ترجماتشؤون دولية

هل هنالك شراكةٌ تركية – روسية حقيقية؟

الإستراتيجيةُ التركيةُ هشةٌ ومتناقضة، الأمر الذي يجعلها عرضة للأهداف الروسية

ترجمة كيو بوست –

نشر الكاتب والباحث السياسيّ البريطاني “ناثانيل هاندي” مقالة في مجلة “فير أوبسيرفر” الأمريكية، يتحدث فيها عن العلاقات التركية – الروسية “الجديدة” في سياق الحرب السورية المستعرّة. ويعتقد “هاندي” أن موسكو لا ترى في أنقرة شريكًا حقيقيًا على الإطلاق، بل مجرّد أداةٍ مؤقتة تستطيع من خلالها تحقيق أهدافها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، بدءًا من سوريا، مستغلة سياسات الرئيس التركيّ المتقلبة.

 

يتظاهر الرئيس رجب طيب أردوغان بالقوة السياسية الخارجية أمام الشعب التركي، ويحاول إخفاء الحقيقة المرّة؛ أن تركيا ليست إلا شريكة صغيرة جدًا على طاولة المفاوضات أمام القوى الكبرى، مثلًا روسيا والولايات المتحدة. يمكن رصد هذا الضعف الجليّ في السياسة التركية بكلّ سهولة، لا سيّما في المرحلة التي أعقبت ثورات الربيع العربيّ.

لقد بلورت تركيا علاقاتها الجديدة مع روسيا من منطلق ضعفٍ صارخ، وليس شراكة حقيقية قوية، ليس شريكًا مقابل شريك آخر، أو حليفًا مقابل حليف. وقد بانَ ذلك بوضوح في أعقاب إسقاط تركيا للطائرة الروسية عام 2015. وعلى عكس سياسات الرئيس التركيّ المتقلبة بين الفينة والأخرى، نرى موسكو ثابتة في موقفها إزاء الصراع السوري؛ إذ دعمت قوات نظام الأسد، واعتبرت جميع اللاعبين الآخرين غير شرعيين، طوال مدة الحرب.

وفي الوقت الذي اصطفت فيه تركيا وراء الولايات المتحدة في دعم المتمردين السوريين، حاولت إجبار الأسد على الرحيل قبل التوصل إلى أية تسوية سياسية، فضلًا عن خوض المعركة في عفرين، إلا أن أنقرة تسعى إلى التقارب أكثر فأكثر تجاه القوات الروسية، وهذا هو جوهر التخبط التركي غير المحسوب.

والأهم من ذلك هو أن تركيا لا تفعل ذلك إلا بسخاء روسيّ متعمّد، وهذا السخاء له حدودٌ واضحة، ولن تجرؤ أنقرة على تخطيها؛ فروسيا تسيطر على المجال الجوي السوري، ولا تمنح الأتراك سوى حرية محدودة داخل الحدود السورية.

ومن خلال جلب تركيا إلى محادثات السلام السورية، إلى جانب إيران، تعمل موسكو على إظهار تركيا كصانع قرارٍ قوي على طاولة المفاوضات، بهدف إضفاء المصداقية على المحادثات من جهة، وتقويض الولايات المتحدة وعزلها من جهةٍ أخرى. إضافة إلى ذلك، بهدف دفع تركيا إلى الزاوية ذاتها التي وقعت بها واشنطن من قبل؛ الشعور بالضغط لقبول الأسد كحقيقة على الأرض. وهذا جزءٌ بسيطٌ من إستراتيجية بوتين، الذي يتلاعب بتركيا كيفما شاء، ولا يعتبرها شريكًا موازيًا في الميزان ذاته.

يبدو أن روسيا في طريقها نحو تحقيق كامل تطلعاتها في المنطقة، لا سيّما في سوريا، بفضل رضوخ الأتراك أمام خرافة التحالف الروسي التركي، فضلًا عن سياسات أردوغان غير المفهومة. تركيا ليست الولايات المتحدة، وليس لديها مواردٌ قوية لمقاومة القوة الروسية. ويبدو أن التيار الدبلوماسي التركي على مسار تصادميّ مع الأهداف التركية في سوريا؛ فقد تضاءل الإصرار التركي على عزل الرئيس الأسد، كما أن نائب رئيس الوزراء التركي أكد في التاسع من هذا الشهر أن “تركيا حريصة على سورية موحدة ومستقرة”. لقد قدّمت تركيا هذه التنازلات رغبةً بالشراكة الوهمية مع روسيا، ويبدو أن مزيدًا من التنازلات في الأفق.

وما يعزز الأوهام التركية في هذه الشراكة الزائفة، أن الرئيس التركي بات يأمل بأن تقوم قوات الأسد، إلى جانب روسيا وإيران، باجتياح مناطق ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية على طول الحدود التركية.

لا تزال الولايات المتحدة تعوّل على الأكراد السوريين للحفاظ على النفوذ الأمريكيّ في الدولة السورية، وهذا ما دفعها إلى تشكيل قوة عسكرية كردية ضخمة على الحدود مع تركيا. صحيحٌ أن القوات التركية دخلت إلى الحدود السورية لمواجهة الأكراد وللحفاظ على أهدافها الإستراتيجية، على عكس رغبات موسكو، إلا أن تركيا ترفض عزل نفسها عن روسيا من جديد، بعد أن جربت ذلك عام 2015 عندما أسقطت الطائرة الروسية. والنتيجة الحتمية لهذا التحالف الوهمي هو اضطرار الرئيس التركي إلى تقديم مزيدٍ من التنازلات لروسيا خلال المراحل المقبلة، الأمر الذي سيُحرج الدولة التركية بشكل كبير.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة