الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

هل تمتلك إرادة حرة حقًا؟ علماء نفس يجيبون

هل هنالك إرادة كاملة بالفعل؟

ترجمة كيو بوست –

“إذا كنت تمتلك حقًا إرادة حرة، فكيف يمكنك إثبات ذلك؟” أثار هذا التساؤل أستاذ عالم النفس الاجتماعي في جامعة براون الأمريكية، يواكيم كروجر، في مقالته على مجلة “سايكولوجي توديه” الأمريكية.

يرى علماء معاصرون أن الإرادة الحرة هي ذلك الحاجز الذي يقع بينك وبين الفوضى الكلية. فبدون الإرادة الحرة، ستتجول في الشوارع، وتغتصب، وتنهب، وتحرق. إلا أن هذا التفكير سطحيّ ومبتذل، وليس من المنطق أن نعتقد أن “المسؤولية” ستغيب في حال غياب الإرادة الحرة. في الحقيقة، مبدأ “العقاب” هو الراعي الرئيس لخاصية “الشعور بالمسؤولية” بين الأفراد، وهذا هو محفزك الرئيس عند التفضيل بين ما هو صحيح وخطأ. وفي هذا السياق، يختار المرء السلوك الذي يجنّبه العقوبة وفقًا لتنبؤاته المسبقة، وهذا ما نسميه في علم النفس المعاصر “فكرة الردع”، التي تتعارض كليًا مع الإرادة الحرة.

بينما يرى الكثيرون أن الإرادة الحرة ترتبط بالدين؛ ذلك أن الأديان تحثّ على التحلي بالإرادة التي منحها الله للإنسان، كي يبتعد عن ميوله الشريرة، ويتمسك بما هو خير. ومن أشد مناصري هذه النظرة هو عالم النفس الأمريكي روي باوميستر.

يعتقد “باوميستر” أن الإرادة الحرة تتجلى عند مقاومة الإغراء، مما يصب في مصلحة الفرد على المدى الطويل؛ أي الخلاص. على سبيل المثال، قد ترغب في كوب آخر من الخمر، ثم تقرر بعد صراع داخلي ألا تشرب المزيد، لأنك ستقود السيارة، أو لأنك تعاني من مرض في كبدك. وفي هذا السياق، يرى “باوميستر” أن الإرادة الحرة تحققت عندما انتصرت على نفسك. والطبع، هذا هراء، وليست هكذا الإرادة الحرة.

إن ميولك للشرب من عدمه مجرد دوافع داخل نظام النفسي. الخيار الأول يدلل على الخوف من الآخرين أو المرض، والخيار الثاني يدلل على الجشع (شرب المزيد). وبالطبع، استندتَ في ميولك إلى الخيار الأقل ضررًا، ولم تدرك من الذي انتصر: الإرادة أم “الإرادة الحرة”.

يرى الفيلسوف الأمريكي جون سورل أن القدرة على اتخاذ قرار بتحريك الأشياء تعبر بالضرورة عن الإرادة الحرة، وقد ضرب مثالًا على ذلك بالقول: “قرر أن ترفع يدك، ثم افعل ذلك”. ولكن، هل يمكن اعتبار ذلك مثالًا حقيقيًا على الإرادة الحرة؟ وهل تحققت الإرادة الحرة هنا؟ بالطبع لا.

في المثال السابق، ما تحقق بالفعل هو قدرتك على التخطيط وتنفيذ سلوك ما، فقط. يعتقد الفيلسوف الأمريكي “جستن كروجر” أن إدراكك الواعي لهذه التجربة ليس محل خلاف، وربما يكون جزءًا من سلسلة سببية، لكن الإرادة الواعية بذاتها ليست حرة، وليست حتى جزءًا من السلسلة السببية التي تقود إلى السلوك. وللتوضيح، إن إرادتك لرفع يدك حرةٌ، بمعنى أنها غير مقيدة بأغلال، لكنها ليست حرة من الظروف والأسباب المحيطة. وهنا، يجب عدم الخلط ما بين القدرة على التصرف “طواعية” والقدرة على التصرف “بحرية”. الحيوانات قادرة على تحريك الأشياء “طواعية”، ولكن دون “إرادة حرة”، وهنالك فرق بين “الإرادة” و”الإرادة الحرة”.

وعلى المنوال ذاته، يرى البعض أن الإرادة الحرة تكمن في القدرة على الاختيار. على سبيل المثال، يمكنك أن تختار الشاي بدلًا من القهوة، أو السير باتجاه الغرب وليس الشرق، إلا أن هذا لا يثبت شيئًا سوى حتمية “الحاجة” لأحد الخيارات، وهو ما يدحض فكرة الإرادة الحرة.

أما عالم الأحياء “كين ميلر”، فيعتقد أن “التطور” هو ما أوجد الإرادة الحرة. ولكن الإرادة الحرة تجاوزت وطغت على منطق التطور بذاته، وهذا ما شدد عليه عالم النفس “كروجر” خلال حديثه مع أحد الملحدين، الذي يعتقد أن الإرادة الحرة مجرد وهم.

وأخيرًا، من المسلمات أن تجربة الإرادة الحرة مغروسة في الوعي، لدرجة أن محاولة إظهارها سيكون من الغباء الكبير. في الحقيقة، تتحقق الإرادة الحرة بتوفر عنصرين أساسيين؛ الحاجة والصدفة، وهذا ما لا يمكن إثباته على الإطلاق.

 

المصدر: مجلة “سايكولوجي توديه” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة