الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

هل تقف العلاقات السعودية- الأمريكية على مفترق طرق حاسم؟

تساؤلات عدة حول تأثيرات نشر تقرير خاشقجي على الشراكة الأمنية والعسكرية العميقة التي بدأت قبل سبعة عقود بين الرياض وواشنطن

كيوبوست

تعالت التساؤلات من بعد نشر إدارة بايدن تقرير وكالة الاستخبارات المركزية المعني بتقييم دور الحكومة السعودية في مقتل جمال خاشقجي. وهذه التساؤلات دارت حول مستقبل الوجود الأمريكي في المملكة والخليج، وعلى تحولات العلاقة بين الطرفين. ولم تقتصر التساؤلات على الجانب الجيوسياسي فحسب؛ بل امتدت إلى جوانب أخرى عسكرية واقتصادية. وهو أمر متوقع؛ فالعلاقة بين العاصمتَين ليست مكوناً أساسياً في معادلات منطقتنا فحسب، بل هي جزء من التاريخ الأمريكي نفسه والمعاصر ككل، يشهد على ذلك التداخل بين أدوار البلدَين خلال مراحل حاسمة من الحرب الباردة، لذا فإن ما يحدث بين الرياض وواشنطن لا يظل فيهما؛ بل تمتد تبعاته إلى إقليمنا والعالم.

هل ولَّى زمن الهيمنة الأحادية؟

احتكرت واشنطن مطولاً مكانة القوة العظمى الوحيدة، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وللوهلة الأولى بدا التفوق الأمريكي بلا عُرضة لأي تهديداتٍ جدية؛ لكن الأوضاع تغيرت، برزت الصين في السنوات الأخيرة كمنافس جاد، ويبدو كذلك أن القوة الأمريكية بدأت تضعف من الداخل، هذا الضعف الداخلي الذي يتجلى في الأزمات السياسية المزمنة، والانقسامات المجتمعية والعرقية، والاختلافات الطبقية والأيديولوجية، وتركز الثروة والنفوذ بشكل متزايد في يد نخبة أهل المال والسياسة.

العلمان السعودي والأمريكي

 ولا شك أن الضعف الداخلي سينعكس على سياسة واشنطن الخارجية؛ وهو ما يشير إليه أستاذ العلوم السياسية من الإمارات د.عبدالخالق عبدالله، في محادثةٍ له مع “كيوبوست”، بقوله: “القوة الأمريكية لم تعد مُسيطرة كالماضي، هذا الانحدار الإمبراطوري أضحى واضحاً للعيان.. وهو يتلاقى مع صعود في نفوذ وقوة دول الخليج.. وأظن أننا سنرى التفاعل بين الانحدار والصعود في الفترة القادمة”. ويستطرد د.عبدالخالق في شرح وجهة نظره: “التخبط الذي نراه في المشهد السياسي الأمريكي، يثير لدينا كحلفاء لواشنطن، عدة تساؤلات وشكوك حول قابلية أمريكا للاستمرار في أدوارها المتعددة في منطقتنا.. لا أقول إن الوجود الأمريكي سينتهي أو أن البدائل جاهزة؛ لكن طبيعته وحجم تأثيره ومستوى تعاملاته، لن تكون كما رأيناه في مراحل سابقة”.

د. عبد الخالق عبد الله

الشراكة التاريخية وتحولات الداخل الأمريكي

ولدى سؤالنا الأكاديمي السعودي د.عبدالله الربح؛ أستاذ علم الاجتماع في جامعة جراند فالي ستيت الأمريكية، إن كانت هذه الحادثة قد تكون الأولى في سلسلةٍ من الحوادث التي ستجعل تأثير الداخل الأمريكي، وبالذات تركيبة الحزب الديمقراطي، كبيراً على العلاقات الامريكية- السعودية؟ أجابنا الربح أولاً بإلقاء إضاءة تاريخية: “على مدى تاريخ العلاقات السعودية- الأمريكية، كانت الإدارات الجمهورية والديمقراطية تحرص على علاقات وثيقة بالمملكة العربية السعودية. ولا ننسى أن بداية هذه العلاقة الاستراتيجية كانت في عهد رئيسٍ ينتمي إلى الحزب الديمقراطي (فرانكلين روزفلت). مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001 شهدت تصعيداتٍ واضحة من السياسيين الديمقراطيين تجاه السعودية؛ بهدف إحراج الإدارة الجمهورية برئاسة بوش الابن. وفي عهد أوباما الديمقراطي كانت الخلافات واضحة بين البلدَين في ما يتعلق بسياسات منطقة الشرق الأوسط؛ حيث دعم الديمقراطيون الربيع العربي الذي أعطى الكثير لجماعة الإخوان المسلمين في عدة دول عربية، إضافة إلى الاتفاق النووي مع إيران، ومثل هذه السياسات لم تكن مرضية للسعودية”.

اقرأ أيضًا: العلاقات السعودية- الأمريكية سوف تصمد

د.عبدالله الربح

ويستطرد الربح في تأريخه لتغيرات العلاقات الثنائية، فيقول: “عندما عاد الجمهوريون إلى البيت الأبيض والهيمنة على مجلس الشيوخ عام 2016 تم كثير من التقارب بين إدارة ترامب وحكومة الملك سلمان، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان. ورغم كل التصعيد الذي حصل في أعقاب حادثة خاشقجي؛ فإنه لم يكن هناك خطوة سلبية واحدة على الصعيد العملي، نظراً لاقتناع إدارة ترامب بأهمية الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، إضافة إلى اعتماده على الأدلة الجنائية المتوفرة التي لا تدعم التصعيد الإعلامي الممنهج، والذي يستهدف شخص ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان”.

ويؤكد الربح أن قوة إقليمية بحجم السعودية لم يكن من الممكن إلا أن تصبح حديث الساعة في أوساط الطبقة السياسية الأمريكية، فيشرح: “نستطيع تشبيه النزاع بين الجمهوريين والديمقراطيين في ما يتعلق بقضية خاشقجي عام 2018 بما حصل في أعقاب 11 سبتمبر 2001؛ حيث مثلت الحادثة مادة دسمة للصراع السياسي بين الحزبَين الأمريكيَّين، فغاية مثل هذا النزاع أبعد من استهداف السعودية، وإنما هي تصفية الحسابات السياسية بين حزبَين بينهما الكثير من الثارات”.

التغيرات العرقية في المجتمع الأمريكي في العقود الأخيرة ظهرت في تركيبة الحزب الديمقراطي

ولكن الربح يتوصل، في تحليله، إلى حقيقة مهمة؛ وهي أن لغة المصالح تغلب كل اعتبار أيديولوجي وشعبوي: “بناء على ما سبق، نستطيع قراءة ما يحصل اليوم في قضية خاشقجي التي تم تحويلها إلى قضية رأي عام في الداخل الأمريكي، وكما نعلم أن الديمقراطيين لهم نفوذ عالٍ في وسائل إعلام رئيسية؛ وفي مقدمتها شبكة الـ(سي إن إن) وصحيفتَي (نيويورك تايمز) و(واشنطن بوست). وعليه، فإن وصول الديمقراطيين اليوم إلى البيت الأبيض وسيطرتهم على الكونغرس ستجعلهم في موقع لا يحوجهم كثيراً إلى الضغط على الجمهوريين، وسيتعاملون مع القضايا الاستراتيجية بما يتوافق والمصالح الأمريكية العليا. هذا يعني الاهتمام بعلاقاتٍ طيبة مع الحلفاء الاستراتيجيين؛ وعلى رأسهم السعودية”.

ويختتم الربح تحليله باستشرافٍ للمستقبل القريب: “ستظل قضية خاشقجي مادة صحفية للاستهلاك الشعبي لفترة قادمة؛ فلا يمكن إغلاق الملف شعبياً بسرعة، لكن القضية ستأخذ طريقها إلى الخفوت؛ بسبب انتفاء الحاجة إليها على مستوى الداخل الأمريكي (أي الضغط على إدارة ترامب). والأمر نفسه ينسحب على بقية شؤون العلاقات الأمريكية- السعودية”.

اقرأ أيضًا: واقعية تصريحات ترامب حول خاشقجي تكشف مدى استهداف السعودية

عن القوة الصلبة نتحدث

كل هذه المؤشرات، تدفعنا إلى التأمل في الصورة الكبيرة بكل أبعادها، والتساؤل حول تأثيرات نشر تقرير خاشقجي على الشراكة الأمنية والعسكرية العميقة التي بدأت قبل سبعة عقود بين الرياض وواشنطن. وفي حديثه مع “كيوبوست”، يحلل د.ظافر العجمي، بانوراما ما يدور، فيقول: “الفراغ الأمريكي في السعودية قرار أكبر من أن يُترك لبايدن حتى ينفرد به، النقطة الثانية هي أن التوجه شرقاً وغرباً ليس بجديد؛ هناك تسلح صيني في السعودية، وكذلك تسلح روسي في الكويت. هناك تسلح من جميع دول العالم في بلدان مجلس التعاون الخليجي؛ صحيح أن السلاح الرئيسي غربي، لكن هذا لا ينفي وجود أسلحة أخرى. والخليجيون يعرفون طريقهم لمصادر سلاح خارج المنظومة الأمريكية”.

د.ظافر العجمي

ولكن العجمي، رغم ثقته بالخيارات المتاحة أمام السعودية والخليج على المدى الطويل، يظل مترقباً لتقلبات اللحظة الراهنة، فيعود ويستدرك قائلاً: “مثل ما أشرت الفراغ الأمريكي أخطر من أن يترك لبايدن منفرداً، وربما هي فورة القدوم إلى البيت الأبيض، وأعتقد مع الوقت ستزول أو ستخف عما هي عليه الآن”.

وفي الجانب الاقتصادي نحلل

ولأن الشراكة بين السعودية وأمريكا متشعبة في مستوياتها وتداخلاتها؛ فإن الضرورة تحتم تفحص التشابك الاقتصادي بينهما، وهو وازن ومؤثر مثل تأثير الجانب السياسي والعسكري. ويفكك لنا الاقتصادي الإماراتي السيد حسين القمزي، هذا التشابك، فيقول: “من منظور اقتصادي، المملكة العربية السعودية هي أكبر منتج للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة. وإن أصبحت الولايات المتحدة مؤخراً غير معتمدة على استيراد النفط، فإن المملكة العربية السعودية هي اللاعب الرئيسي في سوق الطاقة العالمية. من المهم بالنسبة إلى السياسة الأمريكية الاحتفاظ بهذا الحليف إلى جانبها، إضافة إلى أن كثيراً من مداخيل النفط السعودية تجد طريقها كاستثماراتٍ في قطاعات حيوية للاقتصاد الأمريكي؛ كقطاع التكنولوجيا من خلال صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهو أحد أهم المستثمرين العالميين في قطاع التكنولوجيا الأمريكية، وكذلك بدائل الطاقة كالسيارات الكهربائية؛ مثل (تسلا) و(لوسيد). السعودية كذلك تبقى أكبر مشترٍ للسلاح الأمريكي”.

جمال خاشقجي

ويشرح القمزي الثمنَ الباهظ في حال خسارة واشنطن الرياض، وكذلك أهمية التغييرات الحالية في المملكة، فيقول: “لا أعتقد أن إدارة بايدن تستطيع أن تدفع هذا الثمن الباهض بخسارة حليف استراتيجي واقتصادي مهم بالنسبة إليها. حتى في إدارة سياستها في الشرق الأوسط، لا يمكن ذلك دون المملكة إلى جانبها كما كانت دائماً.

الاقتصادي الإماراتي السيد حسين القمزي

ولي العهد السعودي من ناحيةٍ أخرى تمكن من تحقيق كثير من التغيرات الاجتماعية والقانونية داخل المملكة؛ بعضها كان يبدو مستحيل الحدوث.. وهذه التغيرات جزء كبير منها هو ما كان الديمقراطيون يطالبون بتطبيقه.

أعتقد أن الأمر سيتم احتواؤه بحكمةٍ معتادة من المملكة العربية السعودية، ولا أرى أن بايدن سيأخذ تهديده أبعد من هذه التصريحات. وستبقى الولايات المتحدة الحليف الأهم بالنسبة إلى السعودية، وبالذات في مجال التسلح والتفوق العسكري؛ فليس من السهل استبدال شركاء آخرين بذلك”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة