الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

هل قطر مؤهلة لاستضافة مؤتمر دولي لحوار الأديان؟

السلطات القطرية اضطرت إلى تأجيل هذا المؤتمر بسبب الجائحة.. لكن ذلك لم يمنع المراقبين من التساؤل حول شرعية استضافة قطر مثل هذا النوع من المؤتمرات في ظل ثبوت دعمها للإرهاب

كيوبوست

قبل تفشي جائحة كورونا، التي فرضت على العديد من الدول إجراءاتٍ احترازية معقدة؛ كان أبرزها إلغاء العديد من الفعاليات والمؤتمرات، كانت قطر تستعد لاستضافة مؤتمر دولي في مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، تحت هدف معلن هو تناول القضايا المتعلقة بالتسامح الديني، ودور الأديان في إحلال السلام في العالم.

السلطات القطرية اضطرت إلى تأجيل هذا المؤتمر بسبب الجائحة؛ لكن ذلك لم يمنع المراقبين من التساؤل حول شرعية استضافة قطر مثل هذا النوع من المؤتمرات في ظل ثبوت دعمها للإرهاب استناداً إلى التقارير الدولية.

اقرأ أيضًا: قطر والإرهاب.. وجهات نظر غربية

غير أن الدوحة تسعى من خلال هذه المؤتمرات إلى تحقيق عددٍ من الأهداف؛ والتي يمكن توضيحها على النحو التالي:

1-التغطية على أدوارها في دعم الإرهاب: تعد قطر من الدول المتورطة في دعم التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط؛ خصوصاً تلك المرتبطة بـ”القاعدة” و”داعش”. وقد ظهر الدور القطري بجلاء في العديد من المواقف، كما في محاولتها الدؤوبة لدعم أجندة تنظيم “جبهة النصرة” في سوريا، عبر استضافة قيادييه من خلال قناتها الإعلامية “الجزيرة”، فضلاً عن الترويج للانفصال الوهمي ما بين “النصرة” و”القاعدة” في يونيو 2016، عبر تغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”؛ حيث استضافت “الجزيرة” زعيمَ التنظيم أبا محمد الجولاني، الذي أكد أن فك الارتباك جاء لسد ذرائع المجتمع الدولي؛ أي أنه ليس نابعاً من اقتناع أيديولوجي بكون “القاعدة” تنظيماً إرهابياً[1]، وقد سعتِ الدوحة إلى مناصرة هذه الخطوة والترويج لها إعلامياً؛ بهدف كسب دعم القوى الدولية المعنية بالأزمة السورية للتنظيم؛ باعتباره تنظيماً معتدلاً، وهو ما أخفقت فيه الدوحة؛ حيث أصرت واشنطن، وكبرى العواصم الأوروبية، على الاستمرار في تصنيف التنظيم كتنظيمٍ إرهابي؛ بسبب ارتباطه بـ”القاعدة”، حيث أكد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، أن “جبهة النصرة ما هي إلا تنظيم القاعدة، ولن يؤدي أي تغيير في اسم الجبهة إلى إخفاء حقيقة (النصرة)، وما تحاول فعله”[2].

عناصر تنظيم داعش الإرهابي – أرشيف

ومن الثابت أن التنظيمات الإرهابية التابعة لـ”القاعدة” و”داعش” قامت منذ اندلاع الأزمة السورية في 2011، بمصادرة أملاك المسيحيين، وقتلهم تحت زعم ولائهم للحكومة السورية[3]، فضلاً عن تدمير دور العبادة الخاصة بهم[4]؛ وهو ما دفعهم إلى النزوح داخلياً، أو اللجوء إلى الدول الغربية؛ ما أدى في النهاية إلى انخفاض أعداد المسيحيين الآشوريين في بعض القرى السورية من نحو 10 آلاف شخص إلى نحو 900 فقط؛ أي أن استضافة الدوحة مثل هذه المؤتمرات التي تحض على التسامح لا تتوافق مع سياستها الخارجية، والقائمة على مناصرة التنظيمات الإرهابية التي ارتكبت جرائم حرب بحق الأقليات الدينية في سوريا، وغيرها من المناطق.

ولذلك، فإنه لا يمكن اعتبار أن الهدف الحقيقي من المؤتمر هو نشر ثقافة التسامح؛ خصوصاً مع تمويلها ودعمها التنظيمات الإرهابية، بل هو محاولة تلميع صورة الدوحة إقليمياً ودولياً؛ للتغطية على جرائمها في دعم الإرهاب، خصوصاً بعدما اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قطر في عام 2017 علنًا بأنها “دولة قامت تاريخياً بتمويل الإرهاب على أعلى المستويات”[5]، وإذا كانت الاعتبارات الاستراتيجية قد دفعت ترامب إلى التراجع عن إدانة سلوكها، فإن قطر أدركت أن هناك حاجة إلى حملة علاقات عامة لغسل هذه الصورة السلبية التي ترسخت حول دعمها للإرهاب. ويبدو أن إحدى أدواتها في هذا الإطار، هي الترويج لمثل هذه المؤتمرات. ولعل ذلك ما عبر عنه الدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي، رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، والذي أكد أن “مؤتمر الدوحة لحوار الأديان أسهم في خلق صورة إيجابية لدولة قطر باعتبارها منصة للتسامح وقبول الآخر على مستوى العالم”[6].

اقرأ أيضًا: باحث فرنسي: نحتاج إلى صرامة أكبر لمتابعة المال القطري في الغرب

كما أن سياسات الدوحة لم تَحِد قط عن دعم التنظيمات الإرهابية، حتى بعدما قرر بعض الدول العربية مقاطعتها؛ بسبب تعمدها الإضرار بأمنه، فضلاً عن دعمها التنظيمات الإرهابية على نحو ما كشفت عنه صحيفة “النيويورك تايمز” الأمريكية، بتحريض قطر لحركة الشباب الصومالية؛ لاستهداف المصالح الإماراتية هناك في عام 2019[7].

2-التغطية على غياب التسامح الداخلي: تسعى قطر من خلال استضافة مثل هذه المؤتمرات إلى نقل انطباع بوجود تسامح بين المنتسبين إلى مختلف الأديان في قطر، ووجود حرية دينية في قطر. غير أنه في الواقع العملي، فإن القوانين القطرية تفرض قيوداً على أتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين؛ إذ يشير تقرير “الحرية الدينية”، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، إلى تقييد القانون القطري العبادة لأتباع الأديان من غير المسلمين. كما يحظر على الجماعات الدينية غير المسلمة عرض الرموز الدينية؛ بما في ذلك وضع الصلبان في الهواء الطلق بحيث تكون مرئية للعامة، كما أن تعليم الدين الإسلامي يُعد مادة إجبارية للطلبة المسلمين وغير المسلمين في المدارس الحكومية. وفي المقابل، فإن تعليم الديانات غير الإسلامية هو أمر محظور[8].

إرهابيو حركة الشباب الصومالية المتطرفة – أرشيف

3-تسييس المؤتمر لتصفية الحسابات: عمدت قطر دوماً إلى توظيف المحافل الدبلوماسية والأكاديمية كساحة للترويج لأكاذيبها، والزعم بأنها تتعرض إلى حصار جائر من جانب جيرانها؛ وذلك من أجل استجلاب التعاطف الدولي لها، وتصوير دول “الرباعية العربية” بأنها معتدية، وذلك على الرغم من سعيها إلى ردع قطر عن التمادي في سياساتها العدائية ضدها.

ولم يسلم مؤتمر الدوحة لحوار الأديان من التسييس. فعلى الرغم من ضرورة تركيز المؤتمر على تعزيز التسامح بين الأديان، وما يرتبط بذلك من قضايا؛ فإذا به تحوَّل إلى أداة للترويج لأكاذيب الدوحة، وهو ما وضح في افتتاحية المؤتمر في فبراير 2018، على سبيل المثال؛ إذ أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان بن سعد المريخي، في افتتاح المؤتمر، أن “قطر ستظل قِبلة للمؤتمرات الإقليمية والدولية رغم الحصار”، مضيفاً أنه “من المفارقات أن يُعقد هذا المؤتمر في قطر، وهي تعيش أجواء حصار فُرض عليها من أشقاء نتقاسم معهم الدين الواحد، والماضي والمصير المشترك؛ وهي أمور ضربت بها دول الحصار عرض الحائط، ظناً منها أنها بذلك ستجعل قطر ترضخ لشروط تتنافى مع حقوق الإنسان”[9]، وذلك على الرغم من أن المقاطعة العربية لقطر لا يمكن أن تتم مناقشتها في مؤتمر يتمثل هدفه المعلن في الترويج للتسامح الديني.

اقرأ أيضًا: ملف الاعتقالات السياسية في قطر يعود إلى الواجهة

4-منافسة الإمارات: تسعى قطر للترويج لنفسها باعتبارها منارةً للاعتدال دون سند من فعل يؤهلها لادعاء ذلك، ومنافسة الجهود الإماراتية الدؤوبة لنشر الاعتدال في المنطقة. ويلاحظ في هذا الإطار أنه إذا كانت الإمارات تهتم باستضافة المبادرات التي تشجع على حوار الأديان، ونشر ثقافة التسامح والاعتدال، ومحاربة الفكر المتطرف؛ فإن هذه الإجراءات تتسق مع توجهاتها الرامية إلى القضاء على التنظيمات الإرهابية، وذلك عبر محاربة الحاضنة الفكرية التي تؤهل هذه الجماعات للنمو والازدهار عبر تجنيد الأفراد ممن يتبنون الفكر المتطرف.

اقرأ أيضًا: مبادرة إنسانية إماراتية على أعتاب نظام عالمي جديد

وعلى النقيض من ذلك، فإن سياسة قطر تحرِّض على دعم مختلف التنظيمات الإرهابية؛ في مسعى منها لدعم نفوذها الإقليمي عبر إيصال هذه الجماعات إلى السلطة، على غرار محاولتها الفاشلة في كل من سوريا وليبيا. ولذلك فإن محاولة تشجيع الاعتدال تتناقض مع الخطوط العامة للسياسة القطرية التي تستند إلى دعم التنظيمات الإرهابية.

ويتضح من العرض السابق أن السياسة القطرية تهدف إلى توظيف المنتديات الفكرية التي تروِّج للاعتدال والتسامح؛ بهدف التغطية على جرائمها الممثلة في دعم التنظيمات الإرهابية، وما تسببت فيه من جرائم بحق البشرية، فضلاً عن الترويج لتعرضها إلى اضطهاد غير مبرر من جيرانها، بخلاف الواقع، ومحاولة التغطية على ممارساتها الداخلية التي تنتهك الحرية الدينية، بالإضافة إلى منافسة الدور الريادي لدولة الإمارات في مكافحة الفكر المتطرف. ولا يتوقع أن تنجح الدوحة في أيٍّ من أهدافها، بالنظر إلى التناقض الصارخ بين سياستَيْها المعلنة والفعلية.

المراجع:

[1] https://bit.ly/32McfpQ

[2] https://bit.ly/2ToR0aN

[3] https://bit.ly/3au2PCi

[4] https://nyti.ms/2TDhjJ0

[5] https://bit.ly/39o77L1

[6] https://bit.ly/3cu45Hf

[7] https://bit.ly/3autdvN

[8] https://bit.ly/2wqCt5g

[9] https://bit.ly/3cEee4i

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة