الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل تنجح ليبيا في إعادة مهجريها من تونس؟

العودة الآمنة للنازحين والمهجرين الليبيين تحتاج إلى ترتيبات متكاملة وضمان عدم وقوع عمليات انتقامية

كيوبوست

أجبرت الحرب الأهلية، التي استمرت على مدار قرابة عشر سنوات، الليبيين على النزوح من بلادهم؛ هرباً من جحيم القتال الذي أصبحت تحركه ميليشيات مسلحة ومنفلتة في أغلب مدن البلاد. وكانت تونس إحدى أبرز وجهات الليبيين على مدار سنوات الأزمة؛ لعدة أسباب، أبرزها عامل القرب الجغرافي والعلاقات الوطيدة بين البلدين؛ خصوصاً على المستوى الشعبي منذ عقود طويلة وعلاقات المصاهرة والقرابة التي تربط أبناء البلدين، كما أن تونس تعد الوجهة المفضلة للسياح الليبيين. ولهذا تدفق مئات الآلاف من الليبيين الهاربين من جحيم الحرب في بلادهم منذ سنة 2011، على أمل أن يعود الاستقرار إلى بلدهم ويعودون مجدداً؛ ولكن رغم مرور عقد على بداية الأزمة، وظهور بوادر انفراجة في الأزمة الليبية؛ فإن السلطات في هذا البلد لم تتحرك جدياً من أجل إعادة مواطنيها المتطلعين للرجوع، بل إنها لم تعالج بعد أزمة النزوح الداخلي؛ حتى وإن أعربت السفارة الليبية عن عزمها حصر أعداد المهجرين الليبيين في تونس وبحث سبل عودتهم إلى ليبيا. 

اقرأ أيضًا: هل تلعب دول الجوار دوراً في ملف “إخراج” القوات الأجنبية من ليبيا؟

وبدأت موجة نزوح الليبيين إثر سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، سنة 2011، وبعد ملاحقات أمنية للأشخاص والمسؤولين الموالين لحكم القذافي؛ لكن مع مرور السنوات تفاقم الوضع الأمني في ليبيا وتعاقبت الحروب في كل مدن البلاد، وانفلتت الميليشيات والمجموعات المسلحة، كما تحولت البلاد إلى مرتع للتنظيمات الإرهابية على غرار تنظيم داعش. وبدأت العائلات الليبية تتعرض إلى الخطف والاغتيال والاختفاء القسري والابتزاز، فضلاً عن جحيم الصراع المسلح وانفلات السلاح، ولهذا كان الهروب إلى دول الجوار؛ خصوصاً تونس، هو الخيار الذي اتبعه آلاف الليبيين.

 غياب الإحصاءات

ولا توجد حتى الآن إحصاءات دقيقة توثق أعداد اللاجئين من ليبيا إلى تونس وحتى إلى مصر؛ لكن بعض الأرقام الصادرة عن جهات رسمية في تونس تقول إن أكثر من 430 ألف شخص في عام 2011 دخلوا تونس والتحق بهم آخرون في ما بعد هروباً من الحرب الأهلية في بلادهم. وفي السنوات اللاحقة قالت الحكومة التونسية إنها استقبلت أكثر من مليون ليبي نازح.

الحرب أجبرت آلاف الليبيين على الهروب إلى تونس- (صورة وكالات)

أما المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، فقد سجلت 27 ألفاً و948 نازحاً ليبياً. ويعود هذا الفارق في الأعداد بين ما تعلنه السلطات التونسية ومفوضية اللاجئين، إلى كون معظم الليبيين لا يفضلون تسجيل أنفسهم بوصفهم لاجئين في تونس، تجنباً للتضييق على حرية تنقلهم إلى بلدان أوروبية في ما بعد، كما لا يرغب أغلبهم في أن يعاملوا كلاجئين؛ لا سيما أن نسبة كبيرة من النازحين إلى تونس ميسورون مادياً وليسوا في حاجة إلى مساعدة المفوضية.

في المقابل، لم تخفِ السلطات التونسية في عدة مناسبات أنها لم تعد قادرة على تحمل أعباء اقتصادية لمزيد من اللاجئين الليبيين، وطالبت المجتمع الدولي مراراً بتقديم المزيد من المساعدات المالية؛ لاستيعاب حاجيات النازحين لديها؛ لا سيما أن النازحين الليبيين صاروا يمثلون، حسب إحصاءات وزارة الداخلية سنة 2016، عُشر سكان تونس.

اقرأ أيضاً: اللواء خالد المحجوب: تركيا تتحجج بالاتفاقات الموقعة لتحقيق المكاسب قبل خروجها من ليبيا

كما ظلت تونس تعرب عن خوفها من انتقال عناصر متطرفة متخفية مع النازحين الليبيين، قد تضر بأمنها الداخلي؛ وهو ما دفعها لبناء جدار حدودي مع ليبيا قبل سنوات، ولكن في المقابل استفادت تونس من تدفق النازحين الليبيين على المستوى السياحي والمستشفيات والمدارس الخاصة وتجارة العقارات.

دعاية إعلامية

محمد عبدالحكيم حمزة

محمد عبدالحكيم حمزة، رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، انتقد اللجنة التي تم تشكيلها لحسم ملف المهجرين الليبيين في تونس، معتبراً أن بعثها يتنزل في سياق الدعاية الإعلامية.

وقال حمزة لـ”كيوبوست”: “إن اللجنة المعنية بملف المهجرين الليبيين شُكِّلت في ظروف غامضة وغير واضحة وغير محددة المهام المنوطة بعهدتها بشكل معلن. وأعتقد أن مسألة ضمان العودة الآمنة للنازحين والمهجرين في الداخل والخارج تحتاج إلى ترتيبات متكاملة وإطار زمني محدد وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين والمهجرين، وتهيئة الظروف الأمنية وضمانات عدم وقوع عمليات انتقامية، بالإضافة إلى استعادة الممتلكات الخاصة بالنازحين وحصر الأضرار وجبر الضرر للنازحين والمهجرين، وهذا يحتاج إلى استراتيجية متكاملة. أعتقد أن تشكيل مثل هكذا لجان يهدف إلى إظهار نوع من الاهتمام بهذا الملف؛ للدعاية الإعلامية والصرف المالي فقط للجان التي تُشكل ولن تكون لها أية نتائج عملية.

اقرأ أيضاً: ناقوس خطر تونسي من تسلل الإرهابيين عبر الحدود مع ليبيا

وأضاف: “لقد فشلت الحكومة الليبية في معالجة ملف النازحين داخلياً، فكيف بها أن تنجح في تسوية ومعالجة ملف المهجرين بالخارج، ناهيك بوجود مخاوف كبيرة لدى المهجرين في الخارج؛ من بينها الضمانات الأمنية في الحماية ما بعد العودة التطوعية، بالإضافة إلى ضمانات جبر الضرر وتعويض عن الأضرار الناجمة عن العبث بممتلكاتهم. الظروف السياسية نعم تعتبر مهيأة لعودة المهجرين والنازحين بالداخل والخارج؛ ولكن أمنياً تحتاج إلى وضع ترتيبات أمنية تكفل عدم حدوث أي خروقات أمنية أو عمليات انتقامية ضد المهجرين الذين يرغبون في العودة إلى أرضهم”.

وتؤيد الصحفية التونسية المختصة في الشأن الليبي نرجس مناعي، ما ذهب إليه رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا؛ إذ أعربت عن عدم ثقتها في نجاح التحركات التي تجريها السلطات الليبية لحل ملف المهجرين في تونس، معتبرةً أن ضمانات عودتهم ومباشرة حياتهم السابقة غير متوفرة.

نرجس مناعي

وقالت لـ”كيوبوست”: الليبيون الهاربون إبان الثورة الليبية كانت هجرتهم إرادية وغير إرادية؛ باعتبار أن كل المهاجرين كانوا ينتمون إلى النظام السابق؛ ومنهم من كان متورطاً في بعض الملفات. وغالبية مَن هاجر إلى تونس كان من توعد داخلي؛ لأن الثورة تحولت إلى حرب أهلية وانقسام داخلي كبير جداً؛ حتى المحسوبين على الثورة نفسها انقسموا في ما بينهم؛ وهو ما يجعل ملف المهجرين الليبيين في غاية التعقيد، وأعتقد أن ملف التسوية مبدئياً غير مضمون. إننا ندرك جيداً أن البنية التحتية عرفت دماراً وخراباً. هذا فضلاً عن عدم حسم أزمة النازحين في الداخل؛ حيث تؤكد كل التقارير أن أوضاع الليبيين النازحين في ليبيا سيئة وأن حالة الاستقرار النسبي في السنتين الأخيرتين لم تنجح في إيجاد حل لأزمتهم؛ ولكن هذا لا ينفي الإقرار بأنه في حال نجاح السلطات الليبية في معالجة ملف المهجرين الليبيين سواء في تونس أو في أي بلد آخر ستكون بمثابة إنهاء لأزمة كبيرة”.

اقرأ أيضاً: “إخوان” ليبيا يهجرون المواطنين المؤيدين لحفتر قسرًا

وتأتي تحركات السلطات الليبية بشأن مواطنيها المهاجرين خارج البلاد في وقت لم تنجح فيه بعد في حسم أزمة النزوح الداخلي التي ما زالت قائمة؛ حيث يعاني النازحون من محافظات البلاد بسبب سنوات الفوضى والاقتتال أوضاعاً صعبة، بينما لم تنجح الحكومات الليبية المتعاقبة في إيجاد حل نهائي لهذه المعضلة.

وقدرت المفوضة السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، عدد النازحين داخلياً والمسجلين لديها بأكثر من 278 ألف شخص بانتهاء عام 2020، وتؤكد، في تقرير لها، أن عدد النازحين تراجع قليلاً عن عام 2019 نتيجة لوقف إطلاق النار.

الليبيون النازحون في الداخل يواجهون ظروفاً صعبة- (صورة وكالات)

وحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة فإنه في الفترة بين أكتوبر وديسمبر 2020 عاد أكثر من 37 ألف شخص إلى ديارهم بزيادة تقريباً من 567.800 إلى 605.000 عائد.

وفي المقابل، انخفض عدد النازحين داخلياً الذين تم تحديدهم في ليبيا من أكثر من 316.400 شخص إلى ما يقارب 278.200 نازح داخلياً بحلول نهاية ديسمبر سنة 2020.

اقرأ أيضاً: أردوغان يراوغ لتعطيل خروج مرتزقته من ليبيا

ولا يزال عدد العائدين منخفضاً بسبب نقص الخدمات الأساسية ووجود الأخطار المتفجرة؛ لا سيما في الأجزاء الجنوبية من طرابلس. وتشير بيانات المركز الليبي للإجراءات المتعلقة بالألغام إلى أن 15 شخصاً قتلوا 85 آخرين خلال عام 2021 من جراء أخطار المتفجرات في طرابلس وسرت. ولا تزال الأخطار المتفجرة تكتشف وتجري إزالتها للتخلص منها. وبوجه عام، فمنذ مايو 2020، أسفرت المخلفات المتفجرة عن مقتل ما لا يقل عن 88 شخصاً وإصابة 136 آخرين؛ أكثر من 67 في المئة منهم كانوا من المدنيين، بينما كان الآخرون من فرق إزالة الألغام من وزارتي الداخلية والدفاع.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة