكي وتحفظاته القوية بشأن النفوذ الإيراني تسببتا في تمزيق المعسكر الشيعي

كيوبوست- ترجمات

أماتسيا برعام♦

قال البروفيسور، أماتسيا برعام، وهو أستاذ فخري في قسم تاريخ الشرق الأوسط، ومدير مركز دراسات العراق في جامعة حيفا، إن المأزق السياسي الذي تشهده العراق حالياً يعد جزءاً من العقاب الذي تمارسه طهران على بغداد.

ففي أكتوبر 2021، أجرى العراق انتخاباتٍ مبكرة لبرلمانه المؤلف من 329 مقعداً. ولأكثر من ثمانية أشهر، ظلَّت الدولة التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة في حالةٍ من فوضى القيادة بسبب حالة الجمود بشأن تشكيل حكومة جديدة وائتلاف حاكم في البرلمان.

اقرأ أيضاً: العراق.. الحرب الأهلية أقرب من أي وقت مضى!

وقد طالب بهذه الانتخابات المبكرة الملايينُ من المتظاهرين الشيعة، بشكلٍ حصري تقريباً، والذين احتجوا على فساد حكومتهم التي يسيطر عليها الشيعة، وكذلك على توغل النفوذ الإيراني في بغداد. وقد كانت المظاهرات ناجحة جزئياً. حيث دفعوا بمصطفى الكاظمي إلى رئاسة الوزراء، وقام بتقديم قانون انتخابي جديد مهَّد الطريق لانتخابات أكتوبر.

ولسببٍ غير مفهوم بحسب برعام، قاطع العديد من المتظاهرين الانتخابات التي طالبوا بها، مما أدى إلى انخفاضٍ غير مسبوق في نسبة الإقبال على التصويت بلغ 42%. وخسرت الميليشيات الموالية لإيران -التي قتلت ما لا يقل عن 600 متظاهر وجرحت الآلاف- 26 مقعداً من مقاعدها البرلمانية، البالغ عددها 48.

الناخبون العراقيون يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع الانتخابات البرلمانية في بغداد،2021- أسوشيتد برس

ويظل حلفاء إيران أقوياء، ولكن كما حدث في الانتخابات اللبنانية في مايو 2022، خسرت الأحزاب الموالية لإيران أغلبيتها البرلمانية في العراق. وكان الفائز الأكبر هو السياسي الشيعي المنشق، ورجل الدين مقتدى الصدر. ومن أصل 329 مقعداً، فاز تحالف “سائرون نحو الإصلاح”، الذي يغلب عليه التيار الشيعي بأكبر عدد من المقاعد، 73 مقعداً في المجمل، مما قد يحوله إلى صانع ملوك.

ومقتدى الصدر هو أول قومي عراقي يعارض السيطرة الإيرانية تماماً، مثلما عارض الغزو الأمريكي. ومشكلة طهران الأساسية معه هي كراهيته الشديدة لبطل إيران في العراق، رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي فاز ائتلاف دولة القانون الذي ينتمي له بـ 34 مقعداً.

تمزيق المعسكر الشيعي

وأكد برعام في مقالته، التي نشرها مركز الدراسات البيئية والجغرافية التابع لجامعة حيفا، أن كراهية مقتدى الصدر الشديدة لنوري المالكي، وتحفظاته القوية بشأن النفوذ الإيراني تسببتا في تمزيق المعسكر الشيعي. ولم تتمكن إيران من إعادة توحيده، لذا لجأت إلى شلِّ البرلمان؛ ثم ابتكرت طريقة لقلب الطاولة على مقتدى الصدر دون الذهاب إلى انتخابات جديدة، كان من شبه المؤكد أن أنصار طهران سيخسرونها مرة أخرى.

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يدلي بصوته خلال الانتخابات النيابية في بغداد، العراق،2021- أسوشيتد برس

فبعد بضعة أشهر من الانتخابات، نجح الصدر في تشكيل ائتلاف أغلبية طفيفة يسمى “إنقاذ وطن”، يتألف من 168 نائباً من أصل 329 نائباً. وشمل الشيعة والسنة والأكراد، لكنه استبعد مؤيدي إيران. وقد أثار ذلك غضب إيران، وفي تحرك بارع أقنعت أحد مؤيديها المهمين، الدكتور فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس محكمة التمييز الاتحادية، بإصدار حكم جمّد البرلمان فعلياً.

اقرأ أيضاً: من البرلمان إلى الشارع.. سياسات الهيمنة الناشئة في العراق

وأدى حكم المحكمة الجديد إلى توقف العملية الديمقراطية، ما أعطى طهران الوقت الذي تحتاجه لسحق ائتلاف الصدر. والواقع أن الضغوط المفروضة على الأحزاب السُـنّية لم تنجح إلا في إبعاد عددٍ ضئيل للغاية من النواب. لذا، أصبح الأكراد هم الهدف التالي لحملة الترهيب.

وقد تعاون الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة عائلة طالباني، منذ البداية مع الأحزاب الموالية لإيران. أما أكبر حزب كردي، الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يقوده برزاني ويستحوذ على 32 مقعداً في البرلمان، وهو القوة الرئيسة في إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي. فقد أيّد الصدر وعارض حلفاء إيران.

أتباع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر يحتفلون بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية في ساحة التحرير في بغداد- أسوشيتد برس

وفي 13 مارس، جاءت الخطوة الإيرانية الأولى لإجبار الحزب الديمقراطي الكردستاني على تغيير مواقفه. حيث أطلق الحرس الثوري الإيراني 12 صاروخاً من الأراضي الإيرانية على فيلا خاصة في أربيل، عاصمة كردستان العراق. وتعود ملكية الفيلا إلى باز كريم برزنجي، قطب النفط والغاز الكردي المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحزب الديمقراطي الكردستاني.

وأعلنت طهران مسؤوليتها الكاملة عن القصف، واتهمت برزنجي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، ضمناً، بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران في عمليات استخباراتية وتخريبية. ولم يتزحزح الحزب الديمقراطي الكردستاني عن مواقفه قيد أنملة وفقاً لبرعام. وفي 28 مارس، أضرم حشد من رجال الميليشيات الموالية لإيران النار في مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد، ولم تتدخل الشرطة.

وكعلامةٍ على انعدام الثقة في حكومة بغداد، قرر الحزب الديمقراطي الكردستاني هدم ما تبقى من مكتبه، وتعليق جميع أنشطته في العاصمة العراقية إلى أجل غير مسمى. ولذلك، بعثت إيران برسالة إضافية عندما أطلقت ميليشيا ستة صواريخ على مصفاة كاورغوسك بالقرب من أربيل، والتي تملكها مجموعة “كار” التابعة لبرزنجي.

القضاة العراقيون بمجلس القضاء الأعلى ببغداد خلال جلسة الحكم بشأن الدعوى المقدمة من تحالف الحشد الشعبي شبه العسكري- فرانس برس

وفي يونيو، شنت الميليشيات الموالية لإيران هجومين آخرين بصواريخ متعددة على منشآت الغاز الكردية المملوكة لنفس المجموعة. ومع ذلك، ظل الحزب الديمقراطي الكردستاني ملتزماً بقوة بائتلاف الصدر البرلماني المناهض لإيران.

واستمرت الهجمات في 22 و24 و25 يونيو، حيث أصابت الصواريخ حقل خور مور للغاز الطبيعي، وهو الأكبر في كردستان العراق. ويُعد الموقع مفتاحاً لخطط الحزب الديمقراطي الكردستاني لتصدير الغاز إلى أوروبا وتركيا. ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن الهجوم.

اقرأ أيضاً: أتباع الصدر يحتلون البرلمان العراقي مرة ثانية

ويبدو أن ما ساعدهم في الحفاظ على ثبات موقفهم على هذا النحو المثير للإعجاب هو الدعم التركي. ففي حين أن الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي تقع أراضيه على الحدود مع إيران، مُقرب من إيران، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي تقع أراضيه على الحدود مع تركيا، يخشى إيران ولديه علاقات اقتصادية وأمنية مع تركيا.

الكاظمي يلتقي برئيس وزراء إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني خلال زيارته الرسمية إلى أربيل، 2022- مركز الدراسات البيئية والجغرافية

وعلى الرغم من المظهر الخارجي للصداقة، فإن تركيا وإيران على خلاف حول مجموعة من القضايا. وأولها، هو استبدال تركيا الوشيك للغاز الطبيعي الكردي بالغاز الإيراني. وهناك توترات أخرى تتعلق بالموارد المائية المتنازع عليها في عصر الندرة، والدعم الإيراني للأكراد المناهضين لتركيا في شمال العراق وشمال سوريا، واللاجئين الأفغان الذين تدفع بهم إيران إلى تركيا وأكثر من ذلك.

اقرأ أيضاً: الصراع بين أنقرة وطهران يتمدد في شمال العراق

وسوف يُسعد تركيا أن ترى النفوذ الإيراني في العراق يتضاءل، وعلى هذا فمن الواضح أنها تعمل على تقوية نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني. وعلى أيّة حال، فقد أثبت الحزب الديمقراطي الكردستاني أنه قوة يصعب على إيران كسرها.

لماذا استقال مقتدى الصدر؟

وقال برعام إن مقتدى الصدر معروف بصلابته، إلا أنه متقلب، ولا يمكن التنبؤ بخطواته. ومع ذلك، فإن إنجازه المذهل في الانتخابات، ونجاحه التفاوضي الملحوظ، بعد أن تمكن من خلق أغلبية برلمانية متعددة الأعراق، إلى جانب الدعم الشعبي الضخم الذي يحظى به بين الفقراء الشيعة وقوة الميليشيات التابعة له، قد حوله إلى السياسي الأكثر نجاحاً وقوة في العراق.

مقتدى الصدر يُظهر إصبعه الملطخ بالحبر للكاميرا بعدما أدلى بصوته في مركز اقتراع في النجف، العراق، 2021- أسوشيتد برس

وأورد برعام ثلاثة تفسيرات منطقية لانسحاب الصدر. إحداها أنه اعتبر الأزمة السياسية غير قابلة للحل، وفضّل الهيمنة والاستغلال الإيراني على الفوضى. والتفسير الآخر هو أنه يريد الفوضى. وقد يظن أن خطوته الدراماتيكية إما ستشجع الآخرين على الاستقالة، وبالتالي فرض انتخابات جديدة أو أن الجيل الشيعي الشاب سوف يحتج مرة أخرى، ويعيد ترتيب المشهد.

أما التفسير الثالث، والأكثر ترجيحاً، فهو الخوف. ففي 6 يوليو 2020، قُتل الباحث الأمني العراقي البارز والصديق المقرب لرئيس الوزراء الكاظمي، هشام الهاشمي، رمياً بالرصاص خارج منزله في بغداد.

اقرأ أيضاً: تراجع نفوذ الميليشيات العربية المدعومة من إيران بعد مقتل سليماني

وفي 7 نوفمبر 2021، تم إطلاق 3 طائرات بدون طيار محملة بالمتفجرات، على ما يبدو من قبل ميليشيا موالية لإيران، استهدفت منزل رئيس الوزراء؛ وألحقت أضراراً جسيمة بالمنزل، وأصيب عددٌ قليل من حراسه. ويمكن للصدر أن يتوقع حدوث الشيء ذاته معه.

الرمال المتحركة الإيرانية

ولفت برعام إلى أن العراق تُشكل أهمية قصوى بالنسبة لإيران باعتبارها أصلاً استراتيجياً واقتصادياً. غير أنه في أكتوبر 2021، فشل مؤيدو إيران -بشكلٍ أساسي- في تحقيق نتائج أفضل في الانتخابات، بسبب اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني من قبل الولايات المتحدة.

جنود عراقيون يشاركون في انتشارٍ أمني بعد هجوم بطائرة مسيرة على منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في بغداد، 2021- وال ستريت جورنال

ومع إجراء الانتخابات المقبلة، ستبذل إيران كل جهد ممكن للتأكد من فوز مؤيديها. ولذلك، فبدون حماية مكثفة من الأمم المتحدة ومن الدول العربية والغربية، لن تكون الانتخابات العراقية ديمقراطية أبداً. فمن خلال الميليشيات الموالية لها، ستحول إيران الانتخابات في العراق إلى كابوس من القتل والخطف والتهديدات والرشوة بحسب برعام.

وفي غياب الدعم الديمقراطي الخارجي، فإن هذه المعركة سوف تتحول إلى معركة بين الشجاعة والإرهاب. ولكن من المؤسف أن الإرهاب في العراق ينتصر في كل مرة. وهذا هو الدرس المستفاد من حكم البعث الذي دام 35 عاماً.

متظاهرون يحاولون اقتحام مبنى المحافظ أثناء احتجاجاتٍ للمطالبة بتحسين الخدمات والوظائف، البصرة، 2018- أسوشيتد برس

وإن لم يسرع المجتمع الدولي في تدارك تطورات الوضع العراقي، فإنه سيغرق بشكلٍ أعمق في الفساد الرسمي، والرمال المتحركة الإيرانية. حيث أكد برعام أن انتقام الصدر سيكون بوصم أيّة حكومة جديدة بعدم الشرعية، لكن طهران يمكنها أن تتعايش مع ذلك.

ويتوقع برعام أن سيناريو إجراء انتخابات جديدة أقل ترجيحاً، ولكنه ممكن. ولأسبابٍ عديدة، فإن هذه العملية ستكون بالغة التعقيد.

أما إذا لم تكن هناك قوى قادرة على تجميع الأغلبية المطلوبة والنصاب القانوني، فإن الجمود الممتد سيعيد العراقيين إلى صناديق الاقتراع.

وإذا كانت انتخاباتٌ ديمقراطية، فإنها ستضعف موقف إيران بشكلٍ أكبر، وسوف تشهد ارتفاعاً في نسبة المشاركة بين الناخبين المناهضين لإيران.

♦زميل كتاب في منتدى الشرق الأوسط، وأستاذ فخري في قسم تاريخ الشرق الأوسط، ومدير مركز دراسات العراق في جامعة حيفا.

المصدر: مركز الدراسات البيئية والجغرافية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة