ثقافة ومعرفةمجتمع

هل يختلف سلوك التوائم المتطابقة باختلاف أسلوب الحياة؟

ماذا يخبرنا التوائم عن أثر الطبيعة عليهم؟

ترجمة كيو بوست –

بقلم جين برودي، مؤلفة اثني عشر كتابًا، كاتبة عمود في مجال الصحة، منذ عام 1976.

في اليوم الذي ولد فيه أطفالي التوائم المتطابقين بولادة قيصرية طارئة، لاحظت اختلافًا في سلوكهما، إذ أمضى التوأم أ معظم يومه الأول في حالة تأهب وترقب، بينما أمضى التوأم ب -الذي كان قد نجا من هذا الإجهاد قبل ولادته- يومه نائمًا بهدوء كالطفل حديث الولادة الطبيعي.

لقد بذلت أنا وزوجي قصارى جهدنا لمعاملتهما بمساواة، إلا أن احتواء التوأم أ شكل لنا تحديًا أكبر، فأطلقنا عليه لقبًا هو سرطان البحر، لكونه في حالة تأهب ومراقبة دائمة، بينما كان احتضان أخيه التوأم ب أسهل. وفي طور نموهما، لاحظنا اختلافات أخرى بينهما، إذ تدرب التوأم ب على  الزحف والمشي وركوب الدراجات والتزلج وما إلى ذلك، في حين اكتفى التوأم أ بالمشاهدة، ثم تقليد تلك المهارات لحين إتقانها.

اقرأ أيضًا: هل يغير السفر إلى الفضاء من تركيبة الحمض النووي للتوائم؟

على الرغم من أن التوأمين تشاركا جميع جيناتهما ونشآ مع الآباء المحبين نفسهما، إلا أن هناك اختلافات واضحة بينهما نشأت بفعل عوامل خارجية في بيئتهما المحيطة، سواء قبل الولادة أو بعدها.

 

ماذا يقول الخبراء؟

وناقش الفلاسفة وعلماء النفس لقرون عدة أثر الطبيعة وتنشئة الطفل على تطوره، وكان لذلك تأثير قوي -وأحيانًا مضلل- على السلوك العام.

على سبيل المثال، صُمِّم برنامج ستارت من أجل منح الأطفال من الفئات المحرومة حضورًا أكاديميًا، ولكن ربما كان الأمر أكثر فعالية لو تم تعليم أهاليهم الرعاية الأبوية الصحيحة، ومهارات التنشئة، وكذلك كيفية إثراء بيئة الأطفال، ومقاومة التأثيرات السيئة.

يتعلم الأطفال مما يرونه من حولهم، وإذا كان ما يعيشونه أساسًا هو العنف والإيذاء واستمرار التغيب عن المدرسة وعدم وجود أي توقعات لنجاحهم، فإن فرصهم لبناء مستقبل صحي تكون ضعيفة من البداية، وكما قال لي ابني إريك إنغكويست، الزميل الصحفي، التوأم أ: “يمكن أن تحدد الجينات إمكاناتك، ولكن بيئتك لها الدور الأكبر في تحديد شخصيتك، والقليل ممن هم أقوياء ينجون من التأثيرات السلبية”.

 

هل يقتصر الأمر على الجينات؟

ولكن، حتى إن كان المسبب الأكبر هو الجينات والصفات الوراثية، فإن وجود شخص راشد محب في حياة الطفل ويوفر الدعم الكامل له يحدث فرقًا كبيرًا في نموه.

ووثقت دراسات طويلة عن التوائم المتطابقين -وفي بعض الحالات، الثلاثة توائم الذين تم إبعادهم عن بعضهم في سن مبكرة ونشأوا في بيئات مختلفة جدًا عن بعضها البعض- التفاعل الهام بين الطبيعة والتنشئة، وساعدت على  تفسير دور كل منهما في تطور الطفل.

وتقول عالمة النفس في جامعة فوليرتون في كاليفورنيا نانسي سيغال: “ليس صحيحًا أنه لا توجد علاقة بين الجينات الوراثية والعوامل البيئية، إنهما يكملان بعضهما”. من الجدير بالذكر أيضًا أن لها أختًا توأم مطابقة لها، أجرت دراسات عديدة حول التوائم، بدءًا من دراسة مينيسوتا الشهيرة حول عائلات التوائم، كما ألفت كتاب “ولدنا متحدين–تربينا متفرقين: دراسة حول التوائم في مينيسوتا”، الذي أصدرته مطبعة جامعة هارفارد عام 2012.

إن الكثير من الدراسات التي أجريت على الآلاف من أزواج التوائم المتطابقة وغير المتطابقة، سواء أولئك الذين تربوا سوية أو متفرقين، جعلت من الممكن تحديد دور الجينات والبيئة في عدد كبير من ميزاتهم.

وأظهرت دراسات أخرى أجريت على التوائم الذين نشأوا بعيدًا عن بعضهم البعض أن نصف الاختلافات في الشخصية والتدين، بشكل عام، قد تم اكتسابها وراثيًا، ولكن بالنسبة لصفة مثل الذكاء، فإن حوالي 75٪ من نسبة التباين بينهما، في المتوسط، سببه وراثي، مع تأثر 25٪ فقط بالبيئة المحيطة.

 

علم التخلق

تدور قصة الفيلم الوثائقي “ثري أيدينتكال سترينجرز” حول ثلاثية الذكور المتطابقة المفصولة عند الولادة، إذ كان هناك تباين في قابليتهم للإصابة بالأمراض العقلية، مقارنة بأحدهم الذي نشأ عند والد استبدادي. وكان الأخير هو الأكثر تأثرًا من أخويه الآخريْن الذين عاشا مع أبوين أكثر دفئًا ورعاية.

يعرف الباحثون في علم الوراثة الآن أنه على الرغم من أن الحمض النووي للفرد غير قابل للتغيير بشكل أساسي، إلا أن مجموعة كبيرة من العوامل البيئية يمكن أن تمنح ما يسمى الاختلافات الخَلقية. يؤثر “علم التَّخَلُّق” على الجينات المكونة لجينوم الفرد التي يمكن تفعيلها أو تعطيلها، وقد تبين أن عوامل مثل التمرين، والنوم، والصدمات، والشيخوخة، والإجهاد، والمرض، والنظام الغذائي لها تأثيرات جينية، يمكن نقل بعضها إلى الأجيال القادمة.

ويتطلع الباحثون إلى إيجاد طرق للتحكم بتحسين الجينات على أمل العثور على سبل وقاية أو علاج لأمراض مثل مرض السكري التي تنتقل عبر جينات وراثية قوية.

وأوضحت الدكتورة سيغال، التي ألفت أيضًا “المفاهيم الخاطئة حول التوائم: المعتقدات الكاذبة، الخرافات، والحقائق حول التوائم”، أن تلك الدراسات تسلط الضوء على ضرورة منح التوائم الرعاية اللازمة، خصوصًا أزواج التوائم المتطابقة، وكذلك الأمر عند تبنيهم. وكما صُور في الفيلم الوثائقي، قالت الدكتورة سيغال: “إن حال التوائم الثلاثي ساء بشدة بعد فصلهم عن بعضهم، لقد خسروا الكثير من اللحظات الرائعة التي يمكن أن يعيشوها في السنوات الماضية لو كانوا معًا، كان هناك رابط مباشر وقوي بينهم، بل وفهم عميق لبعضهم البعض، الأمر الذي كان واضحًا عندما اجتمعوا أخيرًا”.

 

المصدر: نيويورك تايمز

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة