الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل دفعت تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة بالجزائريين إلى الفخ التركي؟

حسب المراقبين تسعى الجزائر إلى تأديب فرنسا عبر التقارب التجاري والصناعي مع تركيا.. ما يضمن كسر الهيمنة الفرنسية على السوق الجزائرية

 الجزائر- علي ياحي

تشهد العلاقات الجزائرية- التركية حيوية لم تعرفها من قبل، وبات خط الجزائر- أنقرة نشيطاً على جميع المستويات وفي مختلف المجالات، ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، ضد الجزائر كانت وقود “الاندفاع” الجزائري- التركي.

ولقد أصبح التيار بين الجزائر وأنقرة يلفت الانتباه من شدة الحيوية التي بات عليها، ولعل وجود الرئيس رجب أردوغان، خلال توقيع اتفاقيات مع شركة “سوناطراك” البترولية الجزائرية، منذ أيام، لدليل على الأهمية التي توليها أنقرة لعلاقاتها مع الجزائر في ظل الجليد الذي يطبع خط “فرنسا- الجزائر” بسبب استمرار التوتر بين العاصمتَين.

اقرأ أيضاً: بعد إثارته من قبل ماكرون.. الوجود التركي في الجزائر بين الاستعمار والحماية

وبرأي المتابعين لما يحدث، فإن الجزائر تعمل على “تأديب” فرنسا بورقة الاقتصاد، وجاء حضور الرئيس أردوغان فعاليات حفل التوقيع على عقود مع شركة “سوناطراك”، لتمرير رسائل مشفرة جزائرية وتركية إلى الرئيس الفرنسي؛ جزائرية بأنها ماضية في تنويع شركائها، وتركية بأنها عادت إلى منطقة كانت تعتبرها فرنسا تابعة لها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أبدت مختبرات تركية رغبتها في الاستثمار في مجال إنتاج الأدوية المضادة للسرطان بالجزائر، خلال المباحثات التي أجرتها السفيرة التركية ماهينور أوزدمير جوكتاس، مع وزير الصناعة الصيدلانية عبدالرحمن جمال لطفي بن باحمد، كما دعا رئيس البرلمان الجزائري إبراهيم بوغالي، إلى ترقية العلاقات الثنائية التي تعززت على مر السنوات بالزيارات المتبادلة على أعلى المستويات، مع ضرورة طرق أبواب التعاون الثقافي والأكاديمي، مشيراً إلى ما وصلت إليه الشراكة البينية في شتى المجالات؛ كالطاقة والنسيج.

الرئيس الجزائري تبون ونظيره الفرنسي ماكرون

إلى ذلك، شدد وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، على أن تركيا أسهمت بشكل مهم في عملية التنمية بالجزائر خلال السنوات الأخيرة، وأن بلاده تتطلع إلى المزيد من علاقات الشراكة والاستثمارات التركية خلال الأيام القادمة، وقال إن بلاده تدعم إقامة علاقات شراكة نوعية مع تركيا، بحيث تشمل المجالات كافة.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة خارج الحسابات الجزائرية

ابتزاز فرنسا

عدة فلاحي

في السياق ذاته، يقول الناشط السياسي عدة فلاحي، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”: إن فرنسا لم تعد مثل العهد السابق مهيمنة على الجزائر وعلى كثير من دول المستعمرات القديمة؛ لأنه ظهر فاعلون وأقطاب جدد على الساحة، مثل الصين وروسيا وتركيا، ومن مصلحة الجزائر تنويع مصادرها، موضحاً أن الجزائر حينما تنفتح على تركيا فإنها تبقي الباب مفتوحاً لعدة دول صديقة، ولا أظن أن الارتقاء بالعلاقة مع تركيا يدخل في باب التبعية أو الارتماء في أحضان تركيا؛ بل “ذلك يحررنا من ضغط فرنسا وابتزازها”.

ويضيف فلاحي أن تركيا ليس بإمكانها جعل الجزائريين ينسون هيمنة فرنسا؛ ولكن على الجزائريين أن يبنوا إرادتهم بأنفسهم أولاً، مشيراً إلى أن التوتر بين الجزائر وفرنسا لا يمكن أن يستمر طويلاً؛ لعدة اعتبارات تاريخية وإنسانية.

اقرأ أيضاً: مع اقتراب الانتخابات البلدية.. انتكاسة إسلاميي المغرب تخيِّم على إخوان الجزائر

من جانبه، يعتقد أستاذ الاقتصاد أحمد الحيدوسي، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الجزائر تقف على نفس المسافة من جميع الدول ما عدا الدول التي تكن العداء والحقد، وعقيدة عدم الانحياز لأي طرف راسخة في الفكر الدبلوماسي الجزائري؛ لذلك الجزائر لا ترتمي في أحضان أي طرف، لا تركيا ولا فرنسا ولا إيران ولا حتى روسيا التي تعتبر شريكاً استراتيجياً في ميدان التسلح أو حتى الصين الشريك التجاري، مضيفاً أن الجزائر تريد التعامل مع الجميع وَفق مبدأ الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

أحمد الحيدوسي

ويتابع الحيدوسي بأن إجراء مقارنة بين الاستثمارات التركية والفرنسية يؤدي إلى تسجيل فرق لافت؛ فالاستثمارات الفرنسية ترتكز على قطاع الخدمات، مثل البنوك والتأمين، أو قطاع توزيع المياه، أو تسيير بعض المؤسسات، لذلك “أعتقد أن الاستثمارات الفرنسية في الجزائر لا تخلق الثروة مقابل ما تتحصل عليه من عوائد، ما عدا الإنتاج الصيدلاني وقطاع المحروقات”.

وتواصل الجزائر الضغط على فرنسا بورقة تركيا؛ حيث دعا وزير الصناعة، أحمد زغدار، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجزائر وتركيا من خلال استغلال كل فرص الشراكة المتاحة بين البلدَين، مؤكداً في كلمته خلال افتتاح منتدى الأعمال والاقتصاد تركيا- إفريقيا، بإسطنبول، أن الجزائر وتركيا أمام فرصة تاريخية لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية في ظل الإرادة السياسية لقيادتَي البلدَين الشقيقَين، وأشار إلى إرادة البلدين لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية.

اقرأ أيضاً: زعيم حزب “قلب تونس” حليف “النهضة” يودع السجن بالجزائر في انتظار تسليمه لبلاده

مراد بياتور

واستدل الوزير بحجم المبادلات التجارية الثنائية التي وصلت إلى 4 مليارات دولار في 2018 و2019، قبل أن تنخفض إلى 3 مليارات دولار في 2020؛ بسبب جائحة كورونا، وهو ما جعل من تركيا خامس أكبر شريك تجاري للجزائر، بينما تعتبر الجزائر ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا، وقال إن البلدَين يطمحان إلى رفع هذه المبادلات إلى 5 مليارات دولار في المستقبل القريب.

في ذات السياق، يعتبر الناشط السياسي مراد بياتور، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الجزائر كانت دوماً دولة محل أطماع عديد من القوى الدولية، وهذا راجع إلى الثروات التي تزخر بها، مضيفاً أنه كلما ضعف نظام الحكم ازدادت هذه الأطماع بروزاً بهدف بلوغ امتيازات والحصول على حصص من الثروات، وذلك يكون حتماً مقابل مساندة السلطة ومساعدتها على البقاء، وأشار إلى أن التدخلات المتكررة في الشأن الداخلي للبلاد من قِبل فرنسا، وكذا المحاولات التركية للعب دور وقلب الموازين لصالحها، كله يصب في نفس الاتجاه.

اقرأ أيضاً: هل وصلت العلاقات الجزائرية- المغربية إلى نقطة اللا عودة؟

أنور سكيو

إلى ذلك، يرى الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي في إدارة الأعمال، أنور سكيو، في حديث إلى “كيوبوست”، أن “تركيا اليوم لا يقتصر بُعدها الاستراتيجي في إفريقيا والجزائر خصوصاً على المجال الاقتصادي فحسب؛ بل هي تدرس مجالات التعاون الدفاعي والعسكري؛ حيث نتذكر تصريحات الرئيس التركي أردوغان بضرورة الشروع دون أي تأخير في مفاوضات لإنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر وتركيا من جهة، وكذا استعراض القفزة النوعية في الصناعات العسكرية التركية من جهة أخرى”.

ويوضح سكيو: بخصوص التقارب السياسي، يجب النظر إلى الديناميكية والسرعة في توجهات تركيا السياسية والتي يصعب على جميع الجهات التنبؤ بها وبمآلات تواصلها، وكذا جوانب التأييد والتحفظ فيها، والتي قد تنشأ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أية لحظة، وهنا يجدر التدليل بالدور الذي تقوم به الدبلوماسية الجزائرية، والذي أصبح مهماً في استقرار وصيرورة شؤون منطقة شمال إفريقيا بالانفتاح على كل الشركاء والحلفاء والأصدقاء والتصدي لمحاولات زعزعة استقرار المنطقة؛ بما فيها التركية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة