الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل سيحسم الأردن علاقته بجماعة الإخوان أسوة بدول المنطقة؟

إلى أين يتجه ملف جماعة "الإخوان المسلمين" في الأردن؟

خاص كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

يعد ملف جماعة “الإخوان المسلمين” في العالم العربي من أكثر الملفات الشائكة والأكثر تعقيدًا على المستوى السياسي والأمني، إلا أنّ ملف الإخوان في الأردن يشوبه نوع من الغموض والالتباس والكثير من الإشكاليات التي تدور حوله، نظرًا لما يشكله الأردن من بعد سياسي وجغرافي وإستراتيجي يحيط به العديد من الملفات والقضايا الساخنة، كالقضية الفلسطينية، والأزمتين السورية والعراقية، إضافة إلى خطورة الجماعات والتيارات المتشددة كتنظيم “داعش”، الذي كان ولا يزال يهدد الأردن على الدوام منذ سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003.

تابع كيو بوست على تويتر  أضغط هنا

اقرأ أيضًا: كيف ألقى ترامب طوق النجاة لجماعة الإخوان المسلمين؟

صاحب كل ذلك متغيرات أخرى رافقت “ربيع الثورات العربية”، التي أدت إلى رفع وتيرة الخلافات بين جماعة “الإخوان” من جانب، ودول وأنظمة عربية كالسعودية والإمارات من جانب آخر، إذ اتسعت رقعة التوتر في علاقات الجماعة مع المحيط العربي، حتى وصلت إلى طريق مسدودة، نتيجة للخطر الداهم الذي باتت تشكله الجماعة على النسيج الأمني والاجتماعي والسياسي في دول عربية، على رأسها كل من مصر وتونس وليبيا، وانعكاسات ذلك على فروع الجماعة حول العالم.

ويشكل فرع الجماعة في الأردن أحد أكثر الفروع حساسية، في ظل الانشقاقات والخلافات الداخلية الدائمة التي لا تزال تعصف بها منذ نحو 3 أعوام. ومن هنا، فإنّ الدولة الأردنية تسعى إلى لملمة واحتواء ملف الجماعة في البلاد على المستوى السياسي والأمني، حتى لا يخرج عن مساره المعروف بين الطرفين، على شكل الشدّ والجذب.

في هذا السياق، كيف ستتعامل الدولة الأردنية مع جماعة “الإخوان” في ظل حسم السعودية والإمارات ملفاتها مع الجماعة؟

يقف الأردن على مسافة واحدة مع جميع الأطراف، رغم أنه محسوب على المحور السعودي – الإماراتي، ولا أدل على ذلك من المساعدات الاقتصادية التي قدمتها كل من السعودية والكويت والإمارات للأردن بقيمة 2.5 مليار دولار، بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة.

لكن في ظل أحداث “الربيع العربي”، ومحاولة الجماعة استغلال الثورات التي عصفت بعدد من الدول العربية من أجل الوصول إلى السلطة، يبرز التساؤل التالي: هل سيؤدي ذلك إلى تغيير في علاقات الدولة الأردنية مع “الإخوان”؟ وهل الأردن على دراية بمخططات وتوجهات “الإخوان” الرامية إلى السيطرة على الحكم في دول عربية؟ أم أنّ الأردن قادر على التحكم بملف “الإخوان”، رغم الانشقاقات والخلافات الداخلية التي تعصف بها من الداخل؟

اقرأ أيضًا: ما وراء سقوط الإخوان في انتخابات نقابة مهندسي الأردن

 

مقاربة اللاسلم واللاحرب

يؤكد الخبير الأردني بالأمن الإستراتيجي عمر الردّاد، في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ الدولة الأردنية في علاقتها مع جماعة “الإخوان” تتبع مقاربة اللاسلم واللاحرب، فهي من تحكم علاقات الطرفين، مشيرًا إلى أنّ هذه العلاقة لم تصل إلى منحنيات القطيعة -أي اعتبار أنّ الإخوان تنظيم إرهابي- ولا إلى درجة التحالف.

ويبدو أنّ ذلك مرتبط بتقديرات السلطات الأردنية، وليس برغبة “الإخوان”، خصوصًا أنّ الجماعة لم تعد تنظيمًا موحدًا، إذ أسفرت انشقاقات الإخوان الداخلية عن إنتاج ستة تنظيمات إخوانية تتفاوت في حجم عضويتها وقوتها التنظيمية، أبرزها الجماعة الأم وذراعها السياسية المتمثلة في حزب “جبهة العمل الإسلامي”، بحسب الرداد، الذي شدد على أن الجماعة الأم هي الأقوى بحكم سيطرتها على مقدرات الجماعة المالية، وارتباطاتها بحركة “حماس” في قطاع غزة.

ويتابع الرداد حديثه بالقول: “الانشقاقات الإخوانية جاءت في إطار حوارات داخلية فرضها الربيع العربي، خصوصًا المطالبات بالفصل بين السياسي والدعوي، وأفول نجم تنظيمات الإسلام السياسي”. ويوضح الرداد أنّ هذا الأفول تجلى في شعبية الإخوان التي تراجعت، الأمر الذي انعكس في سقوط حاد في انتخابات مجلس النواب وانتخابات النقابات المهنية والطلابية والبلديات، ومؤخرًا في الاعتصامات التي جرت قبل شهرين، التي أسفرت عن إسقاط الحكومة السابقة لصالح تيارات جديدة صاعدة تضم ليبراليين من يساريين وقوميين ومستقلين.

ويرى الرداد بأنّ هناك تفهمًا وتقديرًا من الحلفاء لموقف الأردن تجاه الإخوان، خصوصًا أنّه اتخذ إجراءات ضد رموز قيادية تعرضت لدولة الإمارات، بالتحديد حين جرى سجن أحد أبرز قياديي الجماعة “زكي بني إرشيد”.

 

إشارات إخوانية بعدم المواجهة

وحول طبيعة سياسة الدولة الأردنية تجاه “الإخوان” وعلاقتها بالجماعة، يرجح الرداد بأن تتواصل علاقات السلطات الأردنية مع “الإخوان” في إطار مقاربة اللاحرب واللاسلم في المدى المنظور، مشددًا على أنّ الإخوان من الضعف بمكان لا يدفع مرجعيات القرار الأردني لاتخاذ قرارات أو سياسات ضدهم، قد يفهم منها منحهم شعبية مجانية، ما لم تبرز مستجدات تستدعي اتخاذ مواقف أخرى.

كما يشير الرداد إلى أنّ الإخوان يتحركون اليوم تجاه الدولة بإرسال إشارات بعدم رغبتهم في تحدي السلطات، وأنّهم جاهزون لعقد أية صفقة مع الحكومة، مؤكدًا على أنّ مواقف إخوان الأردن لن تكون بعيدة عن مواقف التنظيمات القطرية للإخوان في سوريا وفلسطين، مشيرًا في ذلك إلى أنّ حماس تفاوض إسرائيل بطرق مباشرة وغير مباشرة تحت عناوين مختلفة تصب بالنهاية بما يتم تداوله حول مخرجات صفقة القرن، فيما مواقف الإخوان السوريين لا تبتعد كثيرًا عن مواقف المعارضة السورية، التي أصبحت تتعاطى مع القضية السورية في إطار مخرجات التوافق الأمريكي – الروسي، الذي سينتهي بسوريا جديدة، يبقى فيها الأسد.

اقرأ أيضًا: احتجاجات الشارع الأردني في عين قناة “الجزيرة”

ويعتقد الرداد، بأنّ الأردن يدرك توجهات الإخوان، ومبادئ الجماعة، وعلاقة إخوان الأردن مع التنظيم الدولي، ومع حركة حماس، خصوصًا أنّ الملف الإخواني بالنسبة للأردن هو ملف أمني بالدرجة الأولى، يجري التعامل معه وضبطه ومتابعته بطرق أمنية وسرية، تحول دون تجاوز الإخوان للخطوط الحمراء.

 

خصوصية الأردن في التعامل مع الإخوان

وفي سياق متصل، يؤكدّ الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي، في حديثه الخاص إلى “كيو بوست”، بأنّ الإخوان في الأردن لهم خصوصية، تتركز حول طبيعة المواقف التي يجب أن تتخذها الجماعة مع الدولة من جهة، وفي توزيع المناصب العليا في الجماعة من جهة أخرى، لذا حدثت انشقاقات داخل الجماعة كان أبرزها تلك التي قادها عبد المجيد الذنيبات، التي أدت إلى إنشاء كيان جديد عرف باسم “جمعية الإخوان المسلمين”، مشيرًا إلى أنّ هذه الانشقاقات باتت تأخذ بعدًا جغرافيًا، إذ أنّ ما يعرف بـ”الحمائم” هم من أصول شرق أردنية وينتمون إلى عشائر، بينما “الصقور” هم من ذوي الأصول الفلسطينية.

الدولة الأردنية بدورها لعبت على هذا الوتر، وساعدت في فك ارتباط “جناح الذنيبات بالجماعة” بـ”التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، الأمر الذي أدى إلى خلق قسمين بارزين هما قسم تابع للتنظيم الدولي، وآخر يعمل وفق القانون والشرعية الأردنية.

وكانت هذه هي معالم خطة الأردن، وتجربته الجديدة في التعامل مع الإخوان -بحسب فرغلي- التي تقوم بالأساس على تدعيم جناح على حساب جناح آخر، بما يعزز مصالح الدول الحليفة كالمملكة السعودية والإمارات ومصر، ومن هنا شهدت الساحة إعادة هيكلة “جماعة الإخوان” بمكاتبها الإداريّة كافة، بحيث تصبح جماعة دعويّة وخيريّة، تخضع لسيطرة وإشراف صارم من قبل الدولة الأردنية.

وعن مدى إدراك الأردن لتوجهات ومخططات تنظيم “الإخوان”، يؤكدّ فرغلي بأنّ الأردن يدرك توجهات الجماعة، لكنّه كان في السابق يستخدم سياستي الاحتواء والتوظيف مع الجماعة، وفي الوقت الحاضر يعتمد على سياستي الخلخلة والتفكيك، عبر تدعيم الجماعة القانونية، أمام الجناح غير القانوني داخل الجماعة، مشيرًا إلى أنّ “التغيير يجري بشكل بطيء في الأردن، في ظل العوامل الكثيرة التي تحكم مواجهة الإخوان؛ بما فيها انتشار “السلفية الجهادية”، والوجود الفلسطيني، لذا ستظل السياسة مع الجماعة متأرجحة ما بين الاحتواء والتفكيك”.

في المجمل، يمكن القول إنّ ملف جماعة “الإخوان” في الأردن سيبقى على الدوام الملف الأكثر تعقيدًا وتشابكًا من بين الملفات التي تواجه الأردن في الوقت الحاضر، نظرًا للمتغيرات والظروف السياسية والأمنية التي تحيط بها. وعلى إثر ذلك، يبقى لزامًا على الأردن أن يبقي ملف “الإخوان” على سلم أولوياته؛ لأنّه بات يشكل عمقًا إستراتيجيًا في المنطقة لا يختلف ولا يقل أهمية عن ملفات التنظيمات المتشددة كتنظيم “داعش”، أو التنظيمات المصنفة ضمن دائرة “السلفية الجهادية”.

وبالتالي، فإنّ على الأردن أن يمهد لمرحلة ما بعد “الربيع العربي”، الذي غيّر إلى حد كبير حسابات المنطقة؛ نظرًا لما له من تداعيات أضرت بالعمق الأمني والسياسي والاجتماعي في العالم العربي.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة