الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل تكون ألمانيا بديلاً لفرنسا في مالي؟

على الرغم من ترحيب النظام العسكري الحاكم في مالي بقوات فاجنر الروسية فإن الصدام بينها وبين القوات الدولية أمر مستبعد

كيوبوست

تنهي فرنسا وجودها العسكري في مالي بعد 9 سنوات من التدخل في إطار بعثة الأمم المتحدة بنهاية الشهر الجاري، بعد 9 سنوات من التدخل العسكري، بدأت عام 2012 بعد انقلاب عسكري، وصعود للجماعات المتطرفة في مواجهة الجيش المالي في حربٍ لا تزال مستمرةً على الإرهاب في مالي حتى الآن.

وتدخلت فرنسا في مالي مطلع 2013 استجابة لطلب الرئيس المؤقت -آنذاك- ديانكوندا تراوري الذي ناشد المجتمع الدولي بضرورة التدخل لحماية الجيش المالي في حربه ضد الإرهاب، ولمنع انهيار الدولة بعد شهورٍ من القتال مع الجماعات المتطرفة التي عاد بعضها من ليبيا عقب سقوط نظام القذافي، بوقتٍ جاءت مناشدة الرئيس المؤقت آنذاك للمجتمع الدولي لحماية بلاده من الانجرار لمستنقعٍ لا مخرج منه.

اقرأ أيضاً: خشية التحاقهم بفاجنر.. الاتحاد الأوروبي يُجمِّد التدريبات العسكرية للجنود الماليين

تراوري الذي صعد للسلطة قبلها بفترة وجيزة بموجب انقلابٍ نفذه عسكريون لانتقادهم عدم حماية الرئيس للبلاد من الجماعات الإرهابية، نجح بموجب ما قدمه من معطيات، وما حصل عليه من دعمٍ دولي، في استصدار القرار الأممي 2085، وهو القرار الذي يتم تجديده سنوياً طبقاً للمادة 51 بالفصل السابع في الميثاق الأممي.

أنهت فرنسا وجودها العسكري في مالي بعد 9 سنوات

دور فرنسي فعّال

وعملت القوات الفرنسية بشكلٍ سريع فور التدخل من أجل حماية العاصمة واستكمال تشكيل قوات التدخل الإفريقية بجانب التحرك لاستعادة شمال مالي من أيدي الجماعات المتطرفة، وهي التحركات التي جرى استكمالها بإطلاق عملية برخان في 2014 من مقر القوات الفرنسية في تشاد، والتي امتدت لتشمل مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، ووزعت القوات على 4 قواعد عسكرية بين مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر.

وخلال تواجدها العسكري في مالي، لجأت فرنسا لاستخدام المروحيات التابعة للقوات الخاصة والموجودة في بوركينا فاسو، وطائرات ميراج المتمركزة في تشاد لتعزيز قدرتها الجوية التي وفرت غطاء لتأمين القوات الدولية بالتحركات العسكرية، والتعامل مع الجماعات المتطرفة، بوقتٍ لم يقتصر فيه الدور العسكري الفعال على فرنسا وشركائها الأوروبيين، ولكن أيضاً امتد ليشمل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الإيكواس.

حظي الوجود العسكري في مالي باهتمام رئاسي- وكالات
د. إدريس لكريني

يعتقد أستاذ العلاقات الدولية مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات بجامعة القاضي عياض، إدريس ليكرني، أن العمليات المتعلقة بإرساء السلام في مالى ومنطقة الساحل، بشكلٍ عام، والتي قادتها القوات متعددة الجنسيات بإطار الأمم المتحدة فشلت فشلاً كبيراً بالنظر إلى أنها اتخذت طابعاً عسكرياً فقط، ولم تسهم بشكلٍ واقعي وملموس فى إرساء السلام، والقضاء على الجماعات الإرهابية التي ظلَّت تتمدد، معتبراً أن فرنسا -وباقي الدول المشاركة في القوات- لم تُرسِ أسسَ مكافحة العوامل الحقيقة للإرهاب والتطرف.

وأضاف أن ثمة أساليب كان يمكن اتباعها من أجل تعزيز الممارسة الديمقراطية، وتكثيف الاستثمارات الاقتصادية، وتعزيز خطوات التنمية، بما يساعد على التخلص من الإرهاب، مشيراً إلى أن على المستوى الأمني لا يمكن لألمانيا أن تكون بديلاً للقوات الفرنسية، خاصة في ظلِّ التجارب الألمانية المحدودة في التدخلات الدولية، مقارنة بالتجارب الفرنسية، ليس فقط على المستوى الدولي، ولكن في هذه المنطقة تحديداً.

سيناريوهات مطروحة

محمد إغ إسماعيل

ثمة سيناريوهات مطروحة بعد الانسحاب الفرنسي من مالي، بحسب الباحث السياسي المالي محمد إغ إسماعيل الذي يقول لـ”كيوبوست”، إن فكرة استبدال الدور الألماني بالفرنسي خلال الفترة المقبلة أمر صعب في ظلِّ فلسفة الحكومة الحالية التي تستمد شرعيتها من بروباغندا الوطنية والسيادة، ورفض كل ما هو غربي، خاصة في ظل رفض باماكو بعض قرارات مجلس الأمن، بذريعة الوقوف الفرنسي خلفها.

وأضاف أن فرنسا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام السياسات المالية الحالية التي تعترض مصالحها، ومن ثم فلابد أن يكون هناك شكل من التفاهمات بعد الانسحاب الفرنسي الكامل من مالي، سواء باتفاقٍ لحماية مصالحة من خلال التواجد الالماني، مشيراً إلى أن هناك احتمالاً بزيادة التدهور الأمني في البلاد، على غرار ما حدث في 2012 بما يجعل الحكومة تطلب المساعدة الدولية مجدداً، وترحب بإعادة القوات الفرنسية في وقتٍ لاحق.

اقرأ أيضاً: بين الحرب والحوار.. هل تحقق مقاربة (بازوم) في الساحل ما فشلت فيه برخان؟

وكان البرلمان الألماني “البوندستاج” قد وافق، في مايو الماضي، على تمديدِ مشاركة الجيش الألماني في بعثة الأمم المتحدة بأغلبية 541 نائباً، فيما زادت برلين عناصر قواتها إلى 1400 جندي بإضافة 300 جندي للموجودين هناك، بحسب الناطقة باسم الحكومة الألمانية.

دور ألماني

يونس بلفلاح

صحيح أن ألمانيا لديها أدوار يمكن أن تلعبها في القارة الإفريقية، وخاصة في منطقة مالى والساحل الإفريقي، لكن لا يمكنها لعب نفس الدور الفرنسي، بحسب أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي؛ يونس بلفلاح الذي يقول لـ”كيوبوست”، إن برلين لديها استراتيجية وسياسة انفتاح واضحة على دول الساحل، ليس فقط من أجل الحصول على نفوذٍ سياسي فحسب، ولكن اقتصادي أيضاً، مشيراً إلى أن فرنسا -بخلاف امتلاكها حق الفيتو بمجلس الأمن- فإن سياستها بمنطقة الساحل ارتكزت على مكافحة الإرهاب بشكلٍ رئيسي، وشنَّتِ العديد من الهجمات التي اُستخدم فيها الغطاء الجوي، والأسلحة المتطورة للغاية.

يقدِّر المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإفريقية؛ د.محمد تورشين، النفوذ الفرنسي في مالي باعتباره الأبقى والأكبر في مالي، لكن في المقابل فإن برلين يمكنها أن تعمل بشكلٍ أكبر إذا ما سعَت لتعزيز تواجدها خلال الفترة المقبلة مستفيدة من تنامي الاعتزاز بروح القومية، ورفض كل ما هو أجنبي.

محمد تورشين

وأضاف أن ألمانيا ليس لديها ماضٍ استعماري في هذه المنطقة، بجانب قوتها الاقتصادية أوروبياً، لكن في المقابل ليس لديها وجود ثقافي في مالي ومنطقة الساحل، على العكس من باريس، مشيراً إلى أن التراجع الفرنسي مرتبط بالدور السياسي، وليس الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم إذا ما رغبت برلين في لعب دورٍ أكبر بالمستقبل في المنطقة بشكلٍ حقيقي فعليها أن تعتمد على شراكاتٍ حقيقية على غرار ما قامت به فرنسا خلال العقود الماضية.

ثمة مخاوف من قوات فاجنر الروسية وتحركاتها في مالي

صدام مستبعد

وتشهد العلاقات بين باريس وباماكو توتراً غير مسبوق، منذ وصول النظام العسكري الحاكم للسلطة في أغسطس 2020، بوقتٍ تتحدث تقارير استخباراتية عن استعانة النظام بقوات فاجنر الروسية شبه العسكرية، والتي رصدت تحركاتها عبر القوات الفرنسية عدة مرات في الأشهر الماضية، وسط مخاوف من حدوث اشتباكات بينها وبين القوات الأممية البالغ قوامها 14 ألف جندي.

وقال تقرير نشره موقع “دويتشه فيله” إن برلين تريد ملء الفراغ الناتج عن إنهاء القوات الفرنسية لعملها، لكن التحديات كبيرة، ليس أقلها خطرا الاحتكاك العسكري المحتمل مع قوات فاجنر الروسية، مؤكدة أن زيادة عدد القوات الألمانية مشروط بعدم تعرّض الجنود لخطرٍ كبير نتيجة ضعف الدعم الجوي.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

يقول يونس بلفلاح إن الوضع منذ وصول النظام العسكري الحاكم في مالي بات مختلفاً بشكلٍ كبير، في ظل تقارب النظام مع روسيا، والترحيب بمجموعات فاجنر الروسية التي باتت تشكِّل اليوم جيشاً موازياً للجيش المالي النظامي، وهو ما يعكس تحول الساحة في مالي لموقع منافسة بين فرنسا وروسيا، لافتاً إلى أن هناك اهتماماً فرنسياً بالتعامل مع هذا الأمر والسعي نحو استكمال تحقيق الهدف الرئيسي باستكمال إجراءات مكافحة الإرهاب عبر التنسيق مع ألمانيا، وباقي حلفائها في المنطقة.

يستبعد إدريس ليكرني احتمالية وجود صدام بين القوات الألمانية وقوات فانجر الروسية لعدة أسبابٍ؛ من بينها الكلفة الباهظة حال وقوع اشتباكات بين الطرفين، وانعكاساتها على الأمن في المنطقة، لكن في المقابل يمكن القول إن التنافس الألماني الروسي سيكون اقتصادياً وتجارياً بالمقام الأول، مشدداً على أن أي صراع عسكري بالمنطقة ستكون آثاره سلبية على الجميع من دون استثناء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات