الواجهة الرئيسيةترجماتصحةمجتمع

هل هذا ما ندرس علم الاجتماع لأجله؟

كيوبوست – ترجمات

كارين كندريك

أُعِدّ حاليًّا محاضراتي التي سألقيها للطلاب لتتلاءم مع نظام التعلم عن بُعد، ولديَّ هدف رئيسي أتمنى الوصول إليه مع طلابي، أن أعلمهم كيف يفكر علماء الاجتماع في أوقات الأوبئة، وما المجال الأصيل لاهتمام علم اجتماع الصحة والأمراض. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، قررت أن أبدأ النقاش في محاضرتي القادمة عن أنماط الصحة العامة، والتعامل مع الأمراض، وكيف استطاعت المجتمعات المختلفة التكيُّف معها. بدايةً، سوف أنقل بعض الأفكار المتعلقة بمتوسط أعمار الناس، التي كانت في السابق أقصر كثيرًا مما نحن عليه الآن. وفي الوقت الذي أرجع فيه عديد من الدراسات السبب في ارتفاع متوسط عمر الفرد في الفترة من 1900 إلى 1930، من 47 عامًا إلى 60 عامًا، إلى انتشار أنظمة الصرف الصحي والمياه النظيفة، لكن الثابت أن العوامل الأكثر تأثيرًا هي ارتفاع مستوى المعيشة والتغذية وتوفُّر المساكن الأكثر اتساعًا؛ فتناول الطعام الجيد وعدم الاكتظاظ في أكواخ سيئة التهوية في المدن الصناعية أو القرى أدَّت إلى تحسُّن واضح في الأنظمة المناعية للإنسان، وقلَّصت من الأرقام المتعلقة بانتشار أوبئة؛ مثل الكوليرا والإنفلونزا.

اقرأ أيضًا: الديكاميرون.. حكايات من زمن الطاعون

إذ يبدو أن الأسلوب الذي ننظم به حياتنا الاجتماعية له أكبر الأثر على متوسط عمر الفرد. وفي الواقع فإن الطفرة الحقيقية التي حدثت في إمكانية التغلب على الأوبئة ومكافحتها في الولايات المتحدة وأوروبا لم تكن عن طريق زيادة شبكات الصرف الصحي أو الأدوية أو اللقاحات فقط؛ بل أيضًا من خلال توفير الغذاء والسكن الملائم والهواء النظيف أيضًا.

الأوبئة المعاصرة

سوف أناقش مع طلبتي أيضًا كيف أننا نتعامل بصورة طبيعية مع عدد لا يُحصى من الوفيات جراء أمراض القلب والسكتات الدماغية والسرطان، ونعتبرها أمراضًا عادية وليست أوبئة. كأفراد، يمكننا التخفيف من خطر هذه الأمراض من بعض النواحي؛ ولكنَّ كثيرًا منها يرجع إلى عوامل وراثية أو بيئية أو مجموعة معقدة من العوامل التي لا نفهمها بصورة صحيحة أو نكتشف مسبباتها الحقيقية حتى الآن.

لوحة تصور المعاناة في زمن انتشار وباء الكوليرا

بصفة عامة، يبدو أن هناك شيئًا أساسيًّا مفقودًا في متوسط عمر البشر. فعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا منا يعتقد أن الأمراض المعدية أمر مرتبط بوقائع تاريخية؛ فإن علماء الأوبئة يخبروننا منذ سنوات أننا لم نتخلص من الأمراض المعدية، بل إننا دخلنا منذ عام 1980 في مرحلة تُسمى “الارتفاع الجديد في الأمراض المعدية”؛ فهناك فيروس هانتا، والجمرة الخبيثة، وجنون البقر، والسارس، والإيبولا. واللافت أن هذه الأمراض بدت مخيفة؛ لكن تعاملوا معها باعتبارها أمراضًا بعيدة وغريبة، فهم يسمعون عنها من نشرات الأخبار. وكون الحياة شديدة التعقيد، فإنك بالتأكيد لن تهتم بأشخاص يموتون في مكان بعيد عنك لا تعرف عنهم شيئًا ولا تدرك المرض الذي توفوا به.

هناك سبب وجيه لأن نهتم بصورة جادة بمعرفة المزيد عن مسببات تزايد انتشار الأمراض المعدية. فرغم قناعتنا بأن لدينا اللقاحات والأنظمة الصحية والغذاء الأفضل والهواء النظيف والمأوى؛ فإن توفر هذه الأمور ليس متاحًا بالتساوي لكل فرد في هذا العالم. يعاني البعض منا فرط الوفرة، ويكافح البعض الآخر للحصول على التغذية الكافية. يحصل البعض منا على رعاية صحية متميزة، بينما لا تتوفر الرعاية مطلقًا لبعض الناس. صحيح أنه لا يجب أن نكون أغنياء لكي نكون أصحاء؛ لكن إذا كنا فقراء ونعاني سوء التغذية ونقص المأوى وعدم توفر الماء النظيف، فإننا بالتأكيد سنمرض.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

بؤرة اهتمام علم اجتماع الصحة والأمراض

تؤثر الطريقة التي ننظم بها حياتنا الاجتماعية على بيولوجيا أجسامنا وكوكبنا. هذه هي النقطة التحليلية المركزية في علم اجتماع الصحة والأمراض. عندما نفرط في استخدام المضادات الحيوية أو نسيء استخدامها؛ فإننا بذلك نفقد مناعتنا ضد الأمراض المعدية. عندما نقوم بقطع الغابات والقضاء على الحياة البرية الطبيعية؛ فإننا ندمر النظم البيئية المستقرة. وعندما نضع الحيوانات والبشر على اتصال أوثق مما كانوا عليه من قبل؛ فإننا نزيد من احتمالية مشاركتهم للأمراض. عندما تحولت الحياة بعيدًا عن الحياة التقليدية التي اعتمدت على التوازن بين الزراعة والصناعة، وعندما دمرنا الوسائل التقليدية في الحصول على الغذاء والتي كانت تتنوع بين محلات البقالة ومنافذ البيع في المصانع والأسواق المفتوحة، وتحول ذلك إلى نمط واحد لمحلات نحشد الناس معًا فيها؛ فإننا بكل تأكيد أثَّرنا سلبًا على جهازهم المناعي، وزدنا من احتمالية انتقال الأمراض. وعندما نتنقل حول العالم لنتأكد من دوران عجلة مصانعنا واستمرار تصنيع المنتجات وبيعها، فإننا نحمل الأمراض معنا. وإذا سافرنا إلى بلدان تفتقر إلى أنظمة رعاية صحية ملائمة؛ فإن أفقر الناس في تلك البلدان سيعانون أكثر، لأنهم سيكونون الأكثر عرضة للإصابة بالمرض وأقلهم قدرة على الحصول على العلاج.

اقرأ أيضًا: جائحات الكوليرا.. تاريخ أسود يأبى الانقطاع

المنظومة الصحية الأمريكية مهترئة

لدى الولايات المتحدة نظام رعاية صحي ربحي، وغير موحد بين الولايات المختلفة، ولا تحتل الصحة العامة فيه الأولوية. هذا النقص في التنظيم يجعل من الصعب للغاية على الولايات المتحدة أن تكون لديها خطة فريدة وفعالة للتعامل مع الأمراض الجديدة شديدة العدوى. نحن الأكثر عرضة من جميع الدول ذات الدخل المرتفع لأن تدمرنا جائحة عالمية. رغم مواردنا الاقتصادية الوفيرة؛ فإننا نفتقر إلى نظام صحي قادر على حمايتنا من أي مرض مُعدٍ جديد.

القياس الحراري للكشف عن “كورونا”- “أ ب”

لقد هيَّأت الرأسمالية العالمية الظروف لأن يتحول فيروس كورونا إلى وباء عالمي، وتحولنا نتاج ذلك إلى التعلم عن بُعد. لقد درست على مدى 20 عامًا مضت إمكانية حدوث مثل هذه الجائحة. لقد تزامن تصاعد وتيرة التهديدات المتمثلة في الأمراض المعدية مع وحشية السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي أنهت 40 عامًا من السياسة المجتمعية المركزية في الولايات المتحدة، والقضاء على فكرة الحكومة نفسها التي من المفترض أن تعمل لصالح الرفاه الاجتماعي لكل المواطنين.

أسأل نفسي الآن: هل هذا هو الغرض من علم الاجتماع؟ أن نفكر في عالم ما بعد الوباء؟

المصدر: موقع ميديوم

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة