الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

هل يؤدي تقارب الرياض ومسقط إلى تقاربات إقليمية أخرى؟

العُمانيون بحاجة إلى تنويع مصادر دخلهم القومي وتخفيف الاعتماد على النفط، وهنا لا تدخُل فحسب رؤوس الأموال السعودية؛ بل أيضاً خبرتهم في إقامة المدن الصناعية التي توظف وتؤوي الآلاف. كما أن الخليج العربي سيضطر حتماً إلى إيجاد مقاربات خليجية- خليجية لمشكلاته المعقدة، وأن هذا الحذر المبالغ فيه بين هذه الدول سيتضاءل بشكل كبير أمام التحديات الكبرى التي تطول العمق الخليجي؛ سواء على المستوى الداخلي أو مستوى الملفات الخارجية.

كيوبوست

زيارة سلطان عُمان إلى العاصمة السعودية الرياض، خلال الأسبوع الماضي، هي الأولى لقائد عُماني للرياض منذ ما يزيد على عقدٍ من الزمان. التوقيت لم يكن بلا دلالات؛ فقد تزامنت الزيارة مع توترات غير معتادة في أجواء بعض التحالفات الخليجية التي بدت لوهلة ما ساكنة وبلا توترات، كما أن الزيارة تأتي في وقتٍ تتزايد في التوقعات بأن هناك جهوداً سعودية لتهدئة تنافسها الإقليمي مع غريمتها إيران.

اقرأ أيضًا:  السلطان هيثم في الرياض.. وفصل جديد من العلاقات بين السلطنة والمملكة

الرياض تزيَّنت بالأعلام العُمانية وبصور السلطان، وبعبارات الترحيب والثناء على الطريقة العربية، والتي تشي بصفحة جديدة بين البلدَين؛ لكن السلطان حطَّ رحاله في مدينة نيوم، وهي مركز أعصاب فريق ولي العهد السعودي، والمنفذ الذي يؤمل من خلاله أن يربط بلده اقتصادياً بأوروبا وشمال وإفريقيا وأقاليم أخرى. ولم تقتصر الزيارة على لقاء القادة؛ فقد وُقِّعت مجموعة كبيرة من الاتفاقيات بين مجلسَي الوزراء في البلدَين، وبالذات في مجالات الصناعة والتمويل الاستثماري والنقل البحري والبري، وتم الإعلان عن إطلاق مجلس التنسيق المشترك. هذا كله يدل على أن هناك جهوداً مسبقة ومكثفة قد بُذلت خلف الكواليس؛ لرفع مستوى العلاقة ومضاعفة الناتج من هذه الزيارة.

ولي العهد السعودي مستقبلاً سلطان عُمان في نيوم

لغة البراغماتية والمكاسب المتبادلة:

وتعاني عمان أزمة اقتصادية خانقة، ضاعفتها الجائحة وتبعات الإغلاق، وانعكاس ذلك على السياحة وعلى وفاء مؤسسات الدولة بالتزاماتها. ومع العهد الجديد يبدو أن السلطنة على موعد مع تحولاتٍ كبرى. وهذه هي اللحظة المناسبة. فالعمانيون بحاجة إلى تنويع مصادر دخلهم القومي، وتخفيف الاعتماد على النفط، وهنا لا تدخُل فحسب رؤوس الأموال السعودية؛ بل أيضاً خبرتهم في إقامة المدن الصناعية التي توظف وتؤوي الآلاف.

اقرأ أيضًا: عام على العهد الجديد في عمان يكشف عن رغبة جادة في التغيير

د.زياد داوود

ويشرح د.زياد داوود، أحد كبار الخبراء الاقتصاديين في “بلومبيرغ”: “ما الذي ستجنيه عُمان واضح للغاية: استثمارات إضافية لمساعدتها في بناء قطاعاتها غير النفطية، وعلاقات أفضل قد تساعدها في الحصول على مساعدات مالية مستقبلاً إن دعت الحاجة”. ويبدو أيضاً أن مسقط الجديدة تريد أن تقترب أكثر من الرياض، وذلك بعد خمسة عقود من الحياد الصارم الذي رأى السعوديون أحياناً أن مُناقض للمصلحة الخليجية والعربية في مواجهة إيران بالذات.

على الرغم من هذا، يرى د.دينيس ساموت، أن تقدير الرياض للصورة الكبيرة أكثر عمقاً مما يتكرر إعلامياً عن تحفظها من علاقة مسقط بطهران، يقول ساموت: “استقرار عُمان يصب في صالح المملكة، والسلطان هيثم يريد أن يوازن بين الاستمرارية والتغيير؛ ولذا يُنظر إلى الزيارة على أنها تعبير عن دعم الرياض في أوقاتٍ صعبة اقتصادياً تمر بها الدولة العمانية. والسعوديون قادرون على مساعدة عمان في مواجهة تحديات البطالة التي يعانيها الشباب العماني، عبر الاستثمار في قطاعات ومفاصل حيوية؛ مثل ميناء دقم الاستراتيجي أو ميناء صحار ومنطقتها الصناعية، هذا بالإضافة إلى مناطق اقتصادية جديدة على أرض السلطنة.

د.دينيس ساموت

ومن ناحيةٍ أخرى، يبدو أن السعوديين قرروا الاستفادة من قنوات الاتصال الوثيقة التي بنتها عُمان مع إيران والتي استخدمتها الولايات المتحدة سابقاً، كما أن مسقط قادرة على تيسير جهود إنهاء الحرب اليمنية؛ حيث إنها تعرف جيداً كل الأطراف المنضوية فيها”.

وسط كل التحليلات اليومية والفورية التي تدَّعي القدرة على التنبؤ بمسار الأمور المستقبلي، فإنه من المهم الاحتفاظ بذهن صافٍ بغرض تأمل الصورة الكبرى.

اقرأ أيضًا: هل تحيد عمان عن دورها السلمي المهم في المنطقة؟

أحمد الإسماعيلي

المحلل السياسي العُماني أحمد الإسماعيلي، يشرح النظرة البانورامية على الثابت والمتغير في مشهد الخليج من بعد الزيارة السلطانية، فقال: “ذكرت قبل المصالحة القطرية أن الخليج العربي سيضطر حتماً إلى إيجاد مقاربات خليجية- خليجية لمشكلاته المعقدة، وأن هذا الحذر المبالغ فيه بين هذه الدول سيتضاءَل بشكلٍ كبير أمام التحديات الكبرى التي تطول العمق الخليجي؛ سواء على المستوى الداخلي أو مستوى الملفات الخارجية.. وهذا التقارب الكبير بين المملكة والسلطنة يمثل لحظة تحول كبرى في العلاقات الخليجية البينية؛ هذا لا يعني أن العلاقات السياسية سابقاً لم تكن موجودة، بل يعني

مزيداً من التقارب الخليجي بعد مرحلة فتورٍ سياسي عميقة مرت بها هذه المنطقة؛ حيث كادت هذه الدول تتمزق بسبب تباينات في معالجة الملفات السياسية الخارجية؛ كالملف الإيراني واليمني بشكل خاص، وهناك مقاربات سياسية أكبر؛ خصوصاً بين السلطنة والإمارات والمملكة؛ ربما أفضل بكثير مما كانت عليه قبل سنوات بسيطة”.

د. نجاح العتيبي

الخبيرة السعودية في العلاقات الدولية د.نجاح العتيبي، تؤيد ما ذهب إليه ساموت والإسماعيلي، قائلةً: “ولي العهد رجل براغماتي قبل أي شيء آخر، ولغة التبادلات العملية هي ما يفضله خلال تعامله مع الدول والزعماء، ولا مانع لدى الرياض من الاستفادة من رصيد مسقط لإحداث تقارب مع هذه القوة الإقليمية أو تلك، الأولويات تتجدد، وكذلك السياسات والأصدقاء”. وتضيف العتيبي: “هناك شعور في دوائر صنع القرار السعودي للحاجة إلى مقاربة قضايا الإقليم بأسلوبٍ جديد، يوازن بين عدة أهداف وحاجات مستجدة، وربما من المبكر القول إن سياسة الرياض الخارجية ستدخل مرحلة جديدة؛ لكن هناك بالتأكيد رغبة في نقل الأداء الدبلوماسي إلى مستوى آخر عما كان عليه في الفترة الماضية”.

اقرأ أيضاً: سلطنة عمان.. عصر جديد مليء بالفرص والمخاطر

وعلى الرغم من التفاؤل الكبير من الناحية الجيوسياسية؛ فإن داوود له رأي مغاير قليلاً في الناحية الاقتصادية. يشرحه بقوله: “المنافع الاقتصادية التي ستعود على السعودية من وراء هذه الزيارة غير واضحة حتى الآن؛ ولكن إن نجحت الزيارة في خلق أجواء إقليمية أكثر هدوءاً، فإن ذلك سيساعد المملكة بلا شك على تركيز جهودها نحو التحول الاقتصادي بلا عوائق ومنغصات جيوسياسية”.

ويميل ساموت إلى نفس النبرة الهادئة التي يمتزج فيها الحذر بالتفاؤل في حديث داوود، فيقول: “ما زالت هناك عدة عوائق في العلاقة بين البلدَين، وربما لم يتم حلها جميعاً أثناء الزيارة؛ لكن الدفء العلني الذي صاحبها، والترحيب الرسمي والشعبي الذي لاقته، تؤكد أن البلدَين قد قررا تطوير علاقتهما نحو مستوى أعمق وأكثر براغماتية؛ وهو ما قد يكون نموذجاً لدول الخليج في علاقاتها مستقبلاً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة