الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

هل ستدفع الأزمة الاقتصادية في تركيا إلى تقارب مع السعودية والإمارات؟

مراقبون يؤكدون لـ"كيوبوست" بأن تركيا مضطرة لتغيير سياساتها حيال دول الإقليم وتقديم المزيد من التنازلات كبادرة حسن نية للخروج من مأزقها الاقتصادي

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

تواجه تركيا هزّاتٍ اقتصادية متعاقبة منذ أكثر من عامين، في ظلِّ تدهور حاد لقيمة الليرة التركية في سوق العملات الأجنبية، ونتج عنها “غلاء فاحش” في المعيشة وأسعار المواد التموينية، الأمر الذي ألقى بظلاله على المواطن التركي.

وفي آخر إحصائية صادرة عن معهد الإحصاء التركي ” tuik” وصل معدل البطالة في البلاد 12.1% في أغسطس 2021، أما عدد العاطلين عن العمل فقد ارتفع بمقدار 11 ألفاً مقارنة بشهر يوليو من نفس العام، حيث بلغ 3 ملايين و965 ألفا.

وفي خضم هذه الحالة، فإنّ تركيا تسعى للخروج من أزمتها الاقتصادية بكل السبل والطرق، ومنها تطوير علاقاتها مع الجانب السعودي-الإماراتي، خصوصاً وأنّ حجم التبادل التجاري بين الرياض وأنقرة وصل إلى قرابة 5 مليارات دولار.

اقرأ أيضًا: وسط مخاوف إقليمية.. الإمارات وتركيا تحسنان علاقاتهما

خطوات حثيثة بدأتها تركيا للتقارب مع الرياض وأبوظبي، ورسائل إيجابية بعثتها أنقرة إلى السعودية والإمارات، من أجل تدشين مرحلة جديدة من العلاقات قائمة على التطوير الاقتصادي المشترك، بما يخدم مصالح جميع الأطراف.

وقد مثَّلت المواقف والتصريحات الإيجابية لأنقرة، عبر كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلنور شفيق، مؤشراً كبيراً لرغبة تركيا استعادة علاقاتٍ هادئة مع محيطها العربي، حيث رحب بفتح صفحة جديدة مع دول عربية، مؤكداً أن بلاده لا تدعم تنظيم الإخوان.

اقرأ أيضًا: الليرة تهوي مجدداً وتفضح سياسات أردوغان الاقتصادية!

حاجة تركية

وفي هذا السياق، يؤكدّ الكاتب والصحفي المتخصص في الشأن التركي سركيس قصارجيان، بأنّ تركيا تسعى منذ أكثر من عام بشكلٍ مكثف وجدي لتطبيع علاقاتها مع دول الخليج، ومصر بالدرجة الأولى، والدوافع الاقتصادية والملف الاقتصادي يأتي على رأس هذه الأسباب، وهناك ملفات سياسية نابعة من عزلة تركيا نتيجة سياساتها الخارجية، إضافة إلى وجود ملفات ترتبط بالأمن القومي التركي، خاصة فيما يخص مسألة تقاسم الثروات النفطية والغازية في شرق المتوسط، وملف الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

مشدداً على أنّ كل هذه الملفات استطاعت دول الخليج ومصر الضغط على أنقرة من خلالها، رداً على محاولات أنقرة تقويض سياسات هذه الدول، وتهديد أمنها القومي من خلال ذراعها في الدول العربية المتمثلة في “الإخوان المسلمين”، ومن خلال أيديولوجيا “العثمانية الجديدة”، وسياسات هيمنة “الإسلام السياسي” على المنطقة.

سركيس قصارجيان

وبالتالي، فهذه المساعي في استعادة العلاقات مع أنقرة قد بدأت، وتبدو الأخيرة مستعدة لتقديم تنازلاتٍ أكبر، في محاولة لتسريع خطوات التطبيع التي يجزم الجميع على أنّها قادمة، مشيراً إلى أنّ عالم السياسة لا توجد علاقات عداء دائمة أو صداقة دائمة، فالمصالح هي التي تحكم العلاقات بين الدول، بحسب ما يذهب إليه قصارجيان.

اقرأ أيضاً: تفاهمات تركية- إماراتية تمهد للقاء قمة بين القيادتَين

ويؤكدّ قصارجيان، بأنّ تركيا في الفترة الأخيرة تحاول تسريع تطبيع العلاقات؛ لأنّها تعيش أزمة اقتصادية خانقة فهذه الأزمة بدون شك ستؤثر على مستقبل أردوغان السياسي، وستؤدي إلى تحطيم أحلامه على صخرة الاقتصاد، بعد أن نجح في ترتيب الأمور سياسياً في الداخل والخارج لكي يتمكن من البقاء في السلطة لمدة طويلة.

ويرى الكاتب المتخصص في الشأن التركي، بأنّ أنقرة تأمل في أن تسهم الاستثمارات الخليجية، وبالدرجة الأولى الاستثمارات الإماراتية، واستثمارات صناديق الثروة الإماراتية في تحسين الاقتصاد، عبر اتجاهين يتمثل الاتجاه الأول في دخول الشركات الخارجية إلى السوق التركية الذي سيعطي رسالة للخارج على قدرة الاقتصاد التركي على التعافي، وبالتالي ستشجع الاستثمارات الأجنيبة الأخرى، حيث إنّ رأس المال يلحق رأس المال، وبالتالي عندما تدخل استثمارات كبيرة جداً إلى السوق التركية ستلحق بها استثمارات غربية.

أما الاتجاه الثاني، فيتمثل بحسب قصارجيان، في شعور المواطن التركي بإمكانية تعافي اقتصاده، وخاصة عملته المحلية وبالتالي إعادة ثقة المواطن بالليرة والتي ستحدّ من التدهور السريع للعملة التركية التي فقدت أكثر من 25% من قيمتها منذ بداية هذا العام، وفي خلال السنوات العشر الماضية فقدت الليرة من قيمتها بنسبة 650% وهذه تعدّ بحسب قصارجيان، نسبة كبيرة جداً بالنسبة لدولةٍ لا تشهد حروباً وعقوباتٍ اقتصادية عالمية.

الليرة في أسوأ أزماتها- (صورة وكالات)

تركيا تتبع مصالحها

وفي سياقٍ متصل، يرى الباحث والمحلل السياسي الكردي د.إبراهيم مسلم، في حديثه لـ”كيوبوست”، بأنّ تركيا قبل أقل من عام غيرت من علاقاتها مع مصر، وقامت بتسليم قياداتٍ من الإخوان للحكومة المصرية، مشدداً على أنّ تركيا دولة بحجمها الإقليمي تتبع مصالحها التي ترتأي تحسين علاقاتها مع دول الخليج، فهو مؤشر إيجابي، مشيراً إلى أنّ الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها تركيا تعدّ أحد الأسباب الرئيسية في تطوير علاقاها مع دول الجوار.

الدكتور إبراهيم مسلم

وبالتالي، فإنّ أنقرة تسعى لعقد توازن بشكلٍ دائم في علاقاتها بالمنطقة، بحسب رؤية مسلم ومنها علاقاتها مع روسيا ومع إيران، وحتى علاقاتها مع إسرائيل، منوهاً إلى أنّ أنقرة بالعلن تتظاهر أنّها مع الشعب الفلسطيني، وأنّها ضد إسرائيل، وبالخفاء تعقد علاقات وطيدة مع تل أبيب، وهذا ما يؤكده في فترة توجه واشنطن بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إذ إنّ تركيا بحسب رؤية مسلم، تظاهرت إعلامياً أنّها ضد الخطوة، لكن الحقيقة أنّ الشركة التي تعهدت ببناء السفارة هي شركة تركية، وبالمحصلة فإنّ أنقرة تبحث عن مصالحها.

لذلك يتوقع مسلم أن تشهد الفترة المقبلة تحسن علاقات أنقرة مع السعودية والإمارات، وخاصة بعد أن شهدنا تقارباً سعودياً-إماراتياً-كردياً في موضوع سوريا، وقد قامت فعلياً بتحسين علاقاتها مع مصر عبر تسليم قيادات إخوانية لها، وعلى أثر ذلك سنشهد الفترة المقبلة تحسين أنقرة في علاقاتها مع الجانب السعودي-الإماراتي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة