الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل توصل أردوغان إلى صفقة مع ترامب حول ليبيا؟

إذا كانت واشنطن جادة فعلاً في محاربة الإرهاب.. فعليها كبح جماح التحركات التركية في ليبيا والضغط باتجاه تسوية سلمية

كيوبوست

تمثَّل أحدُ التطورات التي شهدتها الأزمة الليبية؛ خصوصاً بعد التدخل العسكري- التركي في أوائل العام الجاري، في حدوث تغير في الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية؛ إذ إن الإدارة الأمريكية بدأت تأخذ مواقف تبدو منحازة تجاه حكومة الوفاق غير المنتخبة، وداعمها الإقليمي تركيا، وذلك بعد أن كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد انفتح على المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي.

ويطرح ما سبق التساؤل حول أبعاد هذا التغير في الموقف الأمريكي، وتأثيره على مسار الأزمة الليبية؛ خصوصاً مع زعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه توصل إلى صفقة مع الرئيس الأمريكي حول ليبيا في اتصال هاتفي أجري في 9 يونيو.

  اقرأ أيضًا: دعم تركيا ميليشيات السراج يهدد بتدويل المعركة العسكرية في ليبيا

الصفقة المزعومة 

لم يكشف الجانب التركي عن مضمون التفاهمات التي زعم أنها جرت مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما أنه أكد أن الرئيسَين التركي والأمريكي اتفقا على مواصلة تعاونهما الوثيق لتعزيز السلم والاستقرار في ليبيا، مشيراً إلى احتمال صياغة البلدين “مبادرة” مشتركة، دون أن يكشف عن مزيد من التفاصيل. ومن جهة أخرى، اعتبر الرئيس التركي أن آخر “التطورات أظهرت أنه يمكن استبعاد حفتر من مسار السلام في أي وقت”[1]، ويلاحظ على هذه المكالمة عدد من الملاحظات، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:

  • ادعاءات مبالغ فيها: كان المصدر الوحيد حول ما دار في المكالمة هو الجانب التركي، فلم تصدر أي بيانات من الإدارة الأمريكية حول هذه المكالمة، أو ما دار فيها؛ وهو ما يجب النظر إليه بعين الشك، خصوصاً أن أردوغان لم يوضح فحوى مبادرة السلام بخصوص ليبيا، فقد كان الهدف الرئيسي لتركيا هو استغلال المكالمة للإيحاء بوجود دعم كامل من الإدارة الأمريكية للسياسات التركية في ليبيا، والتي لا تزال، حتى اللحظة، تصر على عسكرة الأزمة، ورفض أية تسوية سلمية لها.
  •  

    • معدات تركية وصلت إلى ليبيا – وكالات

ومن جهة ثانية، فإن محاولة تأكيد أردوغان فتح باب جديد في العلاقات بين البلدين، تهدف إلى الإيحاء بتجاوز الملفات الخلافية في العلاقات الثنائية، وهو أمر غير ممكن؛ إذ لا يزال هناك الكثير من الخلافات في العلاقات البينية، والتي يتقدمها الخلاف حول امتلاك تركيا منظومة الدفاع الجوي “إس 400″، وما ترتب على ذلك من تعليق مشاركة تركيا في برنامج إنتاج المقاتلة الأمريكية “إف 35″، بالإضافة إلى فرض واشنطن عقوبات على تركيا في ميزانية الدفاع للعام الجديد؛ بسبب مشاركتها في مشروع “السيل التركي”، والذي ينقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا عبر الأراضي التركية[2].

اقرأ أيضًا: لماذا يهتم الأوروبيون بالصراع في ليبيا؟

  • التناقض مع التصريحات اللاحقة: تناقضت التصريحات التركية من جانب آخر مع تصريحات وزير الخارجية التركي تشاووش أوغلو، والذي أكد في 11 يونيو أن واشنطن تدلي بتصريحات حول ليبيا، غير أنها ليست حاضرة على الأرض هناك، وأنه “يجب أن تضطلع الولايات المتحدة بدورٍ أنشط في ليبيا، وسنواصل العمل على هذا الموضوع على مستوى الرئيسَين ووزراء الخارجية والدفاع[3]“؛ الأمر الذي يكشف عن عدم وجود تفاهمات كاملة أمريكية- تركية حول ليبيا، كما زعم أردوغان.

اقرأ أيضًا“الوفاق” تستجدي التوافق بعد خسائر فادحة في ليبيا

ارتباك الموقف الأمريكي

من الملاحظ وجود غموض في السياسة الأمريكية حيال الأزمة الليبية، ويمكن إيضاح أبرز ملامح هذا الغموض في التالي:

  • تواطؤ واشنطن مع تركيا: اتهم الجيش الوطني الليبي، ضمنياً، الولايات المتحدة بالتسبب في هزيمته عسكرياً في ضواحي طرابلس، فقد التزم بالانسحاب نحو 60 كيلومتراً جنوب طرابلس؛ نتيجة ضغوط دولية، في إشارة إلى الضغوط الأمريكية؛ وذلك من أجل استئناف مفاوضات وقف إطلاق النار، غير أن تركيا استغلت ذلك، وقامت بشن هجوم بري وجوي انتزعت من خلاله السيطرة على طرابلس وبني وليد وترهونة. ومن جهة ثانية، فلا تزال الولايات المتحدة تؤكد، على لسان مسؤوليها، ضرورة وقف إطلاق النار، واستئناف مفاوضات السلام في أقرب وقت، غير أنها لم تبذل أي جهد لمراقبة ووقف الانتهاكات التركية لحظر توريد الأسلحة الأممي على ليبيا، كما أنها لم تدن التصريحات التركية، التي تؤكد أنها تعمل على السيطرة على كامل ليبيا عسكرياً.
  • إشادة الرئيس الأمريكي بالجهود المصرية: كشف البيت الأبيض عن حديث ترامب هاتفياً، في يوم 10 يونيو، مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي؛ حيث أشاد بجهود الرئيس المصري لدفع المصالحة السياسية ووقف التصعيد في ليبيا. وكشف البيت الأبيض عن أن الرئيسَين ناقشا، خلال الاتصال، سبل استئناف محادثات (5+ 5) لوقف إطلاق النار، ورحيل كل القوات الأجنبية عن ليبيا، وهو ما يتناقض مع التصريحات التركية. ولعل إصدار تصريحات عن هذا الاتصال الهاتفي من الإدارة الأمريكية نفسها يضفي مصداقية عليها بصورة تفوق التصريحات التركية حول مكالمة أردوغان مع ترامب.
تتواصل عمليات نقل مرتزقة سوريين إلى ليبيا – أرشيف

 هناك مجموعة من العوامل التي تفسر هذا الارتباك في السياسة الأمريكية، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:

  • انقسام الإدارة الأمريكية: يلاحظ أن الإدارة الأمريكية تعاني انقساماً ملحوظاً حيال الملف الليبي، وقد وضح هذا الانقسام تجاه تركيا منذ تصاعد الصراع في سوريا حول إدلب في مارس الماضي، ففي حين كانت وزارة الخارجية الأمريكية تدعم الموقف التركي، وتعتبر تدخل أنقرة العسكري في سوريا، إضعافاً للنفوذ الروسي، اعتبرت وزارة الدفاع الأمريكية أن سياسات أردوغان متهورة، ولا يمكن أن تلقى دعماً أمريكياً، بينما كان الرئيس الأمريكي لا يلقي اهتماماً كبيراً بالشأن السوري؛ خصوصاً أنه كان يضغط منذ شهور على الجيش الأمريكي للانسحاب من هناك، ولولا تقدير وزارة الدفاع الأمريكية بضرورة البقاء في شمال سوريا لتحجيم الوجود الإيراني، ومتابعة النفوذ الروسي، لكانت الإدارة الأمريكية انسحبت من هناك؛ وهو ما تكرر أيضاً في السيناريو الليبي.
  • الهواجس من روسيا: نجحت أنقرة في استغلال الورقة الروسية؛ من أجل تبرير تدخلها العسكري في ليبيا، ومحاولة تسويق نفسها على أنها أداة يمكن أن تعتمد عليها واشنطن لمحاربة التمدد الروسي في الأراضي الليبية؛ مستغلة في ذلك النجاحات العسكرية التي حققتها في غرب البلاد، وتحديداً في قاعدة الوطية، ويبدو أن واشنطن، التي لا تمتلك بعد أي تصور واضح لكيفية إدارة الأزمة الليبية، قد ارتضت التكيف مع التدخل التركي، وإن مرحلياً، انتظاراً لما سيسفر عنه هذا التدخل.
كميات كبيرة من السلاح التركي وصلت ليبيا مؤخراً – وكالات

خطأ الحسابات الأمريكية:

يبدو أن الإدارة الأمريكية قد ارتكبت عدة أخطاء بتحالفها الضمني مع تركيا في ليبيا، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

  • التورط في دعم الإرهابيين: إن تغاضي واشنطن عن تحركات تركيا العسكرية في ليبيا، يعني تحالفها ضمناً مع التنظيمات الإرهابية المرتبطة بـ”داعش” و”القاعدة”، والتي قامت أنقرة بنقل عناصرهما من سوريا إلى ليبيا للقتال هناك، كما أن حكومة الوفاق، لم تعد مرتهنة القرار بيد التنظيمات الإرهابية القاعدية الداخلية، ولكن خاضعة كذلك لنفوذ أنقرة وتنظيماتها الإرهابية المستوردة، ولا يمكن لمثل هذه الحكومة أن تمثل أساساً لحكومة مستقرة تحكم كامل البلاد؛ خصوصاً أن جماعة الإخوان المسلمين، الجناح الأبرز والوحيد في حكومة الوفاق، قد خسرت الدعم الشعبي في آخر انتخابات ديمقراطية أُجريت في ليبيا؛ أي أن واشنطن تدعم في التحليل الأخير حكومة فاقدة للشرعية، تتمترس خلف تنظيمات إرهابية.

اقرأ أيضاً: مع استمرار تدفق السلاح التركي.. “الوفاق” الليبية تعترض على مهمة الاتحاد الأوروبي

  • التفاهمات الروسية- التركية: تسعى أنقرة لتقديم نفسها على أنها أداة لمحاربة النفوذ الروسي في ليبيا، غير أن هذا الأمر مبالغ فيه؛ إذ إن موازين القوة العسكرية تميل بقوة لصالح روسيا، ولا تستطيع أية قوة؛ بما في ذلك الولايات المتحدة، أن تخرج موسكو من ليبيا إذا أصر الكرملين على البقاء هناك. ولذلك، فإن أنقرة سوف تسعى للتواصل إلى تفاهمات ثنائية مع موسكو؛ لاقتسام النفوذ في ليبيا، ومن ثمَّ فإن أنقرة لن يكون بمقدورها أن تقضي على النفوذ الروسي، كما تزعم، بل ويمكن القول إن تصاعد الوجود الروسي في ليبيا قد ارتبط بصورة أساسية بتصعيد أنقرة لتدخلها العسكري في ليبيا، فقبل سيطرة أنقرة على قاعدة الوطية، لم تحتفظ موسكو بأية مقاتلات على الأراضي الليبية.
  • تهديد الأمن الأوروبي: قامت أنقرة بتوظيف ورقتَي الإرهاب واللاجئين في سوريا في مواجهة دول الاتحاد الأوروبي؛ وذلك لانتزاع تنازلات مادية منها، ويبدو أن أنقرة سوف تعمد إلى ممارسة نفس الابتزاز باستخدام نفس الأساليب؛ ولكن هذه المرة في الأراضي الليبية، كما أن الخبرة العسكرية التي اكتسبتها العناصر الإرهابية في ليبيا، سوف تعمد إلى توظيفها في مسارح عمليات أخرى، سواء في منطقة الساحل، بما يهدد النفوذ الفرنسي، أو حتى داخل الدول الأوروبية، ناهيك بدول الجوار؛ أي أن السياسات الأمريكية قد ترتب عليها أفغنة ليبيا برعاية تركية.
أفراد من الجيش الوطني الليبي يرفعون علامة النصر – وكالات

الخلاصة:

ويتضح مما سبق، أن رهانات واشنطن الخاسرة على الأتراك لن تؤتي ثمارها، سواء بالنظر إلى عجز الأتراك عن مناطحة الروس عسكرياً، أو تحويل ليبيا إلى قاعدة للتنظيمات الإرهابية لتهديد الأمن الإقليمي، تحت التوجيهات التركية، وينبغي إذا كانت واشنطن جادة فعلاً في محاربة الإرهاب، أن تكبح التحركات التركية في ليبيا، وتضغط باتجاه تسوية سلمية، تستلزم ابتداءً سحب أنقرة لعناصرها الإرهابية، وتخليص الشعب الليبي من جرائمها.

اقرأ أيضًا: التهديد العثماني الجديد في “المتوسط” وشهية السلطان أردوغان للنفوذ

وعلى الرغمِ من وجود مؤشرات من الإدارة الأمريكية على ذلك، كما عبرت عنها تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو؛ فإن عدم بلورة هذه التصريحات في سياسات عملية على الأرض سوف يعني إعطاء ضوء أخضر لأنقرة لتحويل ليبيا إلى قاعدة تنطلق منها التنظيمات الإرهابية، على غرار سوريا.

المراجع

[1] https://bit.ly/2Asbfxn

[2] https://bit.ly/30x3Iba

[3] https://bit.ly/2YtmRYY

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة