اسرائيلياتثقافة ومعرفةفلسطينيات

هل سمعت يوما بالاستعمار الألماني لفلسطين؟ إليك قصته

هل كنت تعلم بأن الاستعمار الصهيوني لم يكن أول استعمار حديث في تاريخ فلسطين؟

كتب: أنس أبو عريش

ربما قرأت في الكتب المدرسية عن وجود استعمار بريطاني لفلسطين، لكن غالبا لم تسمع من قبل عن الاستيطان الألماني لفلسطين ؟ نعم استيطان ألماني في فلسطين … وإليك قصته

شهد القرن التاسع عشر مجموعة من التغيرات الحاسمة في التاريخ السياسي والجغرافي حول العالم، فخلال المئة عام تلك، انحلت كثير من الامبراطوريات ونشأت مجموعة من الدول القومية المكونة من تحالف دويلات صغيرة وبقايا الامبراطوريات. كما نشأت مراكز قوى جديدة في العالم بعد أن شكلت الامبراطورية العثمانية مركز القوة الوحيد في العالم لفترة طويلة. بدء انهيار الدولة العثمانية شكل بداية حركات الاستعمار الأوروبية على النمط الحديث، إذ استغلت الدول الجديدة ضعف العثمانيين لتبدأ بالتسلل إلى المناطق العربية لاستعمارها، كما اتجهت إلى أفريقيا وآسيا وأقدمت على نهب خيراتها تحت حجة الحماية ورعاية الدول الضعيفة.

إحدى هذه القوى كانت الدولة الألمانية التي نشأت نتيجة اتحاد حوالي أربعين إمارة ومدينة موزعة على الخارطة التي أصبحت تعرف اليوم باسم جمهورية ألمانيا الاتحادية.

وقد أصبحت ألمانيا إحدى القوى الاستعمارية الناشئة في القرن التاسع عشر، بعد أن اتجهت إلى أفريقيا لتبني مستعمرات لها هناك، كما اتجهت إلى بعض مناطق شرق آسيا وأقامت فيها مناطق نفوذ لها ونهبت خيراتها. كما كان للدولة الألمانية أطماع في بعض أراضي الدولة العثمانية التي كانت على وشك الانهيار. وقد أظهرت كثير من الكتب تفاصيل هذه المستعمرات وتاريخها. لكن ما لم يتم الكشف عن كثير من تفاصيله حتى يومنا هذا كان الاستعمار الألماني لفلسطين.

 

قيصر ألمانيا ويليام الثاني

بدأت قصة هذا الاستعمار مع حرب القرم التي استمرت ثلاثة أعوام بين الامبراطوريتين الروسية والعثمانية (1853-1856)، ورغم انتصار الدولة العثمانية على روسيا في هذه الحرب، إلا أن الكثيرين شعروا بقرب نهاية الدولة العثمانية، خاصة أن هذا الانتصار جاء بعد تدخل بريطانيا وفرنسا وسردينيا (إيطاليا اليوم) إلى جانب الدولة العثمانية. لقد جاءت هذه الحرب بنتيجة مفادها عجز الدولة العثمانية عن السيطرة على أراضيها بدون تدخل أجنبي، فأخذ العالم الغربي يتجهز للسيطرة على كل الأراضي التي تسقط من بين يدي الدولة العثمانية. كما انطلقت بعض الحركات الاستعمارية لتحاول استعمار بعض الأراضي بما يسهم في تفكيك التواصل الجغرافي بين أراضي الدولة العثمانية بهدف القضاء عليها

كانت إحدى هذه الحركات حركة صغيرة نشأت في الجنوب الغربي لألمانيا خلال الحرب عرفت باسم جماعة الهيكليين، والتي نادت بالبدء باستعمار فلسطين تمهيداً للسيطرة عليها، وسلخها عن الإمبراطورية العثمانية.

وكعادة الحركات الاستعمارية، زعمت هذه الحركة أن أهدافها دينية بالكامل، وأنها تهدف إلى تحقيق نبوءات توراتية شبيهة بنبوءات الصهيونية، أي تقوم على ضرورة التوجه إلى الأرض المقدسة – فلسطين، والإقامة فيها بهدف التسريع من عودة المسيح إلى الأرض. وتحقيقاً لذلك تقرر إرسال مجموعة من الطلائعيين إلى فلسطين، لشراء بعض الأراضي بهدف جلب المستوطنين الألمان إليها خلال فترة قصيرة. وبالفعل خلال وقت قصير، توجهت المجموعة إلى فلسطين وأقامت أول مستعمرة لها عام 1869 بعد أن تحايلت على القانون العثماني بتواطؤ من القنصل البروسي –الألماني- في الدولة العثمانية. أقيمت هذه المستعمرة على شواطئ حيفا وأ

علن عن افتتاحها رسمياً عام 1870. احتوت المستعمرة على عدد قليل من المنازل ومدرسة وكنيسة بنيت كلها على الطريقة الأوروبية، وبدأت تتوسع حتى ضمت حوالي ألف مستوطن والكثير من ورش العمل.

 

بعد سنتين، أقام الألمان مستوطنة أخرى في يافا أطلقوا عليها اسم سارونا. أحد بيوت هذه المستوطنة ظل قائماً إلى اليوم، إذ حوله الصهاينة إلى مجمع تجاري كبير فيما أصبح يعرف لاحقاً باسم تل أبيب. وفي عام 1903، أقام الألمان مستوطنة جديدة في يافا، مستفيدين من الدعم المادي الكبير الذي قدمه القيصر الألماني ويليام الثاني للصندوق الذي أنشأته جماعة الهيكليين باسم صندوق دعم المستعمرات الألمانية في فلسطين.

 

رسم تخييلي للمستعمرة الألمانية الأولى في فلسطين

وعلى هذا الموال أقامت ألمانيا مزيداً من المستعمرات داخل أرض فلسطين. مستوطنة في القدس، تعرف حتى اليوم باسم المستعمرة الألمانية، ومستوطنة أخرى في الجليل، وأخرى شمال غربي الناصرة، وغيرها.

لا يعرف على وجه الدقة عدد المستعمرات الألمانية التي أقيمت في فلسطين بدءاً من عام 1869، ولا عدد المستعمرين الذين أقاموا فيها.

على أية حال، جلبت المستعمرات الألمانية معها إلى فلسطين كثيراً من ضروب الحداثة الأوروبية، مستفيدين من خيرات الثورة الصناعية. أدخل الألمان شبكات الكهرباء والماء إلى المستوطنات، كما طوروا آليات جديدة لزراعة الحمضيات وزيادة إنتاجيتها لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وبذلك أنشأوا قوة اجتماعية واقتصادية رغم عددهم القليل.

عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، وقفت ألمانيا إلى جانب الدولة العثمانية، في مواجهة بريطانيا وحليفاتها. دخلت قوات الجنرال اللنبي إلى فلسطين، واحتلت أراضيها معلنة بداية الانتداب. توجهت القوات البريطانية إلى المستعمرات الألمانية وأخلتها بالقوة كعقاب للألمانيين على وقوفهم إلى جانب العثمانيين. وقد ذكر بعض الباحثين أن عملية الطرد لم تحدث مباشرة بعد دخول القوات البريطانية إلى فلسطين، وإنما أثناء الحرب العالمية الثانية بعد أن اتهمتم بريطانيا بالتعاطف مع الزعيم النازي هتلر. أقدمت بريطانيا على ترحيل المستوطنين الألمان إلى خارج فلسطين، وسجنت عدداً كبيراً منهم. ومع ذلك، ظل عدد قليل من المستعمرين الألمان في فلسطين حتى بداية الخمسينات، أي بعد الإعلان عن إقامة الدولة الاستعمارية – إسرائيل.

كانت نهاية المستعمرات الألمانية بشكل نهائي حين أقدمت إسرائيل على ترحيل آخر المستعمرين الألمان عام 1950 إلى خارج فلسطين، وذلك بعد أن اتهمت عدداً منهم بالوقوف إلى جانب الفلسطينيين أثناء الحرب عام 1948، وأقامت في مستعمراتهم أو حولتها إلى منشآت أخرى. في الواقع، كان هدف الصهاينة من هذا الترحيل هو الإبقاء على أرض فلسطين أرضاً يهودية خالصة، خاصة بعد التطهير العرقي الذي نفذته بحق الفلسطينيين، فكان لا بد من التخلص من كل القوى الاستعمارية الأخرى في المكان، والاستمرار بتهويد الأرض تحقيقاً لأهداف الصهيونية التي لم تكن لترضى بمستعمر آخر على هذه الأرض.

هل أضاف لك التقرير معلومات جديدة؟ شارك المعلومة مع أصدقاءك

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة