الواجهة الرئيسيةتكنولوجيا

هل يتحول “فيسبوك” إلى ناشر ومنتج للثقافة؟

كيوبوست

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا غنى عنه في تفاصيل حياتنا اليومية، غير أن تأثير “فيسبوك” لم يتوقف عند كونه مصدرًا للتواصل الاجتماعي فقط؛ بل أصبح يلعب دورًا ما في إنتاج الثقافة بشكل أو بآخر، فضلًا عن قيامه بإسباغ صفة “كاتب” على هذا أو ذاك، بمجرد أن يتجاوز عدد متابعيه ممن يتفاعلون مع نصوصه بـ”لايك” أو “شير” بضع مئات؛ ليصبح لدينا عدد كبير من الكُتَّاب، في الرواية والشعر والقصة والكتابات الساخرة، ربما يفوق عدد القراء؛ بسبب سهولة الانتشار والتأثير التي خلقها “فيسبوك”، وفي هذه الحال يكون الموقع قد ألغى أهمية الاعتبارات الفنية للنصوص، وبات المعيار الأهم والأبقى هو مستوى تفاعل الجمهور مع النص أو “البوست” الذي يكتبه أحدهم، بغض النظر عن قيمته الفنية ومدى تأثيره وجدانيًّا، ومن ثَمَّ بات البعض يتساءل حول طبيعة دور “فيسبوك” مستقبلًا كجهة منتجة للثقافة؛ فضلًا عن إمكانية تحوله إلى ناشر، بدلًا من دور النشر الحكومية والخاصة، مستفيدًا من بعض المحاولات الشبابية، مؤخرًا، لنشر ديوان أو رواية بصيغة إلكترونية على “فيسبوك” مباشرةً، من دون طبعها ورقيًّا.

اقرأ أيضًا: ما بين إشكالية التطبيق ومصداقية الواقع.. الـ”أكثر مبيعًا” بوصلة القراءة الخطأ أحيانًا

نماذج وأمثلة

هذه التساؤلات حول إمكانية أن يدخل “فيسبوك” المنافسة كناشر للنصوص الأدبية أو كيان منتج للثقافة، على الرغم من طبيعة دوره التي تقتصر على فكرة التواصل الاجتماعي فقط، لم تكن مجرد تساؤلات عابثة؛ بل إن هناك بعض المحاولات في خصوص ذلك.

الشاعر رامي وفا، الفائز بجائزة أحمد فؤاد نجم للشعر، قرر في العام 2018 أن ينشر ديوانه “عشرينات” بشكل إلكتروني عبر منصة “كتبنا”؛ كي يكون متاحًا على “فيسبوك” بشكل أكثر انتشارًا.

وأكد وفا، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن النشر الورقي لا يضيف شيئًا كبيرًا إليه، موضحًا أن التفاعل من خلال “فيسبوك” يكون أكثر.. وعلى نطاق أوسع؛ ما يمنح الكاتب قدرةً على استشراف ردود الأفعال من جانب الجمهور بشكل سريع ومؤثر وواضح، بدلًا من ألاعيب دور النشر التي لا تحقق هذا التفاعل وتدخل في مشكلات كبيرة.

ومنذ شهور، وعلى الرغم من فوز الروائي المصري محمد جمال بجائزة جريدة “أخبار الأدب” القاهرية، عن روايته “كتاب خيبة الأمل”؛ فإنه لم يتم نشر الرواية بصيغة ورقية، ونشرها جمال على “فيسبوك” بصيغة الـPDF””؛ بسبب ما واجهه من تعنُّت وطلبات مالية مبالغ فيها من جانب دور النشر.

وقال جمال، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، إن قراره بنشر الرواية على مواقع التواصل الاجتماعي جاء نتيجة رغبته في أن تُنشر الرواية أيًّا كانت الوسيلة، موضحًا أنه يريد للقارئ أن يطَّلع على كتابه، لا أن يفوز فقط بجائزة ولا يكتسب من وراء ذلك قراءً له؛ فالقارئ يبقى هو المعيار الأبقى والأدق للكاتب. ما حدث بعد واقعة جمال كان لافتًا؛ إذ إن التفاعل وصل إلى درجة لم يتوقعها أحد، سواء أكان مع الرواية أم مع الحالة بشكل عام، وتلقى جمال عديدًا من الاتصالات من ناشرين في جهات نشر حكومية وخاصة، يعرضون عليه نشر الرواية بعد أن عزفوا عن ذلك شهورًا. وتابع الروائي المصري: “تم بالفعل نشر الرواية بعد شهور قليلة، وصدرت عن دار بردية للنشر التي كانت تقريبًا أول دار نشر تهتم بالمسألة وتتواصل معي”.

ربما تكون حالة الروائي محمد جمال كافية لتوضح الوضع كاملًا؛ إذ لم يسعفه النشر الورقي، فقرر عرض روايته أمام الجميع على “فيسبوك”؛ ليجد تفاعلًا ضخمًا للغاية، وهو ما يلفت النظر إلى حجم الشعبية التي يضمنها “فيسبوك” للكاتب بشكل عام.

اقرأ أيضًا: أدب الخليج يخلق واقعًا ثقافيًّا جديدًا

صك الاعتراف

الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة المصري الأسبق، يقول في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”: “إن الحديث عن (فيسبوك) كجهة نشر يعتبر حديثًا مستبعدًا لعدة اعتبارات؛ منها أن النشر الورقي يبقى هو الذي يمنح الكتاب صك الاعتراف والبقاء”، موضحًا أن اقتناء كتاب يمنحه عمرًا أطول، ويجعل من فرص استعادته والرجوع إليه أمرًا مستمرًّا، بخلاف النشر على مواقع التواصل الاجتماعي التي تشبه الوجبات السريعة، حسب وصفه؛ حيث يفرح الكاتب بردود الأفعال اللحظية فقط، لكن على المدى البعيد ليس ثمة تأثير يُذكر. وتابع عصفور: “حالة رواية (كتاب خيبة الأمل) ليست مقياسًا للحكم على الأمر بوجه عام، كما أن (فيسبوك) ليس جهة لإنتاج الثقافة؛ لأنه ببساطة ليس ذلك الدور المطلوب منه أو الذي صُمم من أجله في البداية، كما أنه لا يمتلك المقومات الكافية واللازمة لإنتاج الثقافة، ولكن (فيسبوك) يتجه الآن إلى مساحات تجارية، ويريد أن يحقق أكبر قدر من المكاسب المالية، كما أن نشر نص على الفيس يحتاج إلى عمل إعلانات ممولة بمئات الجنيهات، وفي هذه الحالة يتساوى تقريبًا مع جهات ودور النشر التي تطلب أموالًا، وتنتفي هنا أفضليته من الناحية المادية، أما من الناحية الثقافية فلا أرى مجالًا للحديث عنه كجهة منتجة للثقافة؛ لأنه بعيد تمامًا عن هذه المنطقة، كما أن مستخدميه ليسوا من المنشغلين بهذه الفكرة بشكل كبير”.

تأثير وقتي

وترى الباحثة يسرا عمر الفاروق، المتخصصة في مجال السوشيال ميديا وتأثيرها على المجال العام، أن كل شيء ممكن، وأن ما حققته وسائل التواصل الاجتماعي، وبالأخص “فيسبوك”، خلال السنوات الأخيرة، لم يخطر على بال أحد، وبالتالي تبدو فكرة اضطلاعه بمهام نشر نصوص أدبية فكرة مقبولة نوعًا ما. وتابعت الفاروق، خلال تصريحات أدلت بها إلى “كيوبوست”: “ما يُمَيِّز (فيسبوك) هو أن تأثيره قوي وملحوظ جدًّا، لكنه يبقى تأثير مؤقت سريع، لا يترك أثرًا قويًّا وراءه، كما أن الكُتَّاب الذين اتجهوا إلى نشر أعمالهم عبر (فيسبوك) قليلون، ولا توجد إحصائيات محددة لتتبع هذه الحالة؛ لأنه ببساطة لم تدخل الفكرة حيز التنفيذ عند قطاع عريض من الكتاب، ولكن في حال قرر بعض الكتاب أن يبتعدوا عن النشر الورقي من أجل إتاحة كتبهم على (فيسبوك) بصيغة إلكترونية؛ فإن المسألة ستكون وقتها مادة مناسبة للإحصاء والتحليل، ولكن تبقى للنشر الورقي أهميته وقدرته الكبيرة على البقاء”.

اقرأ أيضًا: أين ذهبت النوفيلا العربية؟

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة