الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل حكم الغزو الروسي لأوكرانيا على الدولار بالهلاك؟

كيوبوست- ترجمات

روبرت رابيل♦

قال روبرت رابيل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا أتلانتيك، إنه لا شك في أن غزو روسيا لأوكرانيا قد أنهى حقبة ما بعد الحرب الباردة. وإنه على الرغم من إدانة العديد من الدول للغزو الروسي؛ فإن معظمها لم يفرض عقوبات على روسيا.

وعلى النقيض من التصور الغربي للأزمة الأوكرانية باعتبارها مواجهة بين الديمقراطية والاستبداد، فإن هذه البلدان تعتقد أن الأزمة تتجاوز ثنائية الديمقراطية والاستبداد، وأنها من المحتمل أن تؤثر على أمنهم القومي فضلاً عن الاستدامة والسلام العالميين.

اقرأ أيضاً: المنافسة الحتمية الولايات المتحدة والصين ومأساة سياسات القوى العظمى

وأضاف رابيل أن انعدام الأمن الغذائي، والنزوح الداخلي واللاجئين، والتهديد بتوسع الحرب واستخدام الأسلحة غير التقليدية، قد أدت إلى تعرض أكثر البلدان للضعف والخطر. ومع ذلك، فقد أعادت الأزمة تشكيل النظام الدولي والتحالفات العالمية عبر منح مختلف الدول الفرصة لملاحقة مصالحها الذاتية دون الانحياز إلى معسكر سياسي بعينه.

وبشكل عام، قسمت الأزمة العالم إلى ثلاثة معسكرات؛ هي: معسكر بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وآخر بقيادة روسيا والصين، والمعسكر العالق بين هذين المعسكرَين الذي تبنت فيه معظم الدول موقف الحياد.

الرئيس الأوكراني زيلينسكي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مع الرئيس التركي خلال قمة ثلاثية في قصر بوتوكي

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن هذه الدول “المحايدة” تعمل كمتغيرات سياسية تسترشد بمصالحها الذاتية؛ فالعديد منها أصدقاء أو حلفاء للولايات المتحدة، لكنها ليست أعداء ولا خصوماً لروسيا والصين بسبب الأزمة الأوكرانية أو الأنظمة السياسية الاستبدادية في البلدَين. 

اقرأ أيضاً: الحبوب أو الحياد… قادة إفريقيا ومعادلة الحرب وأزمة الغذاء!

فهي تدرك حقيقة أنه في وقت يشهد تنافساً عالمياً على الموارد الشحيحة، لا يمكنها معاقبة أو معارضة روسيا، أكبر بلد في العالم والذي يمتلك أكبر قدر من الموارد. كما لا يمكنها مجابهة الصين؛ البلد الذي يمتلك ثاني أكبر اقتصاد وأكبر احتياطي من النقد الأجنبي في العالم. ومع ذلك، لا يمكنها أيضاً الإضرار بعلاقتها مع الولايات المتحدة؛ البلد الأقوى والأضخم اقتصاداً على مستوى العالم.

وبالتالي، فإن سياساتها تمليها مصالحها الذاتية بعيداً عن الثنائية الأيديولوجية للحرب الباردة. وبعبارة أخرى، سياساتها لا ولن تتقاطع بالضرورة مع سياسات الولايات المتحدة. وهو ما يفسر أيضاً رفض المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا والأرجنتين وإندونيسيا، من بين دول أخرى، الانحياز إلى الجانب الأمريكي وفرض العقوبات على روسيا لإجبارها على الخضوع.

أدى انعدام الأمن الغذائي والنزوح الداخلي واللاجئون والتهديد بتوسع الحرب إلى تعرض أكثر البلدان للضعف والخطر

ويرى رابيل أن المنافسة العالمية على إعادة توازن القوى بعيداً عن الهيمنة الأمريكية آخذة في التصاعد؛ بل إنها أصبحت منهجاً واضحاً يتبناه المتنافسون الكبار، حيث تقود الصين هذا المنهج من خلال دعم المنظمات الدولية؛ مثل منظمة شنغهاي للتعاون -أكبر منظمة سياسية واقتصادية وأمنية على مستوى العالم- وكذلك مجموعة بريكس باعتبارها موازناً للقوة الاقتصادية والسياسية والأمنية الغربية.

اقرأ أيضاً: من الخاسر في الحرب الاقتصادية العالمية.. أوكرانيا، روسيا، أم الاتحاد الأوروبي؟!

فهي تسعى إلى توفير بدائل لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين يهيمن عليهما الغرب من خلال مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد. وبشكل ملحوظ، يتم تعزيز تأثير هذه المنظمات من خلال قبول انضمام دول جديدة؛ فعلى سبيل المثال، قدمت الجزائر ومصر وتركيا والمملكة العربية السعودية والأرجنتين وإيران طلبات رسمية أو أعربت عن استعدادها للانضمام إلى مجموعة بريكس.

ومن الأمور المحورية في تطورات موازين القوى العالمية في ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، محاولة إضعاف الدولار الأمريكي تمهيداً لإضعاف الموقف العالمي العام للولايات المتحدة.

وفي الأساس، يشكِّل الدولار نقطة ضعف الولايات المتحدة وفقاً لرابيل، الذي أكد أنه من خلال فحص الأنماط والاتجاهات الاقتصادية، بات من الواضح أن العديد من البلدان، التي تقودها أو “تحرضها” الصين (وروسيا)، بدأت في إعادة النظر في استخدام الدولار كعملة تجارية رئيسة لها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ خلال حفل توقيع في شنغهاي

حيث تعود هيمنة الدولار العالمية إلى مؤتمر بريتون وودز عام 1944؛ عندما وافقت أربع وأربعون دولة حليفة على إنشاء نظام نقدي دولي جديد يربط عملاتها بالدولار. ومنذ ذلك الحين، تم تصنيف معظم المعاملات المالية والديون الدولية وفواتير التجارة العالمية بالدولار، ومعظم احتياطيات النقد الأجنبي العالمية يتم حفظها بالدولار.

وأشار رابيل إلى أنه منذ عام 2000، تحاول الصين تدويل استخدام عملتها، اليوان. ومؤخراً، اكتسبت هذه الجهود المزيد من القوة مع احتشاد بلدان حلف شمال الأطلنطي حول أوكرانيا، وفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، وإظهار التضامن العلني مع تايوان.

اقرأ أيضاً: كيف ترى دول الشرق الأوسط مكانتها في النظام الدولي بعد الأزمة الأوكرانية؟

كما ازدادت التوترات في العلاقات الأمريكية- الصينية بشكل كبير بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، إلى تايوان؛ مما أدى فعلياً إلى القضاء على أية نيَّات حسنة أو ثقة كانت موجودة بين القوتَين.

في الوقت نفسه، ومن خلال تبني وجهة نظر الصين بأن العالم اليوم يمر بفترة من الاضطراب والتحول، كانت العديد من البلدان تستكشف طرقاً لتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي باعتباره العملة الرئيسة للتجارة العالمية والاحتياطي الأجنبي. ففي أغسطس الماضي مثلاً، أعلنت مصر خططاً لإصدار سندات تزيد قيمتها على 500 مليون دولار مقومة باليوان الصيني.

تحميل منصات أسلحة AT4 المضادة للدبابات على متن طائرة في قاعدة دوفر الجوية مقدمة من الولايات المتحدة لدعم أوكرانيا

وعلاوة على ذلك، تجري مصر مقايضات ثنائية للعملة مع الصين. بينما أضاف بنك إسرائيل 4 عملات جديدة (الدولار الكندي، والدولار الأسترالي، والين الياباني، واليوان الصيني) إلى أرصدته في أبريل 2022؛ حيث كانت احتياطيات إسرائيل من العملات الأجنبية، والتي تتجاوز 200 مليار دولار، تتألف تقليدياً من الدولار واليورو والجنيه الإسترليني.

اقرأ أيضاً: حرب النفط الغربية مع روسيا تتحول إلى واقع

والأهم من ذلك، حسب رابيل، أن الصين تخطط لاستحداث عقود آجلة للنفط الخام مقومة باليوان والدفع مقابل النفط الخام المستورد بعملتها الخاصة بدلاً من الدولار الأمريكي. كما انخرطت الصين والمملكة العربية السعودية في محادثات نشطة حول تسعير الرياض بعض مبيعاتها النفطية إلى بكين باليوان. وكان هذا هو الهدف الرئيس لزيارة شي جين بينغ الأخيرة إلى الرياض، في الأسبوع الثاني من ديسمبر. 

وكانت الرسالة الأساسية التي وجهت إلى السعوديين وغيرهم من العرب هي أن الصين، خلافاً للولايات المتحدة، لن تملي أو تؤثر أو تقوض السياسات والازدهار العربي. وستعمل الصين والدول العربية على تنمية علاقاتهما على أساس الاحترام والمساواة والتضامن وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض.

ترسو سفينة شحن الغاز الطبيعي المسيل من روسيا في محطة تديرها شركة الصين للبتروكيماويات في تيانجين- الصين

ويرى رابيل أن واشنطن اليوم تدير سياستها الخارجية وهي تتجاهل عمداً العلامات التي تظهر أن قوتها العالمية تتراجع ببطء وبشكل مستمر. والواقع أن الأزمة الأوكرانية، التي جاءت في أعقاب حرَبي العراق وأفغانستان، عززت بشكل أو بآخر وجهة النظر العالمية القائلة إن التعددية القطبية والنظام العالمي متعدد الأطراف يخدمان العالم بشكل أفضل.

اقرأ أيضاً: أولاف شولتس: كيف نتجنب حرباً باردة جديدة في عصر متعدد الأقطاب؟

وبتقسيم العالم إلى ثلاثة معسكرات واسعة، كانت الأزمة الأوكرانية، كما تعامل معها حلف شمال الأطلنطي، سبباً في جعل “المعسكر المحايد” أقرب إلى الصين وروسيا. وفي حين أن واشنطن جعلت دعم أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي أولوية أساسية في السياسة الخارجية؛ فإن العديد من الدول المحايدة والصين كانت تنظر إلى العالم ببرجماتية.

فقد رأت ارتفاع تكاليف الحرب على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وفي مجال الطاقة، وعلى المستوى الشعبي، تزداد في اتجاه الانهيار العالمي. من جانب آخر، تسعى قيادة الغرب لتحقيق العدالة ضد بوتين وروسيا، وبغض النظر عن وجهة النظر الشعبية؛ فإن قيادة العالم غير الغربي تسعى إلى تحقيق السلام.

كانت الحرب العدوانية الروسية ضد أوكرانيا محور النقاشات بين قادة العالم الأول خلال قمة مجموعة العشرين الماضية في بالي

لكن المشكلة هي أن العدالة لا يمكن أن تتحقق أبداً على حساب السلام. ويبدو أن هذا هو الدرس الذي لم تتعلمه واشنطن من تجاربها في العراق وأفغانستان: فقد جاءت خطط العقاب في المقام الأول؛ وجاءت خطة ما سيحدث لاحقاً بعد ذلك، إذا كانت هناك خطة على الإطلاق. ونتيجة لهذا؛ فإن السلام كان عابراً.

اقرأ أيضاً: عصر التضخم.. كثير من النقود قليل من الخيارات!

والأهم من ذلك، أنه من خلال قيادة معسكر السعي لتحقيق العدالة بغض النظر عن العواقب، تمهد واشنطن الطريق لتراجعها من خلال تشجيع التعددية القطبية. وفي هذا الصدد، من المعقول أن يصبح اليوان بديلاً عن الدولار الأمريكي في عالم “متعدد الأقطاب” في غضون سنوات لا عقود أو قرون. وهذا سيوجه ضربة قاسية إلى الاقتصاد الأمريكي والموقف العالمي؛ قد لا تتمكن واشنطن من التعافي منها.

♦أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا أتلانتيك.

المصدر: ناشيونال إنترست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة