الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

هل شعرت نوال السعداوي بالحرية بعد هذه المسيرة النضالية الطويلة؟

كيوبوست – ترجمات

توفيت الكاتبة والنسوية المصرية الرائدة نوال السعداوي، عن عمر يناهز 90 عاماً، بعد مشوار حافل بالمعارك مع التقاليد منذ وقتٍ مبكر. فهي التي رفضت زواجاً في سن العاشرة ولجأت إلى تناول الباذنجان النيئ لتصبغ أسنانها، وتبدو قبيحة لتنجح في إفشال الزيجة المرتبة، والانتصار على والديها في أول معركة تمرد. وهي أيضاً مَن عاشت حياة مستقلة ومثيرة لجدالات كلفتها وظيفتها ودفعتها إلى السجن والمنفى.

تركت السعداوي أكثر من 50 كتاباً؛ أبرزها «الوجه العاري للمرأة» الصادر عام 1977، والذي يتناول التسلط المجتمعي والفقر وقمع المرأة العربية. وعلى الرغم من اتهام السعداوي بالتهجم على الإسلام في هذا الكتاب؛ فإنه في الحقيقة قد كُتب جزئياً كتصحيح لجهل الحركة النسوية الغربية بالعالم العربي، ويسلط الضوء على بعض الجوانب الإيجابية للدين في المجتمعات.

اقرأ أيضاً: رحيل نوال السعداوي.. رائدة الدفاع عن حقوق المرأة

فمن هي نوال السعداوي التي تتمتع قصتها بجودة ملحمية، كما لو كانت واحدة من بطلات الأفلام المصرية القديمة المبالغ فيها؟ ولدت السعداوي عام 1931، في قرية كفر طحلة، شمال القاهرة، وهي الثانية من بين تسعة أطفال في عائلة تصفها بأنها “معقدة” أكثر من المعتاد. تقول: “لقد تربيتُ في طبقتين مختلفتين: طبقة الفلاحين الفقراء التي جاء منها والدي المسؤول الحكومي، والطبقة البرجوازية العليا التي جاءت منها والدتي، التي ارتادت المدارس الفرنسية، وأرادت ركوب الخيل والعزف على البيانو”.

وتضيف: “جاء والدي من القرية؛ حيث كانت والدته تتضور جوعاً لتدفع تكاليف تعليمه، وكان تعليمه وطموحه هو ما مكنه من الزواج من أمي. وكان في الثلاثين من عمره، بينما كانت تبلغ خمسة عشر عاماً. وبالطبع، كان والدي يفضِّل أخي الأكبر الذي كان مدللاً، ودائماً ما يرسب، بينما كنت أنا جيدة في المدرسة؛ لذا بدأوا يدعمونني. وقد أرادوا أن يزوجوني عندما كنت في العاشرة من عمري؛ لكن عندما تمردتُ على ذلك، وقفت أمي معي ومنحتني الحافز”.

غلاف كتاب «بنت إيزيس»”- نيويورك تايمز”

كان حلمها الأول أن تصبح راقصة؛ فقد كانت تحب الموسيقى، وكانت جميلة؛ لكن والدها لم يستطع تحمل نفقات شراء بيانو، فحولت انتباهها بدلاً من ذلك إلى القراءة والكتابة. تقول: “كنت أكره الأطباء، ولم أكن أريد أن أكون واحدة منهم؛ لكنني كنت الأولى على صفي في المدرسة الثانوية، وهو ما يعني، بشكل شبه تلقائي، أنني سأدرس الطب. وحصلت على منحة دراسية”؛ حيث تخرجت في جامعة القاهرة عام 1955، وتخصصت في الطب النفسي، وعادت إلى كفر طحلة للعمل كطبيبة، ومع مرور السنين أصبحت بارزة بشكل متزايد.

وتعد رواية «المرأة عند نقطة الصفر» (1975) أشهر كتبها في الغرب؛ حيث تقدم من خلالها سرداً مرعباً لطفولة منتهكة واستغلال زوجي يؤدي إلى الدعارة. فقد تشكل فكر السعداوي من خلال الخبرة والتجربة؛ إذ لم تستطع أن تفهم لماذا تم مدحها حين تمكنت من إشعال موقد الكيروسين، بينما جرى تجاهل تفوقها الأكاديمي. وكذلك شعرت بالغبن حين قالت جدتها إن “كل ذكر يساوي 15 أنثى”؛ وتبع ذلك تعرضها إلى تجربة الختان في سن السادسة. بينما تفتح وعيها السياسي على يد أبيها الذي تعرض إلى النفي؛ بسبب مقاومة الاحتلال البريطاني.

الدكتورة نوال السعداوي بعد خروجها من السجن في الثمانينيات- “أسوشييتد برس”

وقد أدى انتقادها ختان الإناث في أول عمل غير روائي لها بعنوان «المرأة والجنس» (1969) إلى فقدانها منصب المدير العام للصحة العامة والأمين العام المساعد لنقابة الأطباء المصرية. وفي سبتمبر 1981 كانت واحدة من بين أكثر من 1000 ليبرالي جرى اعتقالهم بموجب قانونٍ جديد. تقول: “كان ذلك في السادس من سبتمبر عام 1981، كنت وحدي في شقتي القديمة في الجيزة، وكان الأطفال مع أبيهم في القرية. كنت أكتب رواية عندما سمعت طرقاً على الباب، ثم عبارة: (افتحي الباب! ألم تسمعي خطاب الرئيس الليلة الماضية؟ نحن الشرطة). ويبدو أن السادات أعلن أنه سيتم اعتقال ألف معارض، وأنه سيتم (سحقهم)”.

اقرأ أيضاً: كيف أسهمت الزراعة في تشكيل المجتمع الطبقي وهزيمة المرأة؟

وتستطرد السعداوي سردها لتلك المرحلة الصعبة، قائلة: “كنت مرعوبة، وقلبي ينبض بعنف؛ لكنني كنت عنيدة جداً، فسألتهم إذا كان لديهم أمر قضائي، وعندما أخبروني أنه ليس بحوزتهم، أجبتهم بأنني لا أستطيع فتح الباب؛ فاختفوا لنصف ساعة وارتديت حذائي، وأخذت مفتاحي وحقيبتي، وعندما عادوا حطموا الباب بعنف ودفعوني إلى الشارع، حيث كانت هناك 10 سيارات شرطة، ورأيت جيراني يختلسون النظر من وراء نوافذهم، وكانوا جميعهم خائفين للغاية”.

وكانت السعداوي تعتقد أنها مدرجة في القائمة السوداء منذ البداية؛ خصوصاً عندما أثار صدقها بشأن صحة الفلاحين كبار الشخصيات في اجتماع عقده الرئيس جمال عبد الناصر عام 1962، ثم في عهد أنور السادات.

غلاف كتاب «السير عبر النار» لنوال السعداوي- “أمازون”

تقول: “في السجن، تقاسمت زنزانة مع اثنتي عشرة امرأة أخرى؛ بعضهن ماركسيات، وبعضهن إسلاميات. كنّ يبكين ليلاً ونهاراً؛ لأنهن ظنن أن السادات سوف يقتلهن، لكنني كنت واثقة من نفسي، فكل صباح كنت أمارس التمارين الرياضية، وكنت أرقص، وأغني. وقد قامت إحدى المومسات، اللواتي حضرن مع سجانينا لإحضار فطورنا، بتهريب قلم كحل لي، وكتبت مذكراتي به على ورق التواليت”.

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية الإخواني يستهدف المرأة ويثير غضب التونسيين

وقد خرجت تلك الكتابات إلى العلن في كتاب «مذكرات من سجن النساء» عام 1983. كان لدى السعداوي شعور بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وهذا ما حدث؛ فقد اغتيل السادات ووجدت نفسها فجأة أمام الرئيس الجديد. تقول: “دعا مبارك البعض منا إلى قصره، اختار عشريناً؛ منهم امرأتان، كنت واحدة والأخرى امرأة متدينة. ظننت أنه سيتم نقلي إلى سجن آخر؛ إذ لم يخبروني أنني على وشك الإفراج. جلس معنا لمدة ساعتين، ثم أخبرنا أنه يمكننا العودة إلى المنزل”.

وفي بريطانيا، دعمت السعداوي إضراب عمال المناجم في عامَي 1984- 1985، وتظاهرت ضد تخفيض ميزانيات هيئة الصحة الوطنية، وزارت جرينهام كومون في بيركشاير. ولم يقتصر نضالها على حقوق المرأة والحقوق المدنية فقط؛ بل كان تحدي الإسلاموية أحد معاركها الساخنة.

السعداوي تتحدث خلال مؤتمر لمنظمة حقوق المرأة في المملكة المتحدة- “بودكاست أكاديمي”

ففي عام 1992، ظهر اسم نوال السعداوي على قائمة الموت الأصولية، ووفرت لها السلطات المصرية حراسة؛ لكنها قررت في يناير 1993 المغادرة. وأمضت الفترة التالية في تدريس الانشقاق والإبداع في جامعة ديوك بولاية نورث كارولينا، وكتابة مذكراتها المنشورة في مجلدين باللغة الإنجليزية بعناوين «ابنة إيزيس» (1999) و«السير عبر النار» (2002).

تقول: “انظروا إلى هؤلاء الفتيات اللواتي انضممن إلى داعش. هناك الكثير من البؤس بين الشباب. فهن لا يمكنهن الحصول على عمل، وهن فقراء وعاطلات؛ لكن تطرفهن بسبب الهراء الذي قرأوه عن الإسلام، وما إلى ذلك.. إنهم جاهلون، مغسولو الدماغ”.

اقرأ أيضاً: 4  مواضيع يخشى المجتمع الحديث حولها

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت تعتقد أن نسبة الختان قد انخفضت بعد تجريم الحكومة هذه الممارسة، قالت: “لا، لقد بقيت على حالها؛ لا يمكنك تغيير هذه العادة المتجذرة عن طريق تمرير قانون، أنت بحاجة إلى تعليم؛ فقد تم تمرير القانون لإرضاء الغرب، أرادوا تغطية هذا العار فقط، وليس القضاء على الممارسة نفسها. عليك أن تغير رأي الأمهات والآباء وحتى عقول الفتيات أنفسهن، اللائي تعرضن إلى غسيل دماغ لقبول ذلك”. 

السعداوي في ميدان التحرير خلال التظاهرات ضد نظام مبارك 2011- “أسوشييتد برس”

لكنها في الوقت نفسه أصرت على ضرورة تحلي الكاتب بالشجاعة الكافية لتغيير المواقف مع مرور الوقت، تقول: “قبل خمسين عاماً، عندما فتحت فمي بخصوص موضوع الختان، لم يكن بإمكانك التحدث من الأساس بعكس الآن؛ هناك رجال دين يتحدثون، ويقولون إنه ليس من الإسلام”. 

وأكدت السعداوي أن الأصولية الدينية آخذة في الارتفاع في جميع الأديان وفي كل مكان. كما أنها لا تؤمن تماماً بمزاعم التحرر الغربية والأمريكية، تقول: “المشكلة هي مفهومنا للحرية.. حرر نفسك قبل أن تحررني! هذه هي المشكلة؛ وقد كان عليَّ أن أتشاجر مع العديد من النسويات الأمريكيات -مثل غلوريا ستاينم، وروبن مورغان- لأنني لاحظت أن العديد منهن تعرضن إلى القمع من قِبل أزواجهن، ثم أتوا إلى هنا ليحرروني!”.

اقرأ أيضاً: جوجليحتفل بـهدى شعراوي“.. أن تكون معاناة الأنثى دافعًا لتحررها

وفي 2008، نجحت نوال السعداوي في دحض محاولة حرمانها من الجنسية المصرية وحظر كتاباتها. وفي عام 2009 أسست الفرع المصري لمنظمة التضامن العالمي من أجل المجتمع العلماني. وقامت الحركة بمحاربة ما وصفته بـ”التعصب الديني”؛ حيث طالبت الحكومة بإلغاء وضع الإسلام كدين للدولة، وإلغاء شرط إعلان الدين في بطاقات الهوية.

وفي عام 2010 صرحت قائلة: “أصبحت أكثر راديكالية مع تقدم العمر”. ووفاءً بوعدها، انضمت إلى المتظاهرين المناهضين لمبارك في ميدان التحرير في فبراير 2011، قائلة: “أنا على استعداد للقتال” في ما اعتبرته “ثورة حقيقية”. وعندما سألتها مراسلة “بي بي سي” عن إمكانية تخفيف حدة انتقاداتها عام 2018، ردت قائلة: “بل يجب أن أكون أكثر عدوانية؛ لأن العالم أصبح أكثر عدوانية، ونحتاج إلى أن يتحدث الناس بصوت عالٍ ضد الظلم”.

نوال السعداوي في مقابلة لصحيفة “ذا ناشيونال”.. أبوظبي خلال مهرجان طيران الإمارات للآداب 2015- ” ذا ناشيونال”

وعلى غرار العديد من اليساريين والمثقفين القدامى الذين انضموا إلى الحشود في ميدان التحرير عام 2011، لم توافق السعداوي على أن السيسي يحكم الآن باعتباره ثورة مضادة؛ بل ردت على ذلك بعناد قائلةً: “لا على الإطلاق، هناك فارق شاسع بين مبارك والسيسي؛ لقد تخلص السيسي من الإخوان المسلمين، وهذا لم يحدث قط مع مبارك، أو السادات”.

ومن وجهة نظرها، فإن مرسي وجماعة الإخوان المسلمين قاموا بالرشوة والخداع كي يصلوا إلى السلطة، وهي تصر على أن ذلك كان بتشجيعٍ من واشنطن ولندن؛ فقد قالت: “أنا سعيدة لأن الشعب المصري، بمساعدة الجيش، قد أزاح مرسي من السلطة، وقد اكتشفنا أنه وأتباعه مجانين”.

اقرأ أيضاً: حقائق عن حال المرأة العربية في العام الأخير.. هل هذه الإصلاحات كافية؟

وعند سؤالها عما إذا كانت تشعر بالحرية بعد هذه المسيرة النضالية الطويلة، قالت نوال السعداوي: “حسناً، أشعر أنني لست كذلك. وبالمناسبة، المشكلة ليست الرجال المصريين؛ فلديَّ صديقات مصريات تزوجن من رجال بريطانيين وأمريكيين وعاشوا في جحيم، بل الرجال المصريون ليسوا عنيفين بالنسبة إلى الأمريكيين؛ لقد غزاهم الاستعمار، ففقدوا كثيراً من رجولتهم؛ لكنها في النهاية معركة، ولا ينبغي أن نظل بائسين”.

المصادر:

نعي الجاردياننوال السعداوي

حوار لـالجاردياننشر عام 2015

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة