الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

هل قام أسلافنا الأوائل بغلي طعامهم في الينابيع الساخنة؟

كيوبوست – ترجمات

جينيفر تشو♦

اكتُشف بعض أقدم رفات أسلاف البشر الأوائل في مضيق أولدوفاي؛ وهو وادٍ متصدع يقع في شمال تنزانيا، حيث اكتشف علماء الأنثروبولوجيا أحافير للإنسان الأول كانت موجودة قبل 1,8 مليون سنة. وقد احتفظت المنطقة بالعديد من الحفريات والأدوات الحجرية؛ مما يشير إلى أن البشر الأوائل قد استقروا ومارسوا الصيد هناك.

والآن، اكتشف فريق يقوده باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة الكالا في إسبانيا، أدلة على أن الينابيع الساخنة ربما كانت موجودة في مضيق أولدوفاي في ذلك الوقت، بالقرب من المواقع الأثرية للبشر الأوائل. ويثير قُرب هذه الميزات الحرارية المائية احتمالية أن البشر الأوائل قد استخدموا الينابيع الحارة كمورد للطهي، على سبيل المثال لغلي ذبائحهم الطازجة، قبل فترة طويلة من استخدام البشر النار كمصدر مُتحكم به للطهي.

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

ويقول روجر سومونز؛ أستاذ علم الأحياء الجيولوجية في قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “على حد علمنا، فإن هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها الباحثون أدلة ملموسة على احتمال استخدام الناس البيئات المائية الحرارية كمورد؛ حيث كانت الحيوانات تتجمع، وتتوفر إمكانية الطهي”.

ونشر سومونز وزملاؤه النتائج التي توصلوا إليها في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم. وكانت المؤلفة الأساسية للدراسة هي آينارا سيستياغا؛ وهي زميلة مجموعة ماري سكلودوسكا كوري البحثية، ومقرها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كوبنهاجن. ويضم الفريق فاطمة حسين؛ وهي طالبة دراسات عليا في قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب، إلى جانب علماء الآثار والجيولوجيا والكيمياء الجيولوجية من جامعة الكالا، وجامعة دار السلام في تنزانيا، وجامعة ولاية بنسلفانيا.

آينارا سيستياغا خلال عملية التنقيب عن الرفات في وادي أولدوفاي- موقع “فيزكس نيوز”

وفي عام 2016 انضمت سيستياغا إلى بعثة استكشافية أثرية في مضيق أولدوفاي؛ حيث كان الباحثون في مشروع أولدوفاي للأنثروبولوجيا القديمة والإيكولوجيا القديمة يقومون بجمع الرواسب من طبقة صخرية مكشوفة طولها 3 كيلومترات، والتي ترسبت قبل نحو 1,7 مليون سنة. وكانت هذه الطبقة الجيولوجية مذهلة؛ لأن تكوينها الرملي كان مختلفاً بشكل ملحوظ عن الطبقة الطينية الداكنة الموجودة أسفلها مباشرة، والتي ترسبت قبل 1,8 مليون سنة.

تقول سيستياغا، التي كانت قد خططت في الأصل لتحليل الرواسب لمعرفة كيفية تغير المعالم الطبيعية استجابة للمناخ وكيف يمكن أن تكون هذه التغيرات قد أثرت على الطريقة التي عاش بها البشر الأوائل في المنطقة: “كان هناك شيء ما يتغيَّر في البيئة؛ لذلك أردنا أن نفهم ما حدث وكيف أثَّر ذلك على البشر”.

اقرأ أيضاً: غير مألوف.. هذا ما يبحثه العلماء لتبريد وجه الأرض

ويُعتقد أن شرق إفريقيا قد شهدت منذ نحو 1,7 مليون عام عملية جفاف تدريجي؛ حيث انتقلت من مناخ أكثر رطوبة ومليء بالأشجار إلى منطقة أكثر جفافاً وعشبية. وجلبت سيستياغا الصخور الرملية التي تم جمعها من طبقة مضيق أولدوفاي، وبدأت في تحليلها في مختبر سومونز؛ بحثاً عن علاماتٍ لدهون معينة، والتي يمكن أن تحتوي على بقايا شموع الأوراق؛ مما يوفر أدلة على نوع الغطاء النباتي الموجود في ذلك الوقت.

علامة واضحة

عثرت سيستياغا داخل الرواسب التي أعادتها على دهون بدت مختلفة تماماً عن الدهون المشتقة من النباتات التي كانت تعرفها. وأخذت البيانات إلى سومونز، الذي أدرك أنها متطابقة بشكلٍ وثيق مع الدهون التي تنتجها مجموعات محددة من البكتيريا وليس النباتات، والتي كان قد عمل عليها هو وزملاؤه، في سياق مختلف تماماً، قبل ما يقرب من عشرين عاماً.

فريق البحث خلال العمل في تنزانيا- موقع “فيزكس نيوز”

وكانتِ الدهون التي استخلصتها سيستياغا من الرواسب التي ترسَّبت قبل 1,7 مليون سنة في تنزانيا، هي الدهون نفسها التي تنتجها بكتيريا حديثة درسها سومونز وزملاؤه سابقاً في الينابيع الساخنة في حديقة يلوستون الوطنية في الولايات المتحدة؛ وهي نوع واحد ومحدد من بكتيريا، والمسماة ثيرموكونيس روبر؛ وهي كائن حي حراري ينمو فقط في المياه شديدة الحرارة، مثل تلك الموجودة في قنوات تدفق الينابيع الساخنة المغلية.

اقرأ أيضاً: العالم تحت الخطر.. بماذا تنبئ درجات الحرارة في قادم السنين؟

ويبدو أن البكتيريا المحبة للحرارة المشابهة لتلك التي عمل عليها سومونز منذ أكثر من 20 عاماً في يلوستون، ربما عاشت أيضاً في مضيق أولدوفاي منذ 1,7 مليون عام. وبالتبعية، يقترح الفريق أن ميزات درجات الحرارة المرتفعة؛ مثل الينابيع الساخنة والمياه الحرارية المائية، كانت موجودة أيضاً.

تقول سيستياغا: “مع كل هذا النشاط التكتوني لسطح الأرض يمكن أن يكون هناك قذف للسوائل الحرارية المائية”؛ ما يعكس أن مضيق أولدوفاي هو منطقة تكتونية نشطة جيولوجياً أدَّت إلى تقلب البراكين على مدى ملايين السنين، وهو النشاط الذي يمكن أن يؤدي أيضاً إلى غليان المياه الجوفية لتشكيل ينابيع ساخنة على السطح. فالمنطقة التي جمع فيها الفريق الرواسب متاخمة لمواقع التجمعات البشرية القديمة والتي تحتوي على أدوات حجرية إلى جانب عظام الحيوانات. لذلك من المحتمل أن الينابيع الساخنة القريبة قد مكَّنت الإنسان الأول من طهي الطعام؛ مثل اللحوم وبعض الدرنات والجذور الصلبة.

آينارا سيستياغا في المعمل خلال تحليل العناصر التي تم العثور عليها

ويقول ريتشارد بانكوست؛ أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة بريستول، والذي لم يكن مشاركاً في الدراسة: “إن التحليلات الشاملة التي أجراها الباحثون ترسم صورة حية للنظام البيئي والمعالم الطبيعية القديمة في مضيق أولدوفاي؛ بما في ذلك أول دليل دامغ على الينابيع الحرارية المائية القديمة. وهذا يقدم فرضية رائعة أن مثل هذه الينابيع قد استخدمها الإنسان الأول لطهي الطعام”.

ولا يزال السؤال مطروحاً عن كيفية طبخ البشر الأوائل بواسطة الينابيع الساخنة على وجه التحديد. فقد كان من الممكن أن يذبحوا الحيوانات ويغمسوا اللحم في الينابيع الساخنة لجعلها مستساغة بشكل أكبر. وعلى نحو مماثل، يمكن أن يكون لديهم جذور ودرنيات مسلوقة؛ مثل طهي البطاطس النيئة، لجعلها سهلة الهضم.

اقرأ أيضاً: هل يؤثر مكان السكن على صحة دماغ الإنسان؟ هذا ما كشفته دراسة حديثة

وفي حين أنه لا توجد حالياً طريقة للتأكد مما إذا كان البشر الأوائل قد استخدموا بالفعل الينابيع الساخنة لطهي الطعام؛ فإن الفريق يخطط للبحث عن الدهون المماثلة، وعلامات لوجود خزانات مائية حرارية في طبقات ومواقع أخرى في جميع أنحاء مضيق أولدوفاي، وكذلك بالقرب من مواقع أخرى في العالم؛ حيث تم العثور على مستوطنات بشرية.

تقول سيستياغا: “يمكننا أن نثبت في مواقع أخرى أن الينابيع الساخنة ربما كانت موجودة؛ لكننا ما زلنا نفتقر إلى أدلة على كيفية تفاعل البشر معها. فهذه مسألة سلوك، وفهم سلوك الأنواع المنقرضة منذ ما يقرب من مليونَي سنة أمر صعب للغاية. وآمل أن نجد أدلة أخرى تدعم على الأقل وجود هذا المورد في مواقع مهمة أخرى للتطور البشري”.

المصدر: فيزيكس نيوز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات