الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل تنجح تشاد في حل الأزمة الليبية؟

الشريط الحدودي بين البلدين جغرافية مثالية لتهريب الأسلحة والبشر علاوة على تنامي وجود بعض الجماعات المسلحة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

سريعاً جداً بُعيد انهيار نظام معمر القذافي في ليبيا، اشتعلت الحدود الجنوبية للبلاد التي تمتد بطول حوالى 1774 كيلومتراً بمحاذاة السودان وتشاد والنيجر، منها 1052 كيلومتراً تمثل الحدود الليبية التشادية، حيث أصبحت خارج إمكانية الضبط والمراقبة، ومعبراً مثالياً لتهريب البشر والسلاح والمخدرات، والأنشطة غير القانونية المختلفة.

الآن يحاول الفريق محمد إدريس ديبي الشهير بـ(كاكا)، رئيس المجلس العسكري الانتقالي، استعادة ضبط الحدود بالتعاون مع السلطات الليبية، حيث التقى الأسبوع الماضي بإبراهيم بوشناف مستشار الأمن القومي الليبي، من أجل تدخل إفريقي ناجع لحل المعضلة الليبية، إذ صرح كاكا بأن الحل في ليبيا لن يكون إلّا إفريقيا.

بيد أن نظرية الحل الإفريقي لأزمات القارة تبدو دائماً كحلم مثالي جميل، لكنه غير واقعي، فالأزمة الليبية متعددة الأطراف، وتديرها دول كبرى تتصارع من أجل السيطرة على الموارد، والحصول على مزايا تفضيلية في مهمات إعادة بناء البلد الذي تم تخريبه بشكلٍ مثير للحسرة والرثاء.

اقرأ أيضاً: باثيلي موفداً أممياً إلى ليبيا.. هل يصلح العطار السنغالي ما أفسد الفرقاء؟

بالنسبة للوساطة التشادية، فإن حظوظها في النجاح تكاد تكون قليلة جداً، فقبائل التبو التي تعيش بجانب والطوارق في جنوب ليبيا وشمال تشاد تقود تمرداً مُسلحاً ضد الفريق محمد كاكا، الذي لقي والده الرئيس السابق إدريس ديبي حتفه في أبريل 2021، خلال مواجهة عنيفة في شمال البلاد مع قوات المُتمردين القادمة من ليبيا، بزعامة محمد مهدي علي.

تصريحات الفريق “كاكا”، خلال لقائه مستشار الأمن القومي الليبي بالقصر الوردي في أنجامينا، بأن بلاده لن تألو جهداً في سبيل عودة الاستقرار إلى ليبيا، والثناء الذي أسبغه المستشار “بوشناف” على العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين، وتأكيده أنّ بلاده لن تتوان عن تقديم الدعم لتشاد، حكومة وشعباً، لن يغيرا من الواقع كثيراً حيث تشهد تشاد نفسها أوضاعاً غير مسبوقة، مع توالي الاحتجاجات على استمرار نجل الرئيس الراحل في السلطة التي تقلدها وريثاً لأبيه، خاصةً بعد مقتل نحو أكثر من 50 شخصاً بينهم 10 عناصر أمنية في مظاهراتٍ عارمة شهدتها العاصمة التشادية الأسبوع الماضي.

أربعة حروب.. وهزيمة

قطاع أوزو حيث دارت رحى حرب التبيستي بين تشاد وليبيا- وكالات

بالنسبة للنعيم ضو البيت، الباحث في الشؤون الإفريقية، فإنّه نظرياً يمكن القول بأنّ العلاقات الليبية التشادية لم تكن مستقرة طوال وجودهما الأزلي مجاورين لبعضهما، فقد ظل عدم الاستقرار السمة الأبرز.

يضيف ضو البيت، في حديثه لـ”كيوبوست”، إن دخول تشاد على خط الأزمة الليبية إنما ناتج عن رغبة أنجامينا في تسكين الأوضاع الداخلية المتوترة في تشاد، حيث خلفت سيولة الأوضاع الأمنية في ليبيا آثاراً عميقة على استقرار الإقليم برمته، ولن تكون تشاد استثناءً بالضرورة، خاصة أنها تمتلك أطول حد برّي معها، ما عرضها إلى موجات من الهجرة العكسية، عقب انهيار نظام معمر القذافي، حيث أصبح الشريط الحدودي جغرافية مثالية لتهريب الأسلحة والبشر، علاوة على تنامي بعض الجماعات المسلحة على الحدود والتي كانت غنمت الكثير من السلاح من مخازن جيش القذافي، ما تسبَّب أيضاً بإشعال النزاعات الطائفية والاقتتال بين الجماعات العرقية في الجنوب الليبي.

النعيم ضو البيت

تاريخياً يسرد ضو البيت، خاضت ليبيا وتشاد أربعة حروب بين عامي 1978 و1987، وذلك بسبب طموح القذافي في السيطرة على قطاع أوزو شمالي تشاد، والذي ادعى أنه جزء من ليبيا، وفقاً للاتفاقية الإيطالية الفرنسية الموقعة عام 1935. ورغم انتصارات قوات القذافي في البداية فإن الحرب انتهت بهزيمة مروعة لقواته بعد الدعم الفرنسي الكبير الذي قدمته لتشاد، وإن بقي القطاع تحت السيطرة الليبية حتى عام 1994، حين انسحبت منه تنفيذًا لقرارات الأمم المتحدة، إلا أن سكان القطاع لا يزالون يعانون ازدواج الهوية، وقد صدر مؤخراً قرار من قبل وزير الداخلية بحكومة الوفاق فتحي باشاغا قراراً بشأن أحقية مواليد أوزو ممن يحملون أرقاماً وطنية بمنحهم جوازات سفر ليبية، فيما اعتبر مستشار الأمن القومي بالحكومة المؤقتة إبراهيم بوشناف القرار محض ترهات، وطالب بعدم الالتفات إليه باعتبار أن مواطني أوزو تشاديين، لا يحق لهم الحصول على الهوية الليبية، واعتبر قرار باشاغا مساساً بالهوية الوطنية، كون أن الإقليم خاضع لسلطة دولة أخرى، وأن محكمة العدل الدولية أصدرت في 3 فبراير 1994 حكمها في النزاع بتبعية القطاع إلى تشاد، وأن ليبيا قبلت الحكم التزاماً بما نصت عليه المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة، وانسحبت من أوزو.

اقرأ أيضاً: هل “حان الوقت” لرحيل فرنسا عن تشاد؟

سقف منخفض

متمردون تشاديون في شمال البلاد- وكالات

تعقيدات وتشابكات عديدة تسِم العلاقات الليبية التشادية، الأمر الذي يُخفّض سقف التوقعات من الوساطة التي اقترحها الفريق “ديبي الابن”، فبين البلدين الكثير من الأزمات التي تجعل أي وساطة تقودها أنجامينا مشكوكاً فيها، ومحل اعتراض مبدئي، فالحرب الليبية التشادية وانطلاق المعارضات المسلحة من هذا البلد إلى ذلك، والنزاعات العرقية على طول الشريط الحدودي، كلها أمور قد تخلط أوراق أي وساطة تشادية محتملة، وتطيح بها قبل أن تبدأ.

 بعد وقتٍ وجيز من إعلان ليبيا دولة مستقلة، وضعت حكومتها معايير للحصول على المواطنة الليبية، وهي ذات الشروط التي لا تزال مطبقة حتى الآن، ونسبة لأسلوب حياة التبو والطوارق الرحَّل والمهمَّشين، فإن عدداً قليلاً منهم حصل على الهوية الليبية، ولا تزال أعداد كبيرة منهم تنتقل بين الدول دون أوراق ثبوتية، فيما فاقمت التباينات الثقافية والعرقية من إقصائهم عن التمثيل والاندماج في الدولة الحديثة، فحتى كتب التاريخ التي وُضعت في عهد القذافي والتي اعترفت على مضض بالأصول الأمازيغية للطوارق تجاهلت تماماً قبيلة التبو؛ حيث يصفهم معظم الليبيين الآخرين؛ إما أفارقة أو تشاديين أو غير ليبيين، بالرغم من أن الجيش الليبي ضم منذ تكوينه مجندين كثيرين من التبو، بما في ذلك حرس الملك السنوسي ومعمر القذافي الذي عرض في سبعينيات القرن الماضي على منسوبي التبو ممن لم يكونوا يملكون الجنسية الليبية الحصول عليها مقابل دعمهم سياسياً له في المطالبة بضم قطاع أوزو إلى ليبيا، كما قدم لاحقاً دعماً كبيراً للمتمردين التشاديين من التبو ضدّ الحكومة التشادية في أنجامينا، وشجَّع جيلاً جديداً منهم على الدخول في القوات المسلحة واكتساب الجنسية الليبية.

اقرأ أيضاً: إدريس ديبي.. سيرة حافلة بالمغامرة ونهاية دموية غامضة!

تاريخ من المؤامرات

الرئيسان الليبي والتشادي السابقان، القذافي وديبي- وكالات

بيد أن معمر القذافي عاد ليخوض ما عرف بحرب التبيستي ضد أبناء التبو التشاديين، بقيادة زعيمهم غوكوني عويدي بعد تاريخٍ من التعاون بينهما، وبدأ في تشجيع بعض القبائل التشادية والنيجرية ذات الأصل الليبي مثل أولاد سلمان وورفلة بالعودة إلى البلاد، وسمح لها بالاستقرار في سبها لمقارعة التبو، وقد خاضت قبيلة الزوي العربية معارك طويلة مع التبو حول الموارد المائية والأراضي الزراعية، وعمدت بدعمٍ من اللجان الثورية التابعة للقذافي إلى هدم أحياء التبو في الكفرة وسبها، ولذلك لم يكن مفاجئاً انضمام التبو إلى الثورة ضد القذافي في وقتٍ مبكر، إلاّ أن معمر القذافي عاد في 23 مايو 2011، ليصدر قراراً نقيضاً يقضي بمنح جماعة التبو المسجلين في أوزو حقوق المواطنة كوسيلة لكسب دعمهم ضد المتمردين، وحصلت الجماعة -فضلاً على ذلك- على كميات كبيرة من الأسلحة، بحيث مكنتها لاحقاً بعيد انهيار نظام القذافي من استعادة السيطرة على مناطقها التاريخية، بما في ذلك مدينة الكفرة التي تمتد إلى الحدود الجنوبية الشرقية مع السودان وتشاد، بجانب سيطرتهم على قاعدة الويغ العسكرية جنوب شرق سبها على حدود النيجر، وكذلك بلدة القطرون وهضبة أم أرانب وبلدتّي زويلة ومرزق.

عمر حسنين

بالنسبة للمحلل السياسي المختص بالشؤون الإفريقية، عمر حسنين، فإن تشاد لن تنجح كوسيط في الأزمة الليبية لأنها طرف غير محايد، وفاعل بحضور سياسي وعسكري، حيث شكل التشاديون المهاجرون أكبر مجتمعات جنوب الصحراء الكبرى التي استقرت في ليبيا، بعددٍ يقدر بحوالي نصف مليون نسمة، حصل كثيرون منهم على الجنسية الليبية، وانخرطوا في القتال الدائر هناك.

يضيف حسنين متحدثاً لـ”كيوبوست”، لا تزال المناطق الرمادية على الحدود بين البلدين تمثل بؤراً لعبور المرتزقة والمتمردين وتجار البشر والسلاح والمخدرات وقطاع الطرق، فضلاً على أن ليبيا نفسها في ظل حكم القذافي القوة الرئيسية المزعزعة للاستقرار في دول الجوار، خاصة تشاد التي خاضت ضدها حرب التيبستي في قطاع أوزو، ثم تعهد القذافي بمنع الاستقرار في تيبستي، حيث يعيش العديد من قبائل التبو التي تخشاها الحكومة التشادية الحالية، بحكم تسليح أبنائها المتقدم خاصة ممن كانوا يعملون ضمن طاقم الحرس المدني الليبي.

يلفت حسنين إلى أمرٍ آخر، وهو وجود 5 فصائل على الأقل يقدَّر عدد منسوبيها بـ 25 ألفاً، من المعارضة التشادية في الجنوب الليبي بالقرب من مدن سبها وأم الأرانب ومرزق التي تسيطر عليها جماعة التبو، إذ بإمكانهم استخدام منطقة تيبستي الجبلية الاستراتيجية في المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والنيجر لقتال القوات الحكومية التشادية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة