الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

هل فكرت يوماً لماذا يكره المتشددون – “نجوم كرة القدم”؟

للأمر أبعاد نفسية وعقائدية تعرف عليها

خاص- كيوبوست- وسط مدينة الموصل المهدمة، وعلى ملعب مهمل، أُقيمت أول مباراة لكرة القدم في أغسطس الماضي، منذ منع ممارسة هذه اللعبة الجماهيرية لمدة ثلاث سنوات، سيطر فيها تنظيم داعش على المدينة وحرم سكانها من ممارسة اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

إعادة إحياء اللعبة بعد انقطاع طويل، رافقه طقوس رمزية أخرى مارسها السكان، مثل خلع النساء للنقاب المفروض عليهن. وذهاب الرجال إلى الحلاقين، لحلق لحاهم كما يحبون، وليس بما يتلاءم مع قناعات تنظيم داعش.

بالإضافة لمنع ممارسة اللعبة، فإن متابعهتا من على شاشة التلفاز، في الموصل التي سيطر عليها “داعش” كانت من المحرمات، واستوجبت إقامة الحد على المتابعين، فقد نفذ التنظيم الشرعي حكم الإعدام على 13 طفلًا كانوا يتابعون مباراة العراق والأردن.

 

وعلى الرغم من أن بعض المنتمين لداعش كانوا من لاعبي كرة القدم، وبعد سفرهم لمناطق داعش، وانضمامهم إليه، اعتزلوا اللعب، وبرز من بين لاعبي كرة القدم “الدواعش” لاعب آرسنال السابق” سيلسو دا كوستا” البرتغالي، الذي انتقل إلى القتال في سوريا وأطلق على نفسه اسم “أبو عيسى الأندلسي”، كتب بحسب “العربية نت” في إحدى تغريداته قائلًا: “الحمد لله ستكون التمريرات البينية وركلات الترجيح بل وحتى الركنيات برؤوس المرتدين وضربات الجزاء برؤوس الصحوات”.

 

ظهرت بعدها صور لعناصر التنظيم وهم يركلون بأقدامهم، رؤوس من أسموهم بالمرتدين، ورافقتها فتاوي تحرّم ممارسة اللعبة باعتبارها:”لهوًا مضراً بروح الجهاد”. مما استوجب اللجنة الشرعية لداعش في مدينة الرقة بتفيذ قطع رؤوس 4 من فريق كرة القدم في المدينة السورية، أمام حشد من المواطنين، أجبرهم التنظيم على التجمع وسط المدينة لمشاهدة عمليات الإعدام.

استكمل التنظيم بث كرهه للعبة كرة القدم حتى بعد انهيار حواضنه في المدن التي سيطر عليها، فقد قام مؤخرًا بنشر صور احترافية على مواقعه الإلكترونية، تتوعد لاعبي كرة القدم المشاركين في مونديال 2018 المنتظر إقامته في روسيا، تحت عنوان “قادمون يا روسيا”، معطياً الأوامر لخلاياه بشن عمليات إرهابية أثناء المونديال. وأظهرت الصور نجوم الكرة العالميين، والاكثر شعبية بين جماهير الكرة، مثل ميسي ونيمار ورونالدو.

 

الخلفيات العقائدية لكره اللعبة لدى المتطرفين

نشرت الواجهات الإعلامية لتنظيم داعش صوراً من أرض الواقع، لعناصرها وهم يمارسون لعبة كرة القدم، ولكن بإسلوب غير مألوف في الملاعب، حيث اقتصر لعبهم للكرة على ركلها وتمريرها لبعضهم البعض، فيما لم يسجّل أنهم لعبوا كفريقين داخل ملعب قانوني، فملاعب كرة القدم في مدن الرقّة والموصل، حولوها إلى مقرات للتدريب العسكري، مارسوا فيها رياضتهم الخاصة، الحريصين طوال الوقت على مزاولتها، فقد اهتم عناصره منذ البدء بإظهار قوتهم البدنية، ونشر فيديوهات مصورة تفاخروا فيها بقوة عضلاتهم وبنيتهم الجسمانية.

 

 

إلا أن كرههم للعبة بحسب كتاب صدر عن “مكتب البحوث والدراسات”، وهو أحد المكاتب الرسمية التابعة لتنظيم داعش، “القطاع الشرعي”، بعنوان “مداد القلم فى حكم لاعبي كرة القدم” ناقشه الباحث في شؤون الإرهاب “ماهر فرغلي”، يؤصّل  الكتاب لفكرة أن اللاعبين “كفار”، لقبولهم اللعب والمشاركة في مسابقات ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، وذلك لأن القوانين التي تحكم الاتحاد وضعها أشخاص غير مسلمين، وهو ما يسمى شرعاً “تحاكماً إلى الطاغوت”.

وهو ذات الحكم الذي يستخدمه المتطرفون في توصيفاتهم السياسية؛ فمشاهدة عناصر التنظيم وهم يركلون كرة القدم، من دون قوانين، يعني حسب اعتقادهم، خروجاً على الطاغوت، واحتكام إلى الله! لأن اللعبة “تحاكم إلى غير ما أنزل الله” عبر إلزام اللاعبين بقوانين محددة فرضت عليهم من بلاد الكفار. كما أن قوانين كرة القدم المتعلقة بالجزاءات التى تستحق البطاقات الصفراء أو الحمراء، تعد بأنها”أصل الكفر” لأنها عطلت “الحدود الشرعية” الواجب على المسلم اتباعها، لأنها تعتمد على حكم “بشري”، “وضعي”، يكون له السلطة المطلقة فى إدارة المباريات، بالإضافة إلى قيام اللاعبين بتحية العلم وترديد النشيد الوطني وهو ما يعد كفرًا عند التنظيم.

واعتبر الكاتب “المجهول” أن لعبة كره القدم هي “إحدى برتوكولات حكماء صهيون”، والتي تستخدم آداة لإلهاء الشعوب ومن ثم غزوها عسكرياً!

الأبعاد النفسية لكره كرة القدم

بعيداً عن “المحاذير الشرعية” التي يسوقها التنظيم المتطرف، إلّا أن الأبعاد النفسية تبدوا هي السائدة في الموانع التي يحاول الترويج لها، فالتنظيم مصاب بهوس الحاكمية، وهو يحاول ربط اللعبة الشعبية برؤيته السياسية، والانطلاق من مفهوم الخلافة والإمامة، والخروج على الطاغوط و”لا ولاية لغير المسلم”، وهي أسهل القواعد لإحكام السيطرة على أشد خصوصيات السكان، والتحكم بهم، وتحويلهم إلى أتباع مؤمنين، مغسولة أدمغتهم لا يتصرفون سوى من منطلق ما يمليه عليهم “أمير التنظيم” وأحكام الإمام. وكثرة تلك الموانع كالتصفيق والاختلاط الموجود على المدرجات. وجميعها مبررات استطاعوا فرضها بالقوة على منطاقهم، ولم يستطيعوا إقناع حواضرهم بها، فعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق التي سيطروا عليها، يجعل تلك المبررات الشرعية –من وجهة نظرهم- جميعها مضحكة لمن التزموا بها غصبًا في ظل حكم التنظيم. فعادت الكروت الصفراء والحمراء وصفارة الحكم إلى الملاعب المهملة.

عناصر داعش كما رأيناهم في الفيديو السابق، وهم يركلون كرة القدم، غير مقيدين بمساحة الملعب، وأعداد الفريق، وغياب الحكّام، وتقسيم الملعب؛ انعكاس للصورة الذهنية التي مارسوا بها السياسة منذ ظهورهم، باعتبارها نوع من الفوضى، متحررة من كل القيود القانونية، وغير الخاضعة لرؤية الجماهير.

فالجماهير بالنسبة لأحكام التنظيم، ما هم إلا رعايا خاضعين، تمارس ضدهم كل إجراءات المنع، من طول اللحية، إلى طول السروال. مع محاولة ربط كل تلك الحدود، بتوصيفات عن استقلال “الهوية” الإسلامية، وعدم خضوعها للطاغوت! مع إضافات من نظرية المؤامرة.

من دون محاولة بذل أي جهد نظري، لتوضيح كيف يمارس الغرب المؤامرة ضد نفسه، حيث أصبحت كرة القدم الشعبية موضوعًا اقتصادياً وترفيهياً، من المستحيل تجاوزه، سواء في السوق أو في ساحات اللعب.

المتطرفون يكرهون سواهم من النجوم

لا توجد إحصاءات عن حجم ما صرفه داعش على الميديا، ولكن لفترة وجيزة كان هو السبّاق في الترويج لخطابه الإعلامي، فأسس مجلات بلغات شتى، ونشر الفيديوهات باحترافية قل نظيرها، جعلت من عناصره نجومًا جاذبين، ومحط أنظار المراهقين والمراهقات، اللواتي غادرن بلدانهن، ورغد الحياة فيها، للالتحاق بعشاقهن الدواعش في مناطق الحرب، في مخاطرة قل أن تحدث.

اعتمدت داعش على نجومها في استقطاب أنصار جدد، وذلك عملت على الترويج لبعض عناصرها، وتحويلهم إلى نجوم، مثل الهالة التي رسمها التنظيم حول جون الجهادي الشهير بـ”ذباح داعش”، والترويج له كنموذج للرجل المثالي الخارق، ليصبح مع تكرار عرض نشاطاته.. قدوة للشباب في أنحاء العالم. وقد يحتاج الأمر لتغيير اسم الإرهابي، إلى كنية أكثر جاذبية وشمولًا، أي تدويله وعولمته: المصري، الليبي، الشامي، الشيشاني، الأندلسي…

وهي الصورة ذاتها التي صنعها أسامة بن لادن عن نفسه، وتطمح جميع التنظيمات الإرهابية لها.

ولتصدير تلك الصورة المتفردة، يستهدفون غيرهم من النجوم في شتى المجالات، ومن مختلف الأديان والجنسيات، بتكفيرهم وتهديدهم، أو بتلطيخ سمعتهم، لقطع الصلة بينهم وبين الجماهير..

مثلما حاولوا مع اللاعب المصري الذي تصدّر في الفترة الأخيرة هتافات الجماهير، محمد صلاح..

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة