الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل ستلعب إفريقيا دوراً في الحرب الروسية- الأوكرانية؟

بسبب نفوذها المتزايد في القارة الإفريقية تمكّنت موسكو من تحييد الكثير من الدول الإفريقية في حربها ضد أوكرانيا

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

مع اندلاع الحرب بين روسيا والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ التي اُختيرت أوكرانيا ساحة لها، بدا العالم وكأنه عاد مُجدّداً إلى عتبة الانقسام وزمنِ الحرب الباردة، وإلى تلك اللحظة التي انصرمت قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ حيثُ تم إنزال علم الاتحاد السوفييتي الأحمر بنجمته ومنجله ومطرقته، وأُسدل السِتار على حِقبة المُعسكرين الشرقي والغربي.

ومُنذ أن أصبح ضابط المخابرات السابق، ورئيس وزراء حكومة بوريس يلتسين، فلاديمير بوتين قائماً بأعمال الرئيس الذي تقدّم باستقالته عبر خطاب عاطفي مؤثر، ليلة رأس السنة 1999، بدأ الرجل بخطوات بطيئة لكنها قوية ومُخاتلة في العمل بجد من أجل استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي من خلال جعل الاتحاد الروسي وريثاً شرعياً لها.

اقرأ أيضاً: حرب روسيا- أوكرانيا ستؤثر على إفريقيا وآسيا

توسعات بوتين

خلال سنوات حكمه التي ما تزال مستمرة، أحكم بوتين قبضته على الداخل، وقهر معارضيه بشراسة وحول بلاده دولة استبدادية خالية من الحريات والحقوق الديمقراطية، كما فرض سيطرته على الجوار من الدول السوفييتية السابقة، بيد أن أوكرانيا كانت العقبة الكؤود في طريقه نحو تلك الاستعادة المجيدة، فكان لا بُدّ من تدجينها أو إزالتها، ففي عام 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية إليها، ولم تأبه بتبعات الخطوة من عقوبات دولية، الأمر الذي أحدث تدهوراً حاداً في علاقتها بواشنطن والاتحاد الأوروبي.

لم يقنع بوتين باليسير، ويكتفي بالانكفاء على محيطة من دول الاتحاد الروسي وما جاورها، فاتجه شرقاً وغرباً وتدخل في سوريا بقوة، وخلق شبكات ودوائر نفوذ في أمريكا الجنوبية، ووسط آسيا والشرق الأوسط، وقارب الانتخابات الأمريكية عبر جيشه الإلكتروني، وبطبيعة الحال لم ينس إفريقيا فكان له نصيب الأسد من حكوماتها خاصة في المستعمرات الغربية السابقة، حيث تتفاقم المشاعر المعادية لأوروبا.

شاهد: فيديوغراف: جهاد في أوكرانيا

زيارة دقلو

بوتين يستقبل (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة السوداني

ومع الغزو الروسي لأوكرانيا 24 فبراير، واصطفاف الغرب مع كييف ومحاولته تجيير جميع الدول العالم إلى موقفه، بدأ في تقليب صفحات دفتر العلاقات الروسية الإفريقية، فكان الأمر مذهلاً، إذ بينما كانت الولايات المتحدة (زعيمة الغرب) والدول الاستعمارية؛ على رأسها فرنسا وبريطانيا؛ تقلب ظهر المجن لمستعمراتها الإفريقية السابقة كانت موسكو تعكف في صمت على توسيع نفوذها في إفريقيا، من ليبيا إلى مالي والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وموزمبيق، وغيرها، صارت روسيا تلعب أدواراً عسكرية واقتصادية أكبر مما هو متوقع؛ وتعمل بدأب من أجل توطيد السلطات العسكرية في الحكم، كما في مالي والسودان وما زيارة نائب رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى موسكو في اليوم الأول لغزوها أوكرانيا، إلا رسالة قوية في هذا الاتجاه.

اقرأ أيضًا: أوكرانيا: سجل صاخب من الاختراق والشرذمة

تحييد إفريقيا

الأصمعي باشري

من وجهة نظر الصحافي والباحث في الشؤون الإفريقية، الأصمعي باشري، فإنّ روسيا تمكّنت على الأقل من تحييد الكثير من الدول الإفريقية في حربها ضد أوكرانيا، فالحكومات الإفريقية؛ عادة ما تراعي مصالحها ولا مصلحة تعلو على البقاء في السلطة لأطول وقت ممكن، وهذا ما تفعله مجموعة فاغنر الروسية في كل من ليبيا وإفريقيا الوسطى والسودان وموزمبيق ومالي، وخلافها، في حماية الحُكّام العسكريين وتوطيد أركان الأنظمة الانقلابية؛ مقابل حقوق كبيرة في التنقيب عن المعادن خاصة اليورانيوم والذهب.

يضيف باشري متحدثاً إلى “كيوبوست”: إفريقيا أكبر سوق للسلاح الروسي، فما يقارب 50% من الأسلحة التي تستوردها القارة تأتي من روسيا، لكن الخطر الأكبر على الدول الإفريقية جراء الحرب الدائرة في أوكرانيا، هو الارتفاع المحتمل في أسعار الخبز، إذ تزود روسيا معظم الدول الإفريقية بالقمح، لذلك يُرجح أن ترتفع أسعار الخبز فتتضرر الطبقات الفقيرة والوسطى بسبب تقلص الإمدادات.

العقيد أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري في مالي- رويترز/ أرشيف

وعلى الرغم من ميل معظم الدول الإفريقية إلى البقاء على الحياد بشأن تصرفات روسيا أوكرانيا، فإن موقف جنوب إفريقيا أحد أكبر شركاء روسيا، بجانب أنّ كليهما عضو في مجموعة الدول سريعة النمو (بريكس) يعتبر صفعة غير متوقعة لروسيا، حيث أدانت بعباراتٍ صريحة رغم أنها امتنعت، أمس، عن التصويت على قرار أممي يستنكر التدخل الروسي في أوكرانيا.

ويعتقد باشري، أنّ المشاعر المؤيدة لروسيا تزايدت تدريجياً في إفريقيا، لا سيما في المستعمرات الفرنسية، لذلك فالمتوقع أن تدعم روسيا دول القارة التي أيدت موقفها أو التزمت الحياد، في المحافل والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة.

اقرأ أيضاً: السفير البريطاني السابق في موسكو لـ”كيوبوست”: الروس لم يفوا بوعودهم وغزو أوكرانيا لا يحمل أي انتصار

علاقات تاريخية

بالنسبة للباحث السياسي والصحافي، حسن طويل، فإن روسيا وطدت بالفعل أقدامها في إفريقيا خاصة منطقة الساحل، حتى بدت وكأنها وريثة فرنسا في مستعمراتها السابقة، الأمر الذي يوفر لها قدراً من الدعم في ما يتعلق بالمسألة الأوكرانية.

يضيف طويل في حديثه لـ”كيوبوست”، أن تاريخ الدعم الروسي للدول الإفريقية ليس وليد اللحظة الراهنة، وإنما قدّم سلفه الاتحاد السوفييتي دعماً كبيراً لحركات التحرر الوطني في القارة الإفريقية، إبان الاستعمار الغربي، فيما تعهد الرئيس الحالي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة، بتعزيز التجارة والاستثمارات مع دول القارة. وفي هذا الإطار تأتي مساعدات روسيا للدول مثل إفريقيا الوسطى ومالي، فضلا عن عرضها مساعدة الحكومة العسكرية في بوركينا فاسو، في إطار نمط تكرر خلال الأعوام الخمسة الماضية في تكثيف خطواتها الرامية إلى توسيع قاعدة نفوذها في إفريقيا، على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي.

اقرأ أيضاً: كلارك كوبر لـ”كيوبوست”: روسيا فوجئت بوحدة حلف الناتو في دعم أوكرانيا

مرتزقة فاغنر

حسن طويل

لكن ينبغي أن لا نغفل هنا عن نوعٍ آخر من الوجود الروسي، ممثلاً في ما يعرف بمرتزقة (فاغنر) وهي مجموعة عسكرية شبه رسمية، تنشط في تقديم معونات أمنية مبهمة لعددٍ من الحكومات الإفريقية، كالتدريبات والمعدات العسكرية والدعم الاستخباري، فضلاً عن الانخراط المباشر في القتال ضمن النزاعات المحلية في تلك الدول، والسيطرة على الحكومات خاصة العسكرية، حتى بدا أن مهمة روسيا الأساسية في إفريقيا هي تقويض النفوذ الغربي، على غرار ما فعلته في سوريا، وهذا يتضح في تدخلها القوي في مالي عبر مجموعة (فاغنر) وكأنما تريد أن تقول لفرنسا والدول الغربية لقد فشلتم في احتواء تهديدات الحركات الجهادية في منطقة الساحل.

تتدخل روسيا في إفريقيا عبر سياسة مزدوجة، تجمع ما بين المدربين العسكريين الرسميين الذين يعملون في بعض البلدان، والوكالات غير الرسمية، مثل مجموعة فاغنر، التي تحارب في عددٍ آخر من الدول.

مفرزة من مجموعة فاغنر الروسية في بانغي عاصمة إفريقيا الوسطي- وكالات

ووفقاً لطويل، فقد كان التدخل الروسي الأكثر وضوحاً في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2017، حيث شاعت مزاعم حول فظائع ارتكبها مرتزقة فاغنر في بانغي والبلدات المجاورة، لصالح تثبيت نظام الرئيس فوستان آرشانج توادير، قبل أن ينشط المرتزقة الروس في كل من ليبيا والسودان وموزمبيق ومالي، بدرجاتٍ متفاوته.

وتأتي أهمية إفريقيا بالنسبة لروسيا، لجهة أنها سوق مهمة لصادرات السلاح الروسي، كما تمتلك إفريقيا أكثر من ربع الأصوات في الجمعية العامة بالأمم المتحدة، كما تمثل صوتا قوياً في المنظمات الدولية الأخرى، وهذا ما جعل أغلب دول القارة تعرب عن مواقف مُحايدة في عمليات التصويت التي تجريها الأمم المتحدة حول القضايا المُتعلقة بأوكرانيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة