اسرائيلياتالواجهة الرئيسيةترجماتفلسطينيات

هل نجحت قوة إسرائيل الناعمة في تحسين صورتها دوليًا؟

بقلم أستاذ علوم الصراعات والسلام في جامعة سيدني د. بول دويفل في مجلة "ذي كونفرزيشن" الأسترالية

ترجمة كيو بوست –

سعت إسرائيل منذ عقود إلى تحقيق نجاحات في العلاقات العامة، بغرض تحسين صورتها المشوهة دوليًا جراء ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني. وقد اعتقدت إسرائيل لوهلة أن دبلوماسيتها العامة نجحت في جذب تعاطف الشعوب الغربية معها، في الوقت الذي اعترفت فيه واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي الوقت الذي حازت فيه المغنية الإسرائيلية نيتا بارزيلاي على جائزة “يوروفيجن” 2018 الدولية في لشبونة.

ولكن، سرعان ما تبدد شعور الإسرائيليين بهذه “النجاحات”، مع تزامن الأحداث على حدود إسرائيل مع غزة، حيث قتل الجنود الإسرائيليون أكثر من ستين فلسطينيًا. فعندما نتحدث عن الدبلوماسية العامة، أو القوة الناعمة، فإننا نتحدث عن قدرة الدولة على مخاطبة الشعوب الأخرى، وليس الحكومات الأخرى، نتحدث عن قدرتها على جذب وإقناع الناس العاديين بأهمية سياساتها المتبعة، حتى وإن كانت مجحفة بشكل أو بآخر، وليس عن قدرتها على إقناع حكومات باتخاذ قرارات سياسية بحتة، منفصلة عن رغبة شعوبها.

اقرأ أيضًا: كيف عمل الإعلام الأمريكي على تبييض مجزرة غزة؟

كانت الردود الدولية على مقتل الفلسطينيين في غزة شرسة جدًا، إذ أدان كبار مسؤولي الأمم المتحدة والدول الغربية “الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان”، وخرجت مظاهرات عبر العالم أدانت تلك “الفظاعة”، حتى أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أشارت إلى “العنف الإسرائيلي” الممارس ضد الفلسطينيين. وحينها، اختفى حديث الصحافة الدوليةً بشكل نهائي حول حصول المغنية نيتا بارزيلاي على جائزة “يوروفيجن” الدولية. تلك الإدانات الدولية لـ”العنف” الإسرائيلي شكلت صدمة حادة لإستراتيجية إسرائيلية مكثفة وطويلة المدى، طالما هدفت إلى تحسين صورتها على الساحة الدولية.

 

استخدام الموسيقيين كأدوات للقوة الناعمة

أطلقت الحكومة الإسرائيلية عام 2005 حملة “Brand Israel”، وضخت عليها أموالًا طائلة بهدف تحسين قوة إسرائيل الناعمة، من أجل إظهار البلاد بمظهر جذاب في أعين الجماهير الغربية، من منظور السياحة والثقافة والاستثمار الأجنبي. ولكن ردود الفعل الغربية الأخيرة تظهر “خيبة” إسرائيلية في تغيير الرأي العام الخارجي.

وفي أعقاب حرب غزة عام 2009، أعلنت إسرائيل عن خطة مكثفة لإرسال روائيين وفنانين ومطربين وممثلين ومتخصصين في الإنتاج المسرحي إلى الخارج، بمهمة “إظهار وجه إسرائيل الأجمل”، وعدم “ارتباط البلاد في سياق الحروب” فحسب. إلا أن نائب مدير الشؤون الثقافية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، آري ميكيل، عبّر عن خيبة أمله إزاء عدم تحقيق نجاحات ملموسة.

وبعد ذلك، شرعت الحكومة في تمويل فنانين جدد، وأجبرتهم على التوقيع على وثائق “التعهد بالولاء”، لتعزيز “مصالح دولة إسرائيل السياسية عبر الفن والثقافة، والمساهمة في خلق صورة إيجابية عن البلاد”.

علاوة على ذلك، نشطت الحكومة في نشر سلسلة من كتيبات إرشادية في العلاقات العامة، من تأليف متخصصين في العلاقات الدولية، وخبراء موالين لإسرائيل، حثوا فيها على مواصلة استخدام “الثقافة” كأداة لتسويق البلاد، باعتبارها الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق صورة إيجابية. ومن أبرز مؤلفي تلك الكتيبات، الطبيب النفسي الأمريكي المتخصص في إجراء استطلاعات سياسية، د. فرانك لونتز.

اقرأ أيضًا: هل تتحرك الأمم المتحدة من أجل مذبحة فلسطينيي غزة؟

وبتكليف من الحكومة الإسرائيلية، طوّر د. لونتز حملة علاقات عامة ذكية، استعملتها إسرائيل في ترويج أسماء فنانين كبار ممن أدّوا أدوارًا في إسرائيل، مثل الممثلة الأمريكية أليشيا كيز، وفرقة راديوهيد الغنائية البريطانية.

كما أطلقت إسرائيل بشكل متزامن “جماعة ضغط ترفيهية”، مكلفة بمهمة الضغط على فنانين غربيين لأداء أعمال في إسرائيل، وتجاهل دعوات المقاطعة الشعبية عبر العالم. وقد نجحت تلك الجماعة في إقناع عدد قليل من الفنانين، مثل المطرب البريطاني رينغو ستار، الذي أعلن عن حفل موسيقي في تل أبيب في شهر يونيو/حزيران المنصرم. وحينها، احتفلت المنظمات الموالية لإسرائيل بذلك، واعتبرته “نصرًا” كبيرًا. ولكن، ما الذي حصل بعد ذلك؟

 

فنانون يصدّون التأثير الإسرائيلي

برغم تلك الجهود الحثيثة، قرر عدد كبير من الموسيقيين والمطربين والممثلين البارزين عدم الأداء في إسرائيل أو حتى زيارة البلاد. من بين هؤلاء، البريطاني ألفيس كوستيلو، والأمريكية لورين هيل، وفرقة يو تو البولندية، والآيلسندي بي جورك، والفرنسي جين لوس غودارد، والأمريكي سنوب دوغ، والفرنسية فانيسا برادايس.

وفي ديسمبر/كانون الأول، ألغت المغنية النيوزلندية الشهيرة لورد حفلًا موسيقيًا في تل أبيب. وحينها، عبّر مائة من الكتاب والممثلين والموسيقيين الغربيين عن دعمهم لقرارها عبر رسالة مفتوحة. وقد حققت هذه الخطوة تغطية إعلامية مكثفة، مما دفع نواب موالين لإسرائيل في الكونغرس الأمريكي إلى محاولة حظر حفلاتها في ولاية فلوريدا، لكن دون جدوى.

وردًا على الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على حدود غزة، رفضت الممثلة الإسرائيلية – الأمريكية ناتالي بورتمان قبول جائزة مرموقة مقدّمة من بنيامين نتنياهو شخصيًا. وأوضحت في بيان لها أنها “لا تريد الظهور بمظهر المؤيد لسياسة نتنياهو، التي تمارس فظائع ضد شعب أعزل، بشكل لا يتماشى مع القيم اليهودية”. كان ذلك بمثابة تطور كبير من قبل ممثلة اعتادت على تأييد السياسة الإسرائيلية في السابق.

اقرأ أيضًا: النكبة الفلسطينية: كل ما تريد معرفته عن جرح فلسطين

أما المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، فقد أبدى انتقادات واسعة ضد إسرائيل، فسارعت الحكومة الإسرائيلية إلى توزيع وثيقة –جرى تسريبها فيما بعد– موجهة للدبلوماسيين الإسرائيليين حول كيفية التعامل مع الانتقادات الدولية المتزايدة، تحتوي على عشر نقاط، من بينها اتهام حماس بالوقوف وراء المظاهرات، وتسلل متظاهرين مسلحين عبر السياج، لكنها لم تنجح على الإطلاق.

وعلى ضوء ما سبق، من الواضح أن القوة الإسرائيلية الناعمة قد فشلت، وأن الفنانين الغربيين يرفضون التحوّل إلى أدوات علاقة عامة في يد إسرائيل، ويرفضون الإسهام في اختلال توازن القوى الذي يشكل عقبة كبيرة أمام السلام.

 

مجلة “ذي كونفرزيشن” الأسترالية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة