الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل “حان الوقت” لرحيل فرنسا عن تشاد؟

رفع العلم الروسي على سارية بوسط العاصمة إنجامينا يؤشر إلى تراجع نفوذ فرنسا في مستعمراتها السابقة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بأنفاسٍ لاهثة ومتلاحقة، تمكَّنت قوات الأمن التشادية بالكاد من تخفيف وطأة الاحتجاجات المناهضة للوجود الفرنسي واستمرار نجل الرئيس السابق في رئاسة الدولة، والتي عمَّت العاصمة إنجامينا ومدناً أخرى، الأسبوع الماضي؛ حيث شهدت تخريباً لبعض المواقع المرتبطة بفرنسا، مثل محطات وقود شركة “توتال”.

ويأتي الحراك التشادي الذي ينظمه منبر “وقت تم”، أي “حان الوقت”؛ للتنديد بدعم فرنسا المجلسَ العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة عقب مقتل الرئيس إدريس ديبي، في أبريل 2021، بعد أن حكم البلاد بقبضة حديدية لثلاثة عقود.

في 20 أبريل 2021، أعلن الجيش مقتلَ الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو، في جبهة القتال ضد المتمردين شمالي البلاد. وفي نفس اليوم، نُصِّبَ نجله محمد رئيساً انتقالياً على رأس مجلس عسكري مؤلف من 15 جنرالاً، ووعد بإجراء انتخابات حرة وديمقراطية؛ بعد فترة انتقالية 18 شهراً، يُجرى خلالها حوار وطني شامل مع المعارضة السياسية والمسلحة؛ لكن لم يحدث شيء، وبدت الأمور وكأنها ذاهبة إلى ثلاثين عاماً أخرى، حصة رئاسية وراثية لابن الرئيس السابق.

اقرأ أيضاً: الانقلابات في إفريقيا.. مَن الذي ينسف الاستقرار؟

“فرنسا برَّة”

إحدى محطات الوقود التابعة لـ”توتال” الفرنسية- وكالات

ووفقاً لصحيفة “الخبر” التشادية، اعتبر مي ماكس لوننغار، منسق منبر “وقت تم”، أنه لا خيار سوى الحوار الوطني الشامل الذي تعثَّر كثيراً، ولا تستطيع تشاد المُضي قُدماً نحو الاستقرار السياسي والأمني دون المرور بمراحل الحوار الثلاث؛ التحضيرية والتنفيذ ومرحلة التقييم، فإن لم يحدث هذا ستنفلت الأمور من عقالها وتدخل البلاد في أزمة سياسية وانفلات أمني لا قبل لها بهما.

المظاهرات التي اندلعت في 14 مايو الجاري، أسفرت عن تخريب العديد من محطات الوقود التابعة لشركة “توتال” الفرنسية، في إنجامينا، كما أحرق المحتجون الأعلام الفرنسية، بينما رفع بعضهم العلمَ الروسي على سارية بوسط العاصمة، في إشارة إلى تفضيل الروس على الفرنسيين.

إلى اليسار “مي ماكس لوننغار” منسق منبر “وقت تم”- وكالات

ورغم أن التظاهرة التي نظمها منبر “وقت تم”؛ إحدى أذرع ائتلاف المجتمع المدني المعارض، كان مصرحاً بها من قِبل السلطات الأمنية؛ فإنها ما أن رفعت شعارات تستنكر تضامن فرنسا مع المجلس العسكري الانتقالي، حتى طوقتها الشرطة وأطلقت عليها الغاز المسيل للدموع وصوبت نحوها خراطيم المياه.

ومع ذلك، فإن مفارز من طلاب الجامعات الذين يمثلون العمود الفقري للحراك التشادي، ظلوا يجوبون وسط المدينة على دراجات نارية وهم يرددون “فرنسا برَّة”؛ مطالبين برحيل القوات الفرنسية عن بلادهم.

وقال محمد أحمد حسب الله، القنصل الفخري لفرنسا في مدينة أبشي، شرقي البلاد، في تصريحات صحفية سابقة، إن المتظاهرين حاولوا دخول مقر قوات برخان بالقرب من مطار المدينة، وقاموا بتغيير العلم الفرنسي المرفوع على سارية المقر بعلم تشاد، كما أزالوا اللوحة التي تشير إلى القنصلية الفرنسية، ودمروا نصباً تذكارياً تاريخياً يعود إلى عام 1941، ويرمز إلى قدامى المحاربين التشاديين الذين ماتوا من أجل فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضاً: إدريس ديبي.. سيرة حافلة بالمغامرة ونهاية دموية غامضة!

على نفسها جنت باريس

عبدالله جرمة

من جهته، قال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، عبدالله جرمة، لـ(كيوبوست)، معلقاً على الأحداث الأخيرة في تشاد: إن إرهاصاتها بدأت منذ إعلان منبر “وقت تم” المعارض، تعليقَ المحادثات مع المجلس العسكري الانتقالي في 6 أبريل الماضي، مستنكراً دعم المجتمع الدولي وفرنسا ما سماه بنظام عسكري غير شرعي، سيقاومه الشعب مهما كلف الأمر.

يضيف جرمة: تبلور هذا التعليق إلى احتجاجات عارمة ضد فرنسا على وجه الخصوص؛ حيث يعتقد المحتجون أنها تدبر لتنصيب محمد ديبي رئيساً لتشاد، خلفاً لوالده، رغم تأكيد الرئاسة الفرنسية أنها ملتزمة بدعم الحوار الوطني بين الفرقاء التشاديين وأنها تقف على مسافة واحدة منهم.

اقرأ أيضاً: تساؤلات تحيط بمستقبل تشاد بعد طي صفحة إدريس ديبي

يستطرد جرمة، متحدثاً إلى (كيوبوست): عندما قُتل الرئيس إدريس ديبي قبل أكثر من عام، تولى نجله الجنرال محمد إدريس ديبي إتنو، زمام البلاد على رأس مجموعة من 15 جنرالاً؛ تم اعتمادهم على الفور من قِبل المجتمع الدولي، وكانت باريس في مقدمة الداعمين والمؤيدين، بينما تعرض الضباط الذين دبروا انقلابات أخرى في دول غرب إفريقيا، مثل مالي، إلى غضبها وعقوباتها؛ لذلك اعتبر المتظاهرون أن بلادهم محتلة بالكامل من قِبل فرنسا، وأن ما يفعلونه هو مقاومة للاستعمار، وعلى فرنسا أن ترحل فوراً.

روسيا على سارية إنجامينا

بالنسبة إلى محمود أبوبكر، فإن الحراك التشادي لا يستهدف الوجود الفرنسي بشكل مجرد، وإنما لارتباطه بدعم الأنظمة العسكرية الاستبدادية وتكريسه نظاماً وراثياً بتأييد نجل الرئيس السابق ودعم استمراره في الحكم.

يضيف أبوبكر، في إفادته لـ(كيوبوست)، أن حرق العلم الفرنسي، ورفع العلم الروسي على سارية بوسط العاصمة إنجامينا، يؤشر إلى تراجع نفوذ فرنسا في مستعمراتها السابقة؛ حيث شهدت احتجاجات مماثلة في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر دعوات إلى توطيد العلاقات العسكرية مع روسيا وطرد فرنسا من غرب إفريقيا.

محمود أبوبكر

يؤكد أبوبكر أن هناك ما يمكن وصفه بالإجماع الشعبي في دول الساحل وغرب إفريقيا، بأن فرنسا تقف عائقاً للحيلولة دون تمتع شعوب مستعمراتها السابقة بالحرية والديمقراطية، وإنها تدعم الأنظمة الاستبدادية التي تتيح لها وضع يدها على الموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها هذه الدول، وبالتالي فإن على الشعوب الإفريقية التواقة إلى الحرية والديمقراطية والاستمتاع بمواردها وثرواتها، إخراج فرنسا أولاً، ثم التفرغ لإزاحة حكامها المستبدين.. هكذا أصبحت تنظر شعوب منطقة الساحل والصحراء الإفريقية إلى فرنسا، وتشاد لن تكون استثناءً بطبيعة الحال.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة