الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل تمردت ميليشيا “العصائب” العراقية على أوامر إيران؟

حديث عن وقوع خلافات حادة بين إيران وبعض فصائل ميليشيات الحشد الشعبي الغاضبة من عدم الرد على مقتل سليماني وأبي مهدي المهندس مع اقتراب ذكرى عام اغتيالهما

كيوبوست- أحمد الدليمي

أجبرتِ الهجمات الصاروخية العنيفة على السفارة الأمريكية في العاصمة العراقية بغداد، والتي تشنها الفصائل الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران، الولايات المتحدة الأمريكية على القيام بتهديد طهران مباشرة، والتلويح بتوجيه ضربة عسكرية قاصمة إذا لم توقف تلك الفصائل عند حدها، وتحذرها من مغبة مواصلة استهداف مقر سفارتها ببغداد.

اقرأ أيضاً: ميليشيات الحشد الشعبي.. دولة إيرانية داخل الدولة العراقية

وعلى الرغم من تحذير الإيرانيين لتلك الفصائل بالكف عن مهاجمة الأمريكيين؛ فإن بعض الفصائل المسلحة لم تنصع لتلك التحذيرات؛ وهي الآن تتمرد على أوامر طهران، وتواصل استهداف المصالح الأمريكية في العراق، وتهددهم علناً بمنازلة قريبة انتقاماً لقاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، ونذكر منها كتائب عصائب أهل الحق التي يتزعمها قيس الخزعلي، وكتائب “حزب الله”؛ اللتين أضحتا أول جهتَين مسلحتَين في العراق تعملان خارج السيطرة الإيرانية.

عناصر من الميليشيات تحطم نوافذ زجاج السفارة الأمريكية ببغداد- وكالات

وكانت ميليشيا العصائب نفَّذت مؤخراً عدداً من الهجمات بالصواريخ ضد السفارة الأمريكية في بغداد، وضد القوافل الأمريكية في أنحاء متفرقة من العراق، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، من دون التنسيق مع أي من الفصائل الأخرى المرتبطة بإيران.

اقرأ أيضاً: هل تغلق السفارة الأمريكية أبوابها في بغداد؟!

خلافات.. ولكن

وقلَّل النائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي، من وجود خلافات عميقة بين طهران والميليشيات الشيعية، أو داخل الفصائل نفسها؛ بمختلف مراكز قواها وأجهزتها الأمنية والاستخبارية والعسكرية.

 وعلَّق الشيخ علي لـ”كيوبوست” قائلاً: “ما يُشاع بأن هناك خلافات حادة بين الميليشيات من جهة ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي من جهة أخرى، مجرد مسرحية؛ لأنه في نهاية المطاف هناك اتفاق بين الميليشيات وإيران، بدليل أن الميليشيات العراقية لا تتصرف ولا تُقدِم على أي عمل إلا بمشورة واستشارة طهران، وتكرار نفي الفصائل المسلحة بعد كل عملية تستهدف السفارة الأمريكية مجرد تضليل للرأي العام، وغالبية الهجمات هي بإيعاز وتوجيه إيراني من قِبل مراكز القرار الإيرانية”.

فائق الشيخ علي

وأوضح النائب العراقي أن إيران هي التي تزوِّد الميليشيات في العراق بالصواريخ، وهي التي تحدد أماكن العمليات المستهدفة وتوقيت شنِّها، لافتاً إلى أن هذه الميليشيات الآن “تخطط لخوض الانتخابات القادمة بقوة والتمسك بالسلطة والسيطرة على البرلمان القادم، وتخطط للاستيلاء على الحكم وحصره بأبيديها”.

ويتفق المحلل السياسي العراقي عبدالجبار المشهداني، مع رأي الشيخ علي بأنه لا يوجد صراع خفي أو عميق مع بعض الفصائل الشيعية الولائية التي تتبع الولي الفقيه أو الحرس الثوري وإيران، نافياً، في تعليقه لـ”كيوبوست”، وجود تمرد مسلح شيعي؛ وإنما هو صراع على النفوذ بين هذه الفصائل الولائية العقائدية بالعراق، والكل يريد أن يفرض نفوذه ويستحوذ على مناطق نفوذ جديدة، وهي الآن باتت تتقاسم مناطق اقتصادية بعضها يقع في غرب العراق وصلاح الدين وحزام بغداد؛ حيث يتنوع دخل هذه الفصائل شهرياً بين تهريب النفط وفرض الإتاوات على المزارعين ومصدِّري الأسماك، وهذا في حقيقته أصل الخلاف.

عبدالجبار المشهداني

ولفت المشهداني إلى أن زيارة قائد “فيلق القدس” الإيراني مؤخراً إلى بغداد كانت في حقيقتها إعادة لضبط المشهد والسيطرة عليه، ويبدو أن الأمور انفلتت، ونحن الآن ذاهبون باتجاه مواجهة بين هذه الفصائل في القريب العاجل، مشيراً إلى أن العراق مقبل على سيناريوهات خطيرة.

اقرأ أيضاً: مصدر عراقي لـ”كيوبوست”: “حزب الله” اللبناني يتدخل في العراق لإنقاذ مصالحه الاقتصادية

صراع النفوذ في إيران

من جانبه، علَّق الكاتب الإعلامي العراقي محمد السيد محسن، لـ”كيوبوست”، قائلاً: “إن ما يجري في العراق اليوم من فرض قوة أصحاب السلاح وتقزيم دور الحكومة ومؤسساتها، هو بسبب الخلط الممنهج للمرجعيات الإدارية والعقائدية والسياسية في مرجعية واحدة هي صاحبة الفتوى والقيادة؛ فالسلوك الإيراني مع الأحزاب العراقية لم يتغيَّر مذ كانت معارضة لنظام صدام حسين وحتى الآن، وعندما استلمت هذه الأحزاب زمام السلطة في عراق بعد 2003؛ حيث كانت تلك الأحزاب (الإسلاموية) المقيمة في إيران تتبع بشكل إداري مؤسسات أمنية إيرانية مختلفة، وبقي هذا النهج إلى يومنا هذا.

فتجد أن الصراع الأساسي هو بين تلك المؤسسات؛ ما ينعكس بشكل خفي على الأحزاب، وقد تنامت هذه الظاهرة بعد 2014، ببروز تشكيلات حزبية مسلحة سعَت إلى الحصول على مكتسبات السلطة من خلال وجودها في البرلمان العراقي، وسيطرتها على وزارات ومؤسسات حكومية باتفاق سياسي بين الأحزاب، ضمن ما يُسمى بنظام (المحاصصة)”.

محمد السيد محسن

وحسب محسن، تتشكَّل القوى الأمنية الإيرانية من مؤسسات حكومية وأخرى ثورية؛ منها” قرار كاه” الداعمة لكتائب “حزب الله”، والحرس الثوري الإيراني “سباه باسدران” الداعمة لفصائل عراقية عديدة؛ منها منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء.

وأضاف محسن أن المسؤول الأمني لكتائب “حزب الله” أبا علي العسكري، والذي هدد في تغريدة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بقطع أُذنه، حين كتب للكاظمي: لن تحميه الاطلاعات الإيرانية ولا وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية؛ هو أمر يؤكد أن الجهة الإيرانية التي ترعى كتائب “حزب الله” العراقية لا تنتمي إلى إيران الدولة، وإنما إلى إيران الثورة.

والاطلاعات الإيرانية هي مؤسسة حكومية إيرانية كان يتبع لها تنظيم حركة المجاهدين قبل تفككه وتحول معظم قادته إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة محمد باقر الحكيم.

اقرأ أيضاً: سيناريوهات الرد على التهديدات الإيرانية للقوات الأمريكية في العراق

بدوره توقع الخبير الأمني مجاهد الطائي، أن هناك سيناريوهَين منطقيَّين لما يجري في العراق؛ الأول هو وجود تمرد حقيقي داخل ميليشيات الحشد، بعد رحيل سليماني والمهندس، أدى إلى تمرد وانشطار حشد العتبات وتفكك ميليشيا الخراساني، وزيادة التنافس داخل هذه الميليشيات على النفوذ والمال والمصالح، وقيادة المشروع الإيراني في العراق، مع وجود أنباء عن خلافات بين الحرس الثوري وقوة القدس؛ وهي حالة طبيعية في علاقة الوكلاء بالراعي في العلاقات الدولية.

مجاهد الطائي

أما السيناريو الثاني، فهو تكتيك إيراني جديد قبيل رحيل إدارة ترامب؛ لتفكيك فكرة اتهام إيران بشكل مباشر على أفعال وكلائها من الميليشيات في العراق، والتنصل من المسؤولية، مع حصد النتائج عن طريق إحداث خلاف شكلي لإرباك الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة؛ خصوصاً مع وجود مفاوضات غير مباشرة بين طهران وممثلين عن إدارة بايدن.

وما فعلته حكومة الكاظمي قبل أيام من اعتقال أحد المسؤولين عن إطلاق الصواريخ، لم يكن سوى تكرار لنفس السيناريو الذي تعرضت إليه ميليشيات كتائب “حزب الله” بعد اعتقال 14 عنصراً ثم الإفراج عنهم، إثر تهديد عوائل عناصر القوة الأمنية التي أسهمت في اعتقالهم والقيام باستعراض للقوة في شوارع بغداد.

وتكرر أيضاً مع ميليشيا “ثأر الله” في البصرة، بعد اعتقال عدد من عناصرها ومصادرة مقرها، ثم إطلاق سراحهم واستعادة المقر؛ وهو ما تكرر مع العصائب، لذا قد يكون هناك رفع للغطاء من قِبل إيران لتقليم أظافر ميليشيا العصائب؛ لكن في حدود إعادتها إلى بيت الطاعة الإيراني.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

أحمد الدليمي

مراسل العراق

مقالات ذات صلة