الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل يخرج حزب العدالة والتنمية المغربي من “جلباب” ابن كيران؟

الأزمة داخل صفوف "العدالة والتنمية" سببها تفرد الزعيم الأوحد بكل القرارات

المغرب- حسن الأشرف

لا يمر حزب العدالة والتنمية المغربي، ذو المرجعية الإسلامية، بأفضل أوقاته السياسية في الوقت الراهن؛ إذ تطابقت أخبار بخصوص وجود أزمة داخلية “صامتة” قد تطفو على السطح في أي وقت، لا سيما مع وجود الحزب في صفوف المعارضة، وفقدانه الكثير من الإشعاع السياسي والحزبي الذي كان يحظى به قبل سنوات خلت.

وتفيد المعطيات أن شخصية عبدالإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تسببت بشكل أو بآخر في نشوء وتصاعد هذه الأزمة، بالنظر إلى تراكم الامتعاض والانتقادات لدى عدد من قيادات وقواعد الحزب بشأن طريقة تدبير الحزب والفشل في إعادة تموقعه بعد “نكسة الانتخابات الأخيرة”؛ ما دفع قيادات إلى مقاطعة أو التهديد بمقاطعة اجتماعات “العدالة والتنمية”، وَفق مصادر قريبة من الشأن الداخلي للحزب ذاته.

اقرأ أيضاً: لماذا عادت قيادات “العدالة والتنمية” إلى المواعظ الدينية؟

الحزب بعد “النكسة”

وفي الواقع، انطلقت أزمة هذا الحزب الذي يصنفه الكثيرون على أنه “حزب إخواني”، منذ هزيمته التي وُصفت بالنكراء في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، وتخليه عن قيادة دفة الحكومة، وفقدانه العديد من المقاعد البرلمانية إلى حد عجزه عن تشكيل فريق في مجلس النواب لقلة عدد الناجحين من أعضاء الحزب في تلك الانتخابات.

وتولَّى عبدالإله بن كيران قيادة حزب العدالة والتنمية خلفاً لسابقه سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، في أكتوبر 2021، بفضل أغلبية ساحقة من أصوات قواعد الحزب التي كانت تأمل في أن يعيد الرجل إشعاع الحزب ويلملم جراحه بعد الهزيمة المدوية التي مُني بها في الانتخابات الأخيرة.

سعد الدين العثماني، وعبد الإله بنكيران

ويرى مراقبون أن عبدالإله بن كيران عوض أن يلجأ إلى إجراء نقد ذاتي لتجربة الحزب في تدبير الحكم طيلة عشر سنوات، ويضع الإصبع على مكان الضعف ليقويها ويتداركها، اكتفى ببث حلقات وعظية في صفحته الفيسبوكية، يفسر فيها آيات قرآنية حسب فهمه الذي اكتسبه من تجربته الدعوية في الجماعات الإسلامية المختلفة التي حط الرحال بها، وأبرزها مساره الطويل في حركة التوحيد والإصلاح.

كما أن عبدالإله بن كيران عوض إجراء النقد الذاتي المنشود، وتدشين معارضة قوية للحكومة الحالية، تذبذب في قراراته وتصوراته السياسية لعمل الحزب؛ حيث تارة كان يطالب بعدم معارضة الحكومة لأنها تحتاج إلى وقت لتدبير شؤون المغاربة، وتارة كان ينتقد قرارات أسهم فيها حزب العدالة والتنمية نفسه لما كان يسير الحكومة.

اقرأ أيضًا: هل تُصلِح عودة بنكيران صورة الإخوان المسلمين المشوهة في المغرب؟

ويبدو أن الذي أثار انتقادات عدد من قيادات وقواعد حزب العدالة والتنمية هو أسلوب عبدالإله بن كيران في تدبير مرحلة المعارضة؛ حيث يكتفي فقط باجتماعات ومهرجانات جهوية يلقي فيها خطبه التي يصفها البعض بالشعبوية، دون أن يكون لها تأثير كبير على الحكومة، ودون أن يكون للحزب تلك القوة داخل البرلمان، ولا تلك المكانة السابقة في المشهد السياسي للبلاد.

وضع محتقن

ومقابل ما يرشح من أخبار عن هذه التوترات داخل حزب العدالة والتنمية، يحاول قياديون مقربون من عبدالإله بن كيران نفي وجود وضع محتقن داخل دواليب الحزب الإسلامي؛ إذ صرح أحدهم بأن ما يقع ليس سوى اختلاف في الآراء والمواقف بين قيادات حزبية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وليس تمرداً أو انشقاقاً كما يروج لذلك البعض.

ووفق هؤلاء المقربين من عبدالإله بن كيران، فإن حزب العدالة والتنمية مستقر سياسياً ولا يعيش أية أزمة صامتة، وإن ما يحصل هو اختلافات واجتهادات في الرؤى والمواقف، وإن هناك جهات من “الدولة العميقة” هي التي تبث مثل هذه الأخبار لمحاصرة حزب العدالة والتنمية وحشره في الزاوية الضيقة.

عبدالفتاح الحيداوي

وفي المقابل، يرى المحلل السياسي عبدالفتاح الحيداوي، في تصريحات لـ”كيوبوست”، أن “كل حزب حين ينتفي فيه الحوار الداخلي أو إمكانية إصلاح مشكلاته، تطفو الأزمات الكامنة في صفوفه”، مبرزاً أن “حزب العدالة والتنمية تعتريه العديد من الأزمات والصراعات؛ ما يجعل أعضاءه يبحثون عن بديل غير عبدالإله بن كيران”.

وتابع الحيداوي بأن “هناك شبه إجماع على أن الأزمة داخل هذا الحزب عنوانها شخصية عبدالإله بن كيران الزعيم الأوحد؛ حيث بدأ أعضاء الحزب يشعرون بأنه ينفرد بكل القرارات، وهذا الأمر جعل الكثيرين يرفضون تمديد الولاية؛ بمن فيهم مقربون منه، مثل أمينة ماء العينين وعبدالعلي حامي الدين”.

وذهب المتحدث ذاته إلى التأكيد أن “عبدالإله بن كيران لم يعد مقبولاً حتى عند المنظمة الشبابية للحزب”، مضيفاً: “إذا لم يتولَّ شخص آخر قيادة حزب العدالة والتنمية سيعرف الحزب انشقاقات قد تؤثر على وجوده وتاريخيته”، وفق تعبيره.

“العدالة والتنمية” فقد شعبيته السياسية

جلباب الزعيم

الخبير في العلوم السياسية والأستاذ الجامعي، الدكتور الحبيب استاتي زين الدين، يقول من جهته، في حديث مع “كيوبوست”، إنه يتفق مع مصطلحات تحاول توصيف حالة حزب العدالة والتنمية منذ انتكاسة الانتخابات، من قبيل “أزمة” و”مقاطعة” و”غضب”؛ لكنه يستحضر في المقابل تساؤلاً أولياً هو: هل هذه الحالة طبيعية؟

الحبيب استاتي زين الدين

يجيب استاتي زين الدين بأنه: سياسياً، يقتضي احترام أخلاقيات العمل السياسي رجوع أعضاء الأمانة العامة لهذا الحزب الذين دبروا جميع مراحل الانتخابات التشريعية والجماعية إلى الخلف بعد الهزيمة القاسية، والحرص على تسهيل انتخاب مكتب سياسي جديد، وبأنه يُحسب للحزب، وهذا أحد جوانب قوته، أنه نجح في تدبير مرحلة الانتقال بطريقة ديمقراطية إلى حد ما؛ لكن غير الطبيعي أن تم ذلك برؤية تقليدية لم تخرج من “جلباب الزعيم”، وسقط الحزب، بوعي أو بغيره، في دوامة النظر إلى المستقبل بالحنين إلى الماضي وعدم الاستفادة الذكية من تحولات الحاضر.

واستطرد المحلل ذاته قائلاً: “دُبِّرت المرحلة، ويبدو أن الأمر ما زال على حاله، بمنطق استعادة الكرامة الأقرب إلى تصفية الحسابات مع مَن يُعتقد أنهم أداروا ظهرهم في مرحلة دقيقة لابن كيران والموالين له، ولربما هذا المنطق هو الذي يفسر استغلال عبدالإله بن كيران أية فرصة لاتهام أعضاء بعينهم من الأمانة العامة السابقة، تصريحاً أو تلميحاً، بالضلوع في الصدمة التي تعرض إليها الحزب، ورفضه بعد ذلك دعوات إجراء حوار داخلي يمهد الطريق أمام عودة القياديين السابقين الذين وضعوا مسافة مع الحزب منذ إعادة انتخابه قبل الموعد القانوني أميناً عاماً للحزب بعد الفشل في الحفاظ على ثقة الناخبين، وحصول الحزب على ثلاثة عشر مقعداً في انتخابات عام 2021 مقابل 125 في الانتخابات التشريعية السابقة”.

اقرأ أيضاً: التلون والحربائية يهويان بإخوان المغرب من القصر إلى البئر

الشفاء من “السقوط الحر”

وتابع الحبيب زين الدين بأنه “تحت تأثير الانتشاء باستبعاد الانتهازيين وإمكانية استعادة أمجاد الماضي، كما يستشف من تصريحات وحوارات عديد من المنتسبين إلى الحزب والمتعاطفين معه، توقعت الأمانة العامة الجديدة الشفاء بسرعة من آثار السقوط (الحر)؛ بل وكانت تمنِّي النفس بالفوز ببعض مقاعد الانتخابات الجزئية، غير أن النتيجة كانت صفرية”، مشيراً إلى أن “اللافت للانتباه أنها أحيت التشكيك في فرص العودة السريعة إلى التنافس السياسي أمام ضعف التعبئة الداخلية الشاملة؛ خصوصاً أن عدد الذين اختاروا الانزواء أو النزول، طوعاً أو كرهاً، من العربة، في ارتفاع”.

واستطرد المتحدث ذاته بأنه رغم كونه لا يستبعد قدرة الحزب على تقوية الوحدة الداخلية لاعتبارات عدة، ذاتية وموضوعية، تحضر فيها الجوانب التنظيمية جنباً إلى جنب مع التأثيرات السيكولوجية والدينية؛ فإنه لن يتفاجأ إذا تخلى عبدالإله بن كيران عن المسؤولية بفعل التوترات الداخلية وما أحدثته وستحدثه من انقسامات في ظل عدم وجود رؤية موحدة وواضحة لوجهة الحزب في السنوات المقبلة.

وتوقع استاتي زين الدين، في ختام حديثه، أنه في حالة عدم الوصول إلى هذا القرار المؤلم بالنظر إلى السمات السيكولوجية لشخصية عبدالإله بن كيران وعلاقته النفسية بالحزب وإرثه، إمكانية تأثير بعض المبادرات الشخصية في تجاوز حالة الفتور السائد والانسحاب الصامت لعناصر القيادة السابقة في الأنشطة الحزبية كما حدث في محطات سابقة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة