الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل تنجو دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية “بكين 2022” من فخ التسييس؟

كيوبوست- ترجمات

فيكتور تشا♦

قال البروفيسور فيكتور تشا، أستاذ الحوكمة والشؤون الخارجية بجامعة جورج تاون، إن النقاد وصفوا مقاطعة الرئيس بايدن دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية لعام 2022 في بكين، التي بدأت هذا الأسبوع، بأنها “نصف إجراء” ولن تؤدي إلى عكس مسار عمليات قمع حقوق الإنسان في الصين.

اقرأ أيضاً: العلاقات الصينية- الأمريكية دخلت مرحلة جديدة

وأشار إلى أن هذا الوصف قد يكون صحيحاً؛ لكن تلك المقاطعة ستترك وصمة عار على جهود الحزب الشيوعي الصيني لتبييض الألعاب، حسب تشا؛ حيث لا يعير المسؤولون الصينيون مقاطعة بايدن اهتماماً أكثر من اهتمامهم بمتحور أوميكرون والمكائد الروسية في أوكرانيا، والتي قد تؤدي إلى تعقيد أفضل خطط المضيفين الصينيين واللجنة الأوليمبية الدولية.

وأضاف تشا أن بايدن ليس أول زعيم يقاطع دورة الألعاب الأوليمبية؛ حيث يحفل تاريخ الأوليمبياد بالحظر والمقاطعة، ففي عام 1980 قادت الولايات المتحدة حملة مقاطعة شهيرة لـ66 دولة لدورة الألعاب الأوليمبية في موسكو؛ بسبب الغزو السوفييتي لأفغانستان. وفي عام 1984، رد السوفييت بمقاطعة 12 دولة لألعاب لوس أنجلوس (واختارت الصين الاشتراك في الأوليمبياد).

الوفد الأوليمبي للصين يسير في الاستاد الوطني خلال حفل افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية بكين 2022- “شينخوا”

وفي عام 1976، قاطعت 30 دولة إفريقية أوليمبياد مونتريال؛ احتجاجاً على مشاركة فريق الركبي النيوزيلندي “أول بلاكس” بعد جولته في جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري. كما انسحبت إسبانيا وهولندا وسويسرا من دورة الألعاب الأوليمبية لعام 1956 في ملبورن؛ احتجاجاً على الغزو السوفييتي للمجر. وقاطعت مصر والعراق ولبنان الألعاب الأوليمبية ذاتها؛ بسبب أزمة قناة السويس.

اقرأ أيضاً: عندما تتسبب الرياضة في أزمات دبلوماسية بين الدول

وعلى مدى التاريخ، تم منع بعض الدول من المشاركة في الألعاب الأوليمبية، كما حدث عام 1920 عندما تم حظر المجر وألمانيا والنمسا وبلغاريا وتركيا من ألعاب أنتويرب؛ لدورهم كمعتدين في الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1940 خسرت إمبراطورية اليابان استضافة الألعاب الأوليمبية للمرة الأولى وسط احتجاجات دولية على غزوها منشوريا، ولم تتم دعوتها للمشاركة في أوليمبياد لندن 1948.

وعلى الرغم من قرار البرلمان الأوروبي غير الملزم في يوليو 2021 الذي دعا المسؤولين الدبلوماسيين إلى مقاطعة الألعاب الأوليمبية الصينية؛ بسبب وضع حقوق الإنسان في هونغ كونغ، ومنطقة شينجيانغ/ الأويغور، والتبت، ومنغوليا الداخلية؛ فإن العديد من الحكومات في أوروبا أو في أي مكان آخر، لا تحذو نفس الحذو.

الوفد الأوليمبي الفرنسي يتقدم في مسيرة استعراضية بملعب عش الطائر في بكين.. 2022- “شينخوا”

وقد انضمت بريطانيا وأستراليا وكندا إلى المقاطعة الأمريكية، بينما لم تفصح الدنمارك وهولندا واليابان عن سبب قراراتها بحجب الوفود الرسمية عن بكين؛ مما يشير إلى أن الأسباب قد تتعلق بفيروس كورونا أو قد تكون احتجاجاً على وضع حقوق الإنسان.

وأكد البروفيسور تشا أن المقاطعة الدبلوماسية هي إجراء رفيع المستوى ومنخفض التكلفة إلى حد ما، ومن شأنه أن يترك وصمة عار على مسرح بكين؛ حيث ترسل الدول عادةً وفداً رفيع المستوى من المسؤولين، والأوليمبيين السابقين، وغيرهم من الشخصيات البارزة؛ لتقديم الاحترام للمضيف وكإظهار للوطنية.

اقرأ أيضاً: على الصعيدين الرياضي والثقافي.. “كورونا” تواصل عرقلة فعاليات دولية

من جانب آخر، حدت القيود المفروضة بسبب جائحة كورونا من وجود الجماهير؛ ما جعل وجود بايدن في المدرجات بمثابة رمز عن جميع الرياضيين؛ حيث قادت السيدة الأولى ميشيل أوباما، الوفد الأمريكي إلى دورة الألعاب الصيفية بلندن عام 2012، وحضر الرئيس جورج دبليو بوش، ألعاب بكين الصيفية لعام 2008، غير أن ذلك لن يحدث في بكين هذا الشهر.

الوفد الأوليمبي الأمريكي يتقدم في مسيرة استعراضية بملعب عش الطائر في بكين 2022- “شينخوا”

وقد ردت الصين بغضب على مقاطعة بايدن، مهددةً بأن الولايات المتحدة “ستدفع الثمن”، واتهمت الأخيرة بتسييس الرياضة بما يتعارض مع مبادئ الميثاق الأوليمبي. لكن هذه التهمة تدعو إلى السخرية، حسب تشا، حيث تفوز الصين بالميدالية الذهبية عندما يتعلق الأمر بتسييس الرياضة!

اقرأ أيضاً: كيف تفرض الصين مقص الرقابة الثقافية والإعلامية على الغرب؟

ويرى أستاذ الحوكمة والشؤون الخارجية أنه لا يوجد في عالم السياسة أية جهة فاعِلة تجاهلت مبادئ الميثاق الأوليمبي بإبعاد السياسة عن الرياضة أكثر من الصين، ربما باستثناء اللجنة الأوليمبية الدولية ذاتها حين بررت الإبقاء على ألعاب عام 1936 في ألمانيا النازية باعتبارها فصلاً للألعاب الأوليمبية عن السياسة.

فبقدر ما يرغب العالم في أن تخلو الألعاب الأوليمبية من السياسة، بقدر ما يورطها. وقد كتب جورج أورويل، ذات مرة، أن الرياضة “هي حرب دون إطلاق نار”؛ فعندما يتنافس الرياضيون وهم يرتدون ألوان أعلام أُمتهم، فإنهم يثيرون مشاعر القومية لدى الجمهور بعكس أي شكل آخر من الفن أو الموسيقى أو الأدب.

تم إنشاء نقطة فحص اختبار PCR بالقرب من المركز الصحفي لدورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في بكين.. الصين 2022- “رويترز”

وأكد البروفيسور تشا أن الألعاب الأوليمبية تعكس المقارنة بين التقليد الليبرالي للرياضة -المنافسة العادلة والشفافية التي تلعب وفقاً للقواعد- والممارسات غير الليبرالية للنظام في الصين، لافتاً إلى أن ذلك يتيح فرصة للجنة الأوليمبية الدولية والشركات الراعية للألعاب الأوليمبية للدعوة إلى التغيير السياسي؛ لكن اللجنة الأوليمبية الدولية لم تمارس مثل هذا الضغط على الصين.

شاهد: فيديوغراف.. حتى في الرياضة.. لا عدالة بين الجنسين

وفي إطار دعمها مبادئ نزع الطابع السياسي عن الألعاب الأوليمبية، عملت اللجنة الأوليمبية الدولية بشكل أساسي مع الصينيين على تشجيع بعض التنازلات الرمزية (على سبيل المثال، السماح للصحفيين الأجانب بالوصول إلى الإنترنت دون قيود، لكن تحت المراقبة) وليس أكثر من ذلك.

وألقى تشا باللوم على اللجنة الدولية قائلاً إن التساؤلات بشأن أوضاع حقوق الإنسان في شينجيانغ -حيث تُتهم الصين بالاعتقال والتعقيم الجماعي لأكثر من مليون أويغوري- قد تلقت رداً روتينياً من اللجنة الأوليمبية الدولية بأن “الألعاب ليست سياسية”.

مهاجرون من التبت والأويغور وهونغ كونغ يدعون إلى مقاطعة الألعاب الأوليمبية 2022.. ملبورن- أستراليا 2021- “وورلد نيوز”

وضرب مثلاً على وجهة نظره بحالة اللاعبة بينغ شواي؛ إذ لم يشرح الحزب الشيوعي الصيني بشكل كامل سبب اختفاء نجمة الأوليمبياد ونجمة تنس الزوجي للسيدات والمصنفة الأولى على العالم سابقاً بعد منشوراتها على مواقع التواصل الاجتماعي التي تتهم فيها نائب رئيس الوزراء السابق “جانغ جو لي” بالاعتداء الجنسي؛ بل تم حذف حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي منذ ذلك الحين.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يهتم الشباب الصيني بالديمقراطية؟

وأضاف تشا أن الرياضيين أنفسهم يمثلون متغيراً آخر في معادلة السياسة والرياضة، فعلى الرغم من كل الجهود التي تبذلها اللجنة الدولية لتكميم أفواههم؛ فإن حقيقة أن إحداهم، وهي حاصلة على 3 ميداليات أوليمبية سابقاً، قد أصبحت محور جدل يسلط الضوء على انتهاكات حرية التعبير والحقوق الجنسانية في الصين، قد تؤثر بعمق كافٍ لتحفيز بعض الرياضيين على التحدث على نطاق أوسع نيابةً عن الأصوات التي تم إسكاتها في الصين.

احتجاج تبتيين يعيشون في المنفى ونشطاء من منظمات غير حكومية يطالبون بمقاطعة أوليمبياد بكين- وكالة الصحافة الأوروبية

كما أن الغزو الروسي لأوكرانيا، على وجه الخصوص، من شأنه أن يحول انتباه العالم إلى فلاديمير بوتين ومسار الحرب. وقد يفيد ذلك شي جين بينج؛ لأنه سوف يبعد انتباه العالم عن شينجيانغ أو هونغ كونغ أو التبت أو تايوان أثناء دورة الألعاب الأوليمبية في الصين، أو أنه قد يضر بالألعاب؛ لأنه لا أحد سيهتم بها.

وختم البروفيسور تشا مقالته بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تفعل الكثير للسيطرة على تلك المتغيرات. فبالنسبة إلى إدارة بايدن، لم يكن من المتوقع قط أن تغير المقاطعة سياسات الصين في مجال حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: المنافسة الحتمية بين الولايات المتحدة والصين ومأساة سياسات القوى العظمى

 بيد أن بايدن نجح في إرسال رسالة مفادها أنه لن “يعمل كالمعتاد” في السياق التنافسي الجديد للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وأنه لن يتواطأ بالظهور على منصة أُعدت خصيصاً من قِبل الصين لخداع المراقبين من خلال استضافة الألعاب الأوليمبية.

♦نائب العميد وأستاذ الحوكمة والشؤون الخارجية بجامعة جورج تاون، وزميل أول في مجال حرية الإنسان بمعهد جورج دبليو بوش. وهو مؤلف كتاب “ما وراء البطولات: سياسة الرياضة” (2008).

المصدر: دورية لو فير

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة