الواجهة الرئيسيةملفات مميزة

هل عزمي بشارة 2007.. هو ذاته بعد 2011؟

عزمي بشارة: من "مقدمة لبيان ديمقراطي" وانتهاءً بنداءات الغزو العسكري

كتب: عنان العجاوي

في الفترة التي سبقتْ العام 2011، وقبل أحداث “الربيع”.. كان عزمي بشارة من المثقفين الذين رفضوا ونددوا بالتدخل العسكري الأجنبي لفرض الديمقراطية بالقوّة، بوصفه كاتبًا “عروبيًا”، يحمل هم التحرر والديمقراطية والاستقلال والوطني.

منطلقاً من مرونة أيديولوجية تقول “بعدم حتمية الديمقراطية”، على غرار مقولات مثقفين العالم الثالث، الذين سعوا لخلع الوصاية الغربية، القائلة أيضاً بعدم حتمية الرأسمالية، وعدم حتمية الشيوعية، وأي حتمية استشراقية أخرى، أُقيمت بأثر رجعي بعد أن وجدت مصادفة في ظروف ما، وانبهر الناس بها، ثم خرج بعد تكونها مثقفون وتبنوها بأثر رجعي بعدما علموا بأحداثها واستغربوا من نشوئها!

فقد أدان بشارة علانية مثل معظم المثقفين العرب، الاحتلال الأمريكي للعراق، وشكك في صدقية شعارات الديمقراطية التي رفعتها “العصابة” الأمريكية – كما أسماها-، وعبّر بشارة عن رؤيته تلك، في العام 2007 عندما أصدر كتاب “في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية. وقد ندد بشارة أولاً بالمثقفين الذي قالوا: “لن يتم التحول الديمقراطي في العراق، من دون تدخل أجنبي، وانه إذا فشلت الانظمة في المبادرة الى عملية الاصلاح، فلا بد من التغيير، ولو على ظهر دبابة اميركية”. صـ44

وبعد التشكيك بالدور الذي لعبه “مثقفون” دعوا وكتبوا للتدخل الأجنبي، عاد وشكك أيضًا في وطنية الذين جاءوا على الدبابة الأمريكية، لتسلُّم مقاليد الحكم، وهو ما أسماه بـ”ديمقراطية البوارج”، واتهم ما كان في ذات السياق المعارضة العراقية، ومسؤوليتها أولاً عن دمار العراق، وعن التفكيك الطائفي الذي أصاب العالم العربي منذ 2003 وإلى الآن. ولم يغمد بشارة بعد عقد من الغزو الأمريكي أصابع الاتهام الموجهة للمعارضة العراقية، الآتية على البوارج الأمريكية، وعاد ووصفهم في ندوة عقدت في الدوحة بعنوان “عشر سنوات على احتلال العراق” بأن الاحتلال الأجنبي الذي دمّر العراق قد ترك وراءه جريمة أكبر، وهي “تنصيب قيّمين للحفاظ على الدمار”.   شاهد ما يقول عزمي في الفيديو المرفق

وفي ذات الكتاب “في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي” يستمر بشارة في نقد فكرة استيراد الديمقراطية، مما يعمّق أزمة الشرعية في العالم العربي: “ففكرة استيراد الديمقراطية على أنقاض الشرعية الوطنية، وبصفقات تشمل إملاءات كولونيالية، ومراهنة على شخوص كانوا عناصر أساسية في النظام القديم، ثم انضموا للنظام الجديد، لتحقيق مصالحهم هي فكرة تنم عن أزمة أخلاقية، وليس عن إصلاح، وقد تأكد أنّ الإصلاح المتولد عن البوارج الاميركية واستدعائها، مجرد تعميق لأزمة الشرعية في الدول العربية”. صـ44

قام عزمي بربط مباشر بين الأزمة الأخلاقية ونتائجها المؤدية لتسليم الوطن للأجنبي، من أجل “انتهازية” شخصية، قد يمارسها المثقّف أو المعارض، في سياق تحوّل بعض عناصر النظام إلى معارضين أثناء السقوط. وهو ما عبّر عنه في ندوة لاحقة استعرضتها قناة الجزيرة؛ إن الديمقراطية المفروضة بالقوّة والعنف -كما في الحالة العراقية- جعلت الجماهير العربية تنفر منها:

فالتجربة الأمريكية عبر التدخل العسكري في العراق، وما رافقها من معارضين للنظام ومثقفين حاولوا شرعنة العدوان العسكري، يضعهم بشارة في سياق المتآمرين، ليس على أوطانهم فحسب، بل على الديمقراطية ذاتها، برغم أنهم رفعوا شعارها: “إن القوى التي تستعين بالأجنبي لقلب نظام الحكم تعمق من لا شرعية الدولة القُطرية، وتدق إسفينًا بين الدولة القُطرية والوطنية، وبين الديمقراطية والجماهير”. صـ44

وعلى الرغم من كل هجاءات بشارة للمثقف “العميل” للأجنبي، وربطه سابقاً بين الانتهازية الشخصية والاستعانة بالغرب لتدمير الوطن، إلّا انه وبعد 4 سنوات من صدور الكتاب، عاد لينقلب على ذاته، بعد انتقاله للإقامة الدائمة في دولة قطر، ورحّب بتدخل الناتو الأجنبي في ليبيا، وصمت عنه، بل وتباهى به؛ مستعملاً ذات الشعارات من الديمقراطية وحقوق الإنسان التي استعملها جورج بوش أثناء احتلال العراق، وقفز في انفصام واضح، عن المقولة التي استخدمها في كتابه :”الشرط الأول للديمقراطية، هو الوعاء الذي يحتويها”.صـ213

فما الفرق إذاً بين الوعاءين، وعاء البوارج الأمريكية لحكم العراق.. ووعاء قصف طائرات الناتو لليبيا؟ وما خلّفه تدخل الناتو في ليبيا من اقتتال داخلي مستمر منذ ست سنوات إلى الآن، انقسم فيه البلد قبليّاً وعشائرياً، مثلما انقسم العراق من قبل طائفياً وعرقياً، تصول وتجول فيهما العصابات التكفيرية، وما أسماهم عزمي ذاته بـ”القيّمين للحفاظ على الدمار” من أمراء الحرب.

هل عزمي بشارة 2007.. هو ذاته بعد 2011؟

الذي يقرأ كتاب “في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي” يكتشف كم الانفصام بين عزمي الكاتب، وعزمي المنظّر على الشاشة في أوقات الأزمات. أو الفرق المكاني بين عزمي بشارة المقيم في فلسطين، والمتحرر من أي ولاءات وعلاقات رسمية بأجندات الأنظمة، وعزمي في فترة ما بعد 2007 والتي انتقل خلالها للعيش في كنف نظام له خطته الخاصة، وذو تركيبة هي أبعد ما تكون عن التجربة الديمقراطية التي أبدع بشارة في الكتابة عنها. فالكتاب الصادر 2007، يطرح بالتفصيل ويحذّر المعارضة والمثقف العربي، من الشرخ الذي يصيب الشرعية الوطنيةفي حال الانتقال الدموي للسلطة، وأهمها ألّا تصبح دعوات استدخال الأجنبي بمثابة “إسفين يُدقّ بين الديمقراطية والجماهير”، إذا تجاوزتالمعارضة دورها في الإصلاح، إلى دور “المتعامل” مع القوى العسكرية الأجنبية. وهو الدور الذي انخرط به بشارة، لمّا نظّر وصمت عن تدخل الناتو في ليبيا، والثمن الذي تدفعه ليبيا اليوم جراء تلك الخطوة، حتى أصبحت “الديمقراطية” كلمة سيئة الصيت في الوطن العربي، مع استمرار محاولات فرضها بالقوّة العسكرية وبالتسليح الأجنبي، ومن ثم تحريض المعارضة لاستجلاب الناتو، متخلياً عن مرونته الأيديولوجية التي استبدلها مؤخراً بحتمية فرض “ديمقراطية البوارج”.. حتى لو كان الثمن تسليم الأوطان.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة