الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

هل يحتاج الناس إلى الدين والفلسفة؟

منير بن وبر

في عام 1978م أصدر الأمريكي مايكل هارت، أول كتبه بعنوان «المئة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ»، والذي تضمَّن قائمة من مئة شخص تم ترتيبهم وفقاً لمعايير معينة؛ بناءً على تأثيرهم في التاريخ. وقد تضمَّنت أسماء العشرة الأوائل في القائمة خمسة أشخاص تنوعوا بين الأنبياء ورجال الدين والفلاسفة؛ وهو ما يوحي بعظم تأثير الدين والفلسفة في تاريخ الإنسانية جمعاء. يأتي رسول الإسلام محمد، صلى الله عليه وسلم، على رأس قائمة هارت، ويتوزع على بقية المراتب العشر الأولى كلٌّ من نبي الله عيسى ابن مريم، ومؤسس الفلسفة البوذية والفيلسوف الصيني كونفوشيوس، والمبشر بالمسيحية القديس بولس.

وعلى الرغم من أن الديانة المسيحية هي الأكثر أتباعاً في العالم؛ فإن مايكل هارت قد جعل رسول الله عيسى، عليه السلام، في المرتبة الثالثة، بعد كل من محمد، صلى الله عليه وسلم، والعالم الفيزيائي الإنجليزي إسحق نيوتن. وقد برر هارت ذلك بأن نبي الإسلام محمد، كان ناجحاً للغاية في المجالَين الديني والمدني معاً، كما اعتقد أن دور محمد في الإسلام كان أكثر تأثيراً من مساهمة عيسى في تطور المسيحية؛ وهو تطور يُعزى، حسب هارت، إلى القديس بولس الذي قام بدور محوري في نشر الديانة المسيحية.

لماذا احتاج الناس إلى الدين؟

يلفت تصنيف مايكل هارت نظرنا إلى الأهمية والتأثير الكبيرَين اللذين يمتلكهما الدين والفلسفة؛ فقد حاول البشر من خلالهما فهم الكون الغامض، وتفسير ظواهره ومعرفة سر جماله وعظمته ودقته المدهشة؛ لذلك، لا عجب أن أضاف هارت أيضاً في قائمة العشرة الأوائل كلاً من عالِمَي الفيزياء نيوتن وأينشتاين؛ إذ تسعى الفيزياء هي الأخرى إلى فهم آلية عمل الكون وأسراره والقوى المحركة له.

اقرأ أيضاً: الدين والمجتمعات الغربية

يعتقد علماء الإنسان أن الخوف هو أقوى العوامل التي دفعت الإنسان البدائي إلى تبنِّي العقيدة الدينية؛ حيث كان العالم مليئاً بالأخطار والظواهر التي يصعب تفسيرها، فلجأ الإنسان إلى عبادة الحيوانات القوية لتجنُّب بطشها، وعبد السماء لاستسقاء مائها، والأرض لاستنبات زرعها، وعبد الشمس والنجوم لدهشته بها وللحصول على خيرها والاهتداء بها.

تماثيل في منطقة كيوتو باليابان- Jordy Meow

كان الإنسان البدائي يعجر عن فهم أسباب حركة الأشياء؛ كالشمس أو الزلازل مثلاً، لذلك ظن أن لكل شيء روحاً تُحركه، أو أنه إله عظيم؛ فكان ذلك مُطمئِناً له ومُشبعاً لفضوله الأزلي بمعرفة عِلة الأشياء. ولكن الأرواح التي ظنوها في كل شيء كانت مدهشة إلى حد مخيف؛ فقد كانت أرواح الموتى تأتيهم في الأحلام، وقد دفعهم عجزهم عن فهم كيف يُعقل رؤية شخص دفنوه بأيديهم، وربما أحرقوا جثته ونثروه رماداً، إلى عبادة الأرواح، ثم عبادة الأسلاف، وأخيراً عبادة البشر قبل أن يتوفاهم الموت.

ولكن دور العقيدة الدينية لم يقتصر على منح الطمأنينة للإنسان، كما لم يكن مجرد مواساة له عن عجزه وضعفه أمام قوى الطبيعة الخارقة والغامضة؛ بل امتد الدين ليكون دعامة أساسية للأخلاق ولاستقرار وترابط الأسرة والمجتمع بما يفرضه من قواعد للسلوك ومن مُحرمات، فكان لذلك تأثير السحر لترويض تصرفات البشر غير المرغوبة.

اقرأ أيضاً: “الكارما”.. التحرر من عواقب الخطايا للانعتاق من الحياة

لم تتوانَ كثير من الدول عبر التاريخ عن استغلال تأثير الدين لتثبيت الأمن وفرض الاستقرار؛ لما تفرضه العقيدة من تقوى وما يملكه رجال الدين من هيبة، ولربما تناوب رجال الدين ورجال الدولة على حكم الناس وسياستهم. كما استُغِل الدينُ كثيراً لتحقيق الطموحات السياسية، كما فعل نابليون أثناء حملته على مصر؛ إذ حرص على تقديم نفسه كمدافع عن الإسلام ومعجب برسوله والقرآن الكريم، وحث الجيش على إظهار الاحترام للمسلمين ومراعاة رجال الدين، ورغم كل ما يثيره ذلك من عاطفة؛ فإنه لم يكن سوى تقدير للدين كقيمة سياسية.

نابليون بونابرت في مصر

هل احتاج الناس إلى الفلسفة؟

أوجد تطور الحياة المدنية عقولاً أقل تقبلاً للروحانيات والتفسيرات السهلة للأسئلة الصعبة عن الوجود والأخلاق والقيم والمعرفة؛ فظهرت الفلسفة التي جادل ممارسوها بشأن العديد من الأمور الأساسية بعيداً عن الأساطير والخرافات، فجادلوا -مثلاً- بأن كل شيء يتكون من المادة فحسب بدلاً من الاعتقاد بوجود الأرواح والآلهة،  وجادلوا بشأن السلوك القويم دون أن يبدي كثيرٌ منهم اهتماماً بما وراء الطبيعة كالإله؛ لذلك يُنسب إلى مؤسس الديانة أو الفلسفة البوذية في الهند، بوذا، قوله: “إن طاعة قوانين البِر خير من عبادة الآلهة”، ويقول الدالاي لاما: “ديني بسيط جداً، ديني هو اللطف”.

اقرأ أيضاً: إلى مَن يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

لا ينظر بعض العلماء إلى البوذية كدين منظَّم؛ بل كـ”طريقة حياة” أو “تقليد روحي”. عند نشأتها، رفض بوذا سُلطة الكاهن وطقوس عبادة الآلهة. لا تؤمن البوذية بوجود الإله الخالق المُتحكِّم بمصائر البشر، وترفض تخصيص مكانة عقائدية للإله، بما تفرضه تلك المكانة من صلوات وقرابين.

ومثل الفلسفة البوذية، نشأت الفلسفة الكونفوشيوسية في الصين، لتدور حول محور الأخلاق. وضع مايكل هارت الفيلسوف الصيني، كونفوشيوس في المرتبة الخامسة؛ تماماً بعد بوذا، لِما له من تأثير عميق في الثقافة الصينية والفكر والحياة الكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية.

تدور أفكار كونفوشيوس حول الأخلاق والسلوك من أجل حياة مُسالِمة. لا توجد آلهة كونفوشيوسية؛ لكن كونفوشيوس نفسه يُعبد باعتباره روحاً وليس إلهاً. الكوارث والصراعات عند الكونفوشيوسية هي نتيجة الانحراف عن التعاليم القديمة، والحاكم مُطالب بالكمال الأخلاقي لتحقيق السلام والعدل في بلده؛ لذلك يُنسب إلى كونفوشيوس قوله: “في بلد يحكمه حكم جيد فإن الفقر شيء يجب أن نخجل منه، وفي بلد يحكمه حكم سيئ فإن الثروة شيء يجب أن نخجل منه”.

اقرأ أيضاً: قمة كوالالمبور الإسلامية تعكس حجم الطموحات التركية والماليزية

لا شك أن الدين هو دعامة أساسية للأخلاق وتعزيز الروابط بين الأفراد؛ لكن ذلك لا يعني حصر الأخلاق في التديُّن؛ وهذا ما يُلاحظ في فلسفتَي كونفوشيوس وبوذا، واللتين لا يزال يدور الجدل حول ما إذا كانتا ديناً أم فلسفة.

وبغض النظر عن فلسفتَي كونفوشيوس وبوذا، يمكن رؤية انتهاج الأخلاق الفاضلة كدين أو فلسفة أو أسلوب حياة لدى أشخاص لا ينتمون إلى أي من الفلسفتَين، فعلى سبيل المثال، يقول الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، أبراهام لينكولن: “عندما أفعل الخير فإني أشعر بحالة جيدة، وعندما أفعل الشر فإني أشعر بالسوء، وهذا هو ديني”. ويقول الشاعر والروائي الفرنسي فيكتور هوغو: “التسامح هو أفضل دين”. عُرف عن هوغو ولينكولن تغيُّر آرائهما ومعتقداتهما الدينية خلال مراحل حياتهما المختلفة.

رسم تصويري لاغتيال الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن

ما مستقبل الدين والفلسفة؟

غالبية فلاسفة الدين اليوم مؤمنون؛ لكنّ آراءهم حول وجود الله تختلف جذرياً عن آراء الفلاسفة الذين لا يتخصصون في فلسفة الدين، والذين تعتقد أقلية منهم فقط بوجود الله؛ أي مُلحدين أو ببساطة يفضلون الإجابة القائلة: لا أدري إن كان الله موجوداً (لا أدريون). تعتبر فلسفة الدين اليوم أحد أكثر مجالات الفلسفة حيوية؛ نظراً لما يمكن تسميته بـ”الطبيعة الدينية” لسكان العالم؛ حيث إن معظم سكان العالم هم إما جزء من دين وإما متأثرون بدين ما. وفي بعض أجزاء من العالم، كآسيا، يوجد تداخل قوي بين الفلسفة والعقيدة الدينية.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر التدين على التعصب القبلي والعرقي؟

وبغض النظر عن الدين الصحيح أو الفلسفة المقبولة، فإن اهتمام الإنسان بهما منذ الأزل هو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه من تطور ورُقي؛ ذلك أن الدين بما خلقه من فضول وشغف بمعرفة الكون كان أولى محاولات البشر لفهم عالمنا قبل ظهور الفلسفة، ثم أصبح الدين والفلسفة البداية الأولى لعلوم الفلك والطب والفيزياء. يُعزى التقدم الحضاري والمدني اليوم إلى تطور علم الفيزياء الذي كان خلال معظم الألفي سنة الماضية جزءاً من الفلسفة الطبيعية، قبل أن يبرز كعلم حديث مستقل في القرن السابع عشر.

 وحتى اليوم، يجادل الكثير من الباحثين في المعتقدات الدينية لأعظم عالِمَي فيزياء في التاريخ، نيوتن وأينشتاين، اللذين عبَّرا في مناسبات مختلفة عن الله وانبهارهما بنظام الكون. يقول إسحق نيوتن مثلاً: “تفسر الجاذبية حركة الكواكب؛ ولكنها لا تفسر مَن الذي يجعلها تتحرك. فالله يحكم كل شيء ويعرف كل شيء وما يمكن أن يكون”، ويقول أينشتاين: “العلم دون دين أعرج، والدين دون علم أعمى”.

اقرأ أيضاً: الانحدار العالمي للتدين

تحاول الكثير من الدراسات التنبؤ بمستقبل الدين، يُرجّح بعضها تصاعد الإيمان والمنتمين إلى الأديان، كما تشير الأرقام إلى أن الإسلام هو الدين الأسرع نمواً في العالم؛ ويعود ذلك، من بين عوامل أخرى، إلى ارتفاع معدل الخصوبة لدى المسلمين مقارنة بمعتنقي الديانات الأخرى؛ لكن استطلاعات رأي أخرى ودراسات تتوقع انحداراً عالمياً للدين.

الحرم المكي

وبشكلٍ عام، يخبرنا كثيرٌ من شواهد التاريخ أن الاهتمام بالتدين يقل كلما ازدهرت المدنية، وتحل مكانه الفلسفة وتبجيل العقل؛ وهذا ما يجعل التنبؤ بمستقبل الدين صعباً؛ لأن عوامل المدنية متعددة، وللمدنية دورات حياة، وما تلبث مدنية أن تموت حتى تُبعث أخرى. ولأنه كان الدين والفلسفة ملازمَين للبشر منذ آلاف السنين فلا عجب أن يستمرا في الصعود والهبوط، ووحدها الحرية الدينية والتحرر العقلي والاحترام المُتبادل والقيم الأخلاقية الراسخة هي ما يمكن أن تقلل من تطرُّف الصعود والهبوط اللذين يدمران المجتمعات.     

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة