الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل تفرخ “أحزمة الفقر” متطرفين وإرهابيين في المغرب؟

التطرف ينشط عموماً في أوقات التوترات الاجتماعية ويعمل على استغلال اليائسين والمحرومين اجتماعياً والمحبطين اقتصادياً

المغرب- حسن الأشرف

لم يكن اسم حي “سيدي مومن” واسم دوار “سكويلة” الفقيرَين والهامشيَّين بمدينة الدار البيضاء معروفَين من قبل، إلى أن أصبح اسماهما أشهر من نار على علم بعد خروج 12 شاباً انتحارياً من هذين الحيَّين لتفجير عدة مواقع (فندق ومطعم ومقبرة يهودية) في 16 مايو 2003، في جريمة دموية هزَّت المغرب، وكان ما بعدها من اعتقالات في صفوف المنتسبين إلى “السلفية الجهادية”، وما واكب ذلك من سياسات أمنية استباقية وأخرى لإعادة هيكلة الشأن الديني.

بعد ذلك بسنوات وفي عام 2018، انتقل اسم حي “العزوزية” الهامشي، وأيضاً قرية حربيل بضواحي مدينة مراكش إلى العالمية بعد تناقل أخبار الجريمة الإرهابية الشنيعة التي كان بطلها ثلاثة شبان خرجوا من “أحزمة الفقر والبؤس” ليقتلوا سائحتَين نرويجية ودنماركية بدم بارد.

اقرأ أيضاً: الهامش.. وصناعة التطرف في المغرب

ومنذ سنة 2003، تاريخ الهجوم الدموي بالدار البيضاء، اعتقلت السلطات الأمنية العديد من الشباب ذوي التوجه المتطرف، والذين في الغالب يقطنون أحياء هامشية وفقيرة على هوامش الحواضر والمدن الكبرى، كما فككت خلايا إرهابية تتشكل في العديد من الأحيان من شباب ينتسبون إلى مناطق تعاني الهشاشة التنموية والحرمان الاقتصادي والاجتماعي.

ويطرح مهتمون ومحللون السؤال العريض: هل أحزمة الفقر هذه المحيطة في الغالب بالمدن، أو المترسبة في البوادي المهمشة، تنتج التطرف الديني وتشكل تربة خصبة للسلوكات والأفكار الإرهابية؟ وهل هناك علاقة وطيدة بين الفقر والتطرف؟ أم أن التطرف والإرهاب لا دين ولا جغرافية لهما؟

فندق فرح بالدار البيضاء تعرض إلى هجوم انتحاري في 2003

أيديولوجية الخلاص

وينقسم حيال الإجابة عن هذا السؤال فريقان اثنان؛ الأول يؤكد العلاقة السببية بين الأحياء والمناطق الفقيرة وبين التطرف الديني، باعتبار أن الشاب المنتسب إلى أحزمة الفقر والبؤس يتعرض إلى ضغوطات نفسية وهوياتية، ما يجعله يقبل على الأيديولوجية التي تمنح له “الخلاص السريع، والمكافأة الأسرع”، وهي الحصول على الجنة عبر “الجهاد” ضد “المخالفين والمارقين”.

ووفق هذا الطرح، فإن الشاب المحروم اجتماعياً، والذي ينحدر من الأحياء الهامشية البئيسة، يجد أمامه فرصة للانتقام من المجتمع، عبر التدثر بلباس ديني يتمثل في “الجهاد” من الكفار الموجودين في المجتمع؛ بهدف بلوغ الجنة من أقصر الطرق.

اقرأ أيضًا: احتقان غير مسبوق في المغرب: كيف يقود الإخوان البلاد إلى المجهول؟

والملاحظ بالفعل أنه في عدد من الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن، أو حتى في البوادي النائية، ينتشر التيار “السلفي الجهادي” بشكل لافت لا يمكن إنكاره، وهو الذي ينصب شراكه للشباب المحبط الذي يجد خلاصه ومتنفسه في الانخراط والانتساب إلى تنظيمات متطرفة؛ مثل “داعش”، وبذل الغالي والرخيص من أجل تكريس هذا “الولاء والبراء” داخل المجتمع.

بالمقابل، هناك فريق ثانٍ لا يجزم بضرورة الربط بين التطرف والإرهاب وبين الفقر والحرمان و”العشوائيات”، مستدلاً بدراسات علمية واقتصادية؛ من بينها دراسة حديثة للبنك الدولي بأن “المجندين في صفوف (داعش) ليسوا فقراء ولا أميين؛ بل لديهم مستويات معيشية وتعليمية مرتفعة”.

استغلال اليائسين

د.الحبيب استاتي زين الدين

ويقول في هذا الصدد الدكتور الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض بمراكش، إنه “يصعب إنكار العلاقة السببية بين الفقر ونشوء ما يُسمى الفكر المتطرف”.

ويضيف استاتي، في حديث مع “كيوبوست”، أنه في الوقت نفسه يتعين الاعتراف بوجود عوامل وأسباب أخرى عديدة ومتغيرة، ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، تتداخل في ما بينها لتحفيز هذا النوع من التفكير المتشدد الذي لا يقبل أية تسويات أو حلول وسطى تضمن العيش المشترك حتى ولو كانت نتيجة هذا الرفض أو الاعتراض مدمرة له أو لغيره، سوء أكانوا أفراداً أم جماعات.

اقرأ أيضاً: العلاقة بين الحالة الاجتماعية المتردية وقابلية الفرد نحو التطرف

وسجل المحلل ذاته بأن هناك من يميِّز بين التطرف غير المعادي للتعددية، والذي يذهب حتى النهاية في الدفاع عن موقفٍ معيَّن دون كمّ أفواه الآخرين ودون احتكار الحقيقة، وهناك التطرُّف الذي يحتكر الحقيقة ويرفض التعددية، وهو الأكثر حضوراً وبروزاً لاعتبارات متعددة، تأتي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مقدمتها.

ويستطرد استاتي بأن “عدداً من الوقائع والأحداث تكشف أن التطرف ينشط عموماً في أوقات التوترات الاجتماعية، ويعمل على استغلال اليائسين والمحرومين اجتماعياً والمحبطين اقتصادياً”.

الشباب المحبط وقود التطرف

وذهب المتحدث إلى أنه “بقدر ما يكون المتطرف ضحية للتهميش والفقر والإقصاء الاجتماعي، فهو قد يتأثر أيضاً بالتحول الذي طال التدين في السنوات الأخيرة، علاوةً على ضعف الخطاب التربوي والثقافي العقلاني بالمقارنة مع تزايد إغراءات خطاب الاستقطاب الأيديولوجي العاطفي؛ خصوصاً في شقِّه الإسلامي الحركي، سواء (دون تعميم) داخل المؤسسات الدينية، أو حتى داخل فضاءات التربية والتكوين والبحث العلمي، أو هيئات المجتمع المدني”.

وتابع بأنه إذا صح القول بوجوب إدامة اليقظة الأمنية الاستباقية وما راكمته من خبرات بخصوص الوقاية والتصدي وإعادة الدمج والتأهيل، إلى جانب التطبيق الصارم للقانون، فلا بد من تكثيف جهود جميع المتدخلين والفاعلين للحيلولة دون تنامي الفكر المتطرف على اختلاف مستوياته.

اقرأ أيضًا: أعداد المنتحرين في المغرب تتزايد بنسب عالية

ودعا استاتي الدولة إلى اعتماد مقاربة اجتماعية تنموية لتقليص أحزمة الفقر والعمل بجهد وبمسؤولية وطنية لتقليص الفوارق المجالية ودمج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية الوطنية؛ من أجل تنمية المناطق المهمشة وإنصافها.

الرفض الاجتماعي ومواجهة التطرف

من جهته، يؤكد الدكتور إدريس الغزواني، أستاذ سوسيولوجيا التربية بكلية علوم التربية بالرباط، أن التطرف لا يمكن ربطه بالهامش بشكل سببي/ خطي؛ لأن التطرف ظاهرة عرضية ولا ترتبط بشكل لصيق بالهامش والأحياء الفقيرة.

د.إدريس الغزواني

ويرى الغزواني، ضمن حديث مع “كيوبوست”، أنه إذا كان الحديث عن التطرف المرتبط بالهامش والأحياء الفقيرة، فذلك يرجع إلى جدلية اللا توازن الحاصل بين المركز والهامش داخل المدينة.

ويشرح الخبير السوسيولوجي بأنه “رغم عدم بُعد المسافة بين هذين الأخيرين داخل نفس المدينة، لكن أنماط العيش والقيم والممارسات تختلف”.

ويسترسل بالقول: إن هذا الاختلاف يظهر بشكل كبير عند فئة الشباب؛ حيث يشعرون بتلك الهوة بينهم وبين شباب المركز على مختلف المستويات (اللغة، التواصل، اللباس، فضاءات التردد…).

هذا الوضع، وَفق الغزواني، يجعل شباب الهامش يحسون بنوع من الاحتقار والإهانة والشعور بالرفض الاجتماعي؛ لأنهم ينتمون إلى مجال موصوم”، مورداً أن “الإقصاء الاجتماعي هو الذي من شأنه أن يحدد نظرة الشباب للآخرين، ونظرتهم إلى ذواتهم؛ الشيء الذي يحدد مواقفهم وسلوكياتهم.”

فرق في التنمية بين المدن والقرى بالمغرب- (صورة: أ.ف.ب)

ولفت المتحدث إلى أنه “إذا كان التطرف مرتبطاً بالوضع السوسيواقتصادي غير المتوازن، وانتشار الأمية والتخلف الذي تعيشه فئة واسعة من الشباب، بالإضافة إلى كونه أصبح نمطاً ثقافياً مبنياً من أفكار دينية مغلوطة، فإن مداخل مواجهته ترتبط بخلق فضاءات شبابية لتصريف مختلف الضغوطات التي يواجهها الشاب في حياتهم اليومية.

اقرأ أيضاً: مفاجأة كشفتها دراسة جديدة: الفقر والبطالة ليسا أسبابًا رئيسة للتطرف

ويرى الغزواني أن هذه الفضاءات الشبابية (دور الشباب، الجمعيات الثقافية، ملاعب القرب، فضاءات الترفيه..) تلعب دوراً مهماً في تغيير أنماط تفكير هؤلاء الشباب الهامشي وتحسيسهم بمخاطر التطرف والتعصب والكراهية والعنف، وترسيخ قيم السلم والتسامح وتثمين مفهوم العمل التطوعي بينهم.

وختم حديثه بالقول إن “هذه الفضاءات الشبابية تعنى بالدور الثقافي والرياضي والفني داخل المجتمع وتنوعه، وتثمن البعد الاعترافي داخل المجتمع عن طريق أنشطة مختلفة تدعو إلى ترسيخ قيم السلم والتسامح وقبول الآخر والاعتراف بالرأي الآخر عن طريق التواصل؛ لأن أغلب المتطرفين ولدوا وترعرعوا في مجالات تفتقد أماكن الترفيه والتعبير عن الذات”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة