الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل تفشل مساعي واشنطن لابتزاز الرياض في أحداث 11 سبتمبر؟

كيوبوست

في الوقت الذي توقعت فيه تحليلاتٌ أمريكية أن يشكِّل قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن، رفعَ السرية عن الوثائق المتعلقة بالهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، ضغوطاً على المملكة العربية السعودية، رحبت سفارة الرياض في واشنطن بهذه الخطوة في بيانٍ رسمي أكد تفهم المملكة، بصفتها ضحية للإرهاب، المعاناة التي لا توصف للعائلات التي فقدت أحباءَها في ذلك اليوم الذي لا يُنسى.

وجددتِ السفارة، في بيانٍ رسمي، تأكيدات السعودية أن أي ادعاء على وجود تواطؤ للرياض في الهجمات، هو ادعاء خاطئ بشكل قاطع، مجددةً دعوة السعودية للإدارة الأمريكية الإفراج عن جميع المواد المتعلقة بتحقيق الولايات المتحدة في الهجمات، مع التأكيد أن جميع التحقيقات السابقة؛ بما في ذلك لجنة 11 سبتمبر، وما يُسمي بـ”28 صفحة”، لم تظهر أي دليل على الإطلاق يشير إلى أن الحكومة السعودية أو مسؤوليها كانوا على علمٍ مسبق بالهجوم الإرهابي أو كانوا متورطين فيه بأي شكلٍ من أشكال المشاركة في التخطيط أو التنفيذ.

قرار متوقع

إدموند غريب

القرار الأمريكي يتفق مع عدة أمور سبق التمهيد لها، حسب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، إدموند غريب، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن عدداً من أعضاء الإدارة الأمريكية الحالية كانوا يطالبون قبل الوصول إلى مناصبهم الحالية برفع السرية، بجانب الضغوط المستمرة من أُسر وعائلات الضحايا، مشيراً إلى أن التوقيت مهم أيضاً من وجهة نظر إدارة بايدن؛ لارتباطه بالذكرى العشرين للأحداث، فضلاً عن محاولته معالجة التداعيات السلبية لما حدث في عملية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والانتقادات التي طالته بعمليات الإجلاء؛ خصوصاً أن هناك بعض الدعوات داخل الكونجرس بالعودة مجدداً إلى أفغانستان، في ظلِّ استمرار التطرف كمصدر للتهديد الأمني.

وأضاف أن قرار الرئيس الأمريكي يأتي أيضاً في وقت تتزايد فيه المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن خطط الانسحاب التي لم تنجح في إجلاء المدنيين والأمريكيين، كما كان مقرراً، بالإضافة إلى سقوط أعداد وكميات كبيرة من الأسلحة في يد “طالبان”، فضلاً عن تراجع شعبية الرئيس باستطلاعات الرأي بشكل كبير، رغم استمرار تأييد غالبية الأمريكيين للخروج من أفغانستان، وهو أمر قد يكون له تأثير سلبي على الانتخابات النصفية المقرر انعقادها العام المقبل في ظلِّ استقطابٍ حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين.

الرئيس بوش خلال خطبته في جلسة مشتركة للكونغرس لوضع خطط الحرب ضد الإرهاب.. سبتمبر 2001- أرشيفية

يفسر إدموند غريب استغراق الأمر 6 أشهر حسب الأمر الرئاسي؛ نظراً لإمكانية إعادة النظر في بعض الوثائق التي ستنشر أو بعض الأسماء أو الجهات، بما قد يعرض المصالح الأمريكية إلى الخطر، مشيراً إلى أن أحداث 11 سبتمبر هزت أمريكا؛ لأنها لم تشهد هذا المستوى من العنف في الداخل منذ الحرب الأهلية، في الوقت الذي كان يشعر فيه المواطن الأمريكي بالأمان لأسبابٍ متعددة؛ من بينها بعده عن مواقع التوتر في العالم، لكن هذه الأحداث غيرت النظرة الأمنية والاستخباراتية بشكل كبير، وهناك أمور إيجابية حدثت نتيجتها؛ من بينها التوسع في دراسة الإسلام بالجامعات الأمريكية، ومحاولة فهمه على نطاقٍ أوسع من قبل 2001.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في السعودية بين السلفية والإخوان

يشير إدموند غريب إلى أن السعودية ليس لديها ما تخشاه في ما يتعلق بأحداث 11 سبتمبر؛ لكن في المقابل فإن إدارة بايدن أكثر سلبية من إدارة ترامب في التعامل مع المملكة، لافتاً إلى أن واشنطن لديها رغبة في دفع الرياض نحو مزيدٍ من الانفتاح، وفي المقابل شاهدنا استمرار الدعم والتعاون بين البلدين في عدة ملفات وقضايا؛ من بينها الملف اليمني، مع محاولات تحسين العلاقات في الوقت الذي تعمل فيه المملكة على التحرك لتنويع علاقاتها وتعزيزها؛ سواء مع الصين أو روسيا، بجانب علاقتها مع واشنطن.

هجمات 11 سبتمبر – أرشيف

قرار داخلي

سلطان العامر

يعتقد الكاتب السعودي المقيم في واشنطن سلطان العامر، أن القرار من الأساس ليس موجهاً ضد السعودية بقدر ارتباطه بالسياسات الداخلية لإدارة بايدن؛ لا سيما بعد الانتقادات التي طالت طريقة الخروج الأمريكي من أفغانستان، ومن أجل تخفيف ضغوط أُسر الضحايا على الإدارة الأمريكية، مؤكداً أن الأمر ليس له أي تبعات متوقعة على العلاقات السعودية- الأمريكية؛ خصوصاً أن “القاعدة” عندما نفذت الهجوم قبل عقدين كانت تستهدف هذه العلاقات.

وأضاف العامر أن تنظيم القاعدة شنَّ هجماتٍ في السعودية، قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر، وبالتالي لا توجد أية علاقة بين المملكة والهجمات، مشدداً على أن الاعتقاد بوجود دور للرياض في الهجمات من قريب أو بعيدٍ بمثابة قصة مختلقة لا أساس لها من الصحة؛ وهو ما حرصت سفارة المملكة في واشنطن على تأكيده بالبيان الخاص الصادر ترحيباً بالقرار الرئاسي.

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش يعلن الحرب على الإرهاب في 20 سبتمبر 2001- وكالات

توظيف سياسي

عادل مرزوق

يمكن القول إن الإفراج عن الوثائق، حتى إن لم تتضمن اتهاماً مباشراً للحكومة السعودية، سيفتح الباب من جديد لسوق من التأويلات والتحليلات التي قد يتم توظيفها لاحقاً سياسياً وقانونياً، حسب رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر عادل مرزوق، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن  هذا الاتجاه يدعمه أن كل رسائل “مجتمع 11 سبتمبر” تبدو موجهة وترتكز على اتهام السعودية، وإثبات هذا الاتهام في المحاكمات القضائية؛ حيث يتطلع محامو الضحايا لتعويضاتٍ مالية مجزية من الحكومة السعودية.

يشير مرزوق إلى أن بايدن يلتزم بوعدٍ انتخابي كان له سياقه الخاص في مواجهة الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي كانت علاقاته مع الرياض وثيقة أكبر مما ينبغي، حسب اعتقاد الديمقراطيين، لافتاً إلى أن بايدن يستجيب لضغوط ما يُعرف بـ”مجتمع 11 سبتمبر”؛ لكن إدارته بالتأكيد لا تريد أن تذهب بعيداً في مواجهة الحليف الأكبر والأهم في منطقة الشرق الأوسط، وعليه ستجد إدارته أنها مُطالبة بل وملزمة بامتصاص الصدمة التي ستتسبب فيها قبل غيرها.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في السعودية بين السلفية والإخوان

يقول عادل مرزوق إن تنظيم القاعدة، وقبله “الأفغان العرب”، كانا نتاج صراع أممي في المسرح الأفغاني؛ حيث كانت الولايات المتحدة قبل السعودية أحد أهم اللاعبين فيه، مشيراً إلى أن صناعة “القاعدة”، فكراً وتسليحاً، كانت خطيئة مشتركة أسهمت فيها دول عدة، وتحميل السعودية هذه الخطيئة مجحف وغير دقيق، فعلياً، ومنذ احتلال الكويت 1990، كانت السعودية في جبهة مواجهة مفتوحة ودامية مع “القاعدة”؛ بل إن أراضيها كانت مسرحاً لهجمات تنظيم القاعدة بشكل مباشر، ومنها تفجير العليا 1995.

أحد مشاة البحرية الأمريكية يوفر المياه لطفل أثناء عملية إجلاء في مطار حامد كرزاي الدولي.. كابول أغسطس 2021- “رويترز”

وأكد أن الشراكة السعودية- الأمريكية التي نشأت أواخر التسعينيات في مواجهة الإرهاب، كانت شراكة حقيقية، يُضاف إلى ذلك أن السعودية اليوم هي دولة مختلفة تماماً، صحيح أنها لا تزال ترزح في العديد من المشكلات؛ لكنها تتقدم إلى الأمام، خصوصاً ما يتعلق بنبذ خطاب التطرف والإسلام المتشدد.

اقرأ أيضًا: السفير الأمريكي الأسبق في المملكة: السعودية تسير نحو الانفتاح.. وأصبحت مركزاً لجذب الاستثمار

ترحيب سعودي

خالد العضاض

الكشف عن أية وثائق سرية لم يكشف عنها بعد متعلقة بأحداث 11 سبتمبر، هو أمر مرحب به، حسب الكاتب والباحث السعودي خالد العضاض، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن هذا الأمر هو موضع تقدير؛ لأن المملكة تتعاطف وبشدة مع ضحايا تلك الأحداث الإرهابية المجرمة وذويهم، خصوصاً في ظلِّ وقوع أحداث مماثلة قبل وبعد 11 سبتمبر من جانب “القاعدة”؛ بداية من عام 1996 وحتى سنوات قليلة مضت، فضلاً عن عشرات المخططات التي أحبطتها قوات الأمن السعودي.

وأضاف العضاض أن العقدين الماضيين شهدا ضغطاً شديداً ومطالبة ملحة من مختلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة حول ما يمكن تسميته بـ”وهم” وجود دور للمملكة في الأحداث؛ لكن جميع التحقيقات انتهت إلى لا شيء، مشيراً إلى أن أي ادعاءات تتهم الرياض بالتواطؤ في الهجمات هي ادعاءات مزيفة لا أساس لها من الصحة، في الوقت الذي أكد فيه الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون طبيعة الشراكة بين البلدين، وتضررهما من إرهاب “القاعدة”؛ وهو ما يدفع القيادة السعودية لتأكيد ضرورة الإفراج عن أية وثائق متعلقة بالهجمات، لكون هذه الوثائق تزيد صلابة الموقف السعودي.

هجمات 11 سبتمبر عام 2001 التي استهدفت البرجَين التوأمَين في مجمع التجارة العالمي في نيويورك- the conversation

محاولات ابتزاز

حسن الشهري

لا يوجد لدى المملكة العربية السعودية ما تخشاه؛ خصوصاً أنها سبق وطلبت من الولايات المتحدة الكشف عن الـ28 الصفحة التي جرى إخفاؤها، حسب العميد السعودي المتقاعد حسن الشهري، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن البيت الأبيض حاول الضغط على السعودية؛ لكن لن يكون لها تأثير بالواقع، خصوصاً أن المملكة دولة مركزية ومحورية في المنطقة.

وأضاف الشهري أن مواقف الديمقراطيين الأخيرة عكست تحولاً واضحاً في الاستراتيجيات الأمريكية المتبعة بقضايا المنطقة، لافتاً إلى أن المملكة تمتلك القدرة على التعامل مع أي متغيرات يمكن أن تحدث سواء مع واشنطن أو غيرها من الدول التي ترتبط بعلاقات قوية معها.

انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان- وكالات
عبدالله بن محمد الوابلي

ممارسات الابتزاز لا تُستغرب من الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ خصوصاً في عهد المحافظين الجدد، حسب الكاتب السعودي عبدالله بن محمد الوابلي، الذي يصف قرار بايدن بأنه “لون من ألوان الابتزاز الأمريكي”، مشيراً إلى أن المملكة ليس لها إلا رأس واحد هو الملك صاحب القرار، وليس مثل الإدارة الأمريكية التي تتنازع عدة قوى على القرار بداخلها، مشيراً إلى أن طبيعة المملكة كدولة مؤسسات تجعلها قادرة على اتخاذ القرارات السليمة، والتحرك في الوقت المناسب.

وأضاف أن المملكة دولة لا تعتدي على أحد، ومن المستحيل أن يكون لها دور في أحداث 11 سبتمبر من قريبٍ أو بعيد، لافتاً إلى أن ما يحدث من الزج باسمها أمر يدخل ضمن دائرة الابتزاز السياسي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

أحمد عدلي

صحفي وباحث سياسي

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة