الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

هل تغير الاتفاقية الصينية- الإيرانية قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

كيوبوست – خاص

رامون بليكوا♦

الدبلوماسي الإسباني رامون بليكوا

وقعت الصين وإيران أخيراً اتفاقية طال انتظارها، تمهد الطريق لشراكةٍ اقتصادية وأمنية؛ من المفترض أن تضيف استثمارات بمليارات الدولارات إلى قطاع الطاقة الإيراني، وأن توسع بشكل كبير الحضور الصيني في قطاعات المصارف والاتصالات والمرافئ والسكك الحديدية.. وغيرها من المشروعات. والذي أثار قلق الولايات المتحدة هو أن الاتفاقية تحتوي على بنودٍ حساسة تتعلق بالتعاون العسكري، وتشمل تدريباتٍ ومناورات عسكرية مشتركة، وإجراء أبحاث مشتركة لتطوير الأسلحة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وفي حين كانت تشكل هذه الاتفاقية الاستراتيجية ضربة كبيرة لسياسة إدارة ترامب العدوانية تجاه إيران؛ فإنها ستشكل واحداً من أكبر التحديات للسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الجديدة. ولا شك في أن المفاوضات الجارية مع إيران للعودة إلى الاتفاق النووي، وإعادة رسم السياسة الخارجية للرئيس بايدن تجاه الشرق الأوسط، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار تأثير السياسة الصينية الجديدة في المنطقة.

وبغض النظر عن تداعياتها الاستراتيجية، فإن توقيع هذه الاتفاقية قد غطى بشكلٍ كبير على الجولة الإقليمية لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، الذي اختتم جولة استمرت أسبوعاً، زار خلالها ست دول؛ هي: المملكة العربية السعودية، وتركيا، وإيران، والإمارات العربية المتحدة، وعمان، والبحرين. وخلال لقائه ولي العهد السعودي تم الإعلان عن خطة أمنية إقليمية من خمس نقاط، تدعو دول المنطقة إلى منع انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز الأمن الجماعي المشترك، وتسريع التنمية والتعاون. ومع أن زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة قد أثارت ضجة إعلامية أقل، فإنها حققت نتائج مهمة تعكس شبكة العلاقات المعقدة ومتعددة المستويات بين الصين ودول الخليج. تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة بتكتم منذ ثلاث سنوات على بناء علاقتها الاستراتيجية مع الصين، والصفقة التي تم توقيعها بين مجموعة “سينوفارم” وشركة “G42” الإماراتية، لإنشاء شراكة لإنتاج لقاح “كوفيد-19” ما هي إلا تأكيد على عمق هذه العلاقة.

اقرأ أيضاً: اتفاق الصين مع إيران يعبر عن تغير كبير مع تدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة

إن الفهم الصحيح لتداعيات هذه الاتفاقية مع إيران له أهمية بالغة في تجنب القفز في دوامة المواجهة التي تغذيها نظريات المؤامرة، وكذلك للتقليل من تداعياتها على المدى البعيد. يعتبر بعض المنتقدين الأمريكيين هذه الاتفاقية إثباتاً على أن الهدف النهائي للقيادة الصينية هو الاستيلاء على دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في العالم، أو على الأقل تحدي أهدافها الاستراتيجية في الاحتفاظ بتفوق استراتيجي مطلق كما هو معلن في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية. كتب جون فولتون أنه لوضع الأشياء في سياقها الصحيح يجب فهم شراكات إيران على أنها إطار للتعاون، وليس مجموعة من الالتزامات. وعندما سئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان، عن الاتفاقية، خلال مؤتمره الصحفي، وصفها بأنها خطة عمل ترسم المسار لتعاون طويل الأمد. حتى الآن تجنبت الصين تحدي سياسات الولايات المتحدة بشكل مباشر في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من دعمه الجهود متعددة الأطراف للحفاظ عل الاتفاق النووي الإيراني؛ فإن الرئيس الصيني شي قد امتنع عن تجاوز الخطوط الحمراء لسياسة الضغط الأقصى الأمريكية الموجهة ضد إيران. وتشير كل الدلائل حتى الآن إلى أن الصينيين لا يرغبون في الانجرار إلى صراعات المنطقة، ويفضلون دعم استقرار وأمن إمدادات الطاقة العالمية الذي تضمنه الولايات المتحدة الأمريكية. كل هذا أصبح موضع تساؤل بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي أعلنتها الصين وإيران.

اقرأ أيضاً: الصين وروسيا تقفان وراء إيران

وزيرا خارجية الصين وإيران يوقعان اتفاقية شراكة استراتيجية مدتها 25 عاماً- “فاينانشال تايمز”

ردود الفعل في إيران والصين على هذا الإعلان تستحق الاهتمام؛ لأن أياً منهما لم تكن متحمسة لها كثيراً، مما أثار التساؤلات حول إمكانية أن تكون هذه الاتفاقية تكتيكية. إن إيران أكثر شفافية من الصين، وأكثر تعددية منها، ويدور فيها جدال داخلي ضمن دوائر السلطة حول هذه الصفقة، يغذيه الشعور القومي الإيراني القوي، والحسابات السياسية قصيرة المدى، المتعلقة بالانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد قارنت بعض المجموعات -ومن بينها الرئيس السابق أحمدي نجاد- هذه الاتفاقية مع اتفاقية 1828 التي تخلت عن أجزاء كبيرة من جنوب القوقاز لصالح الإمبراطورية الروسية. ومن ناحيتها، اتخذت الصين أيضاً موقفاً غريباً؛ حيث قللت من أهمية الاتفاقية ووصفتها بأنها مجرد اتفاقية عادية مع دولة صديقة. إنها واحدة من المرات القليلة خلال السنوات الأخيرة لحكم الرئيس شي، التي يعود فيها إلى مبدأ دينغ شياو بينغ، “أخْفِ قدراتك وراهن على الوقت”. وعلى أية حال، وبالحكم من خلال الممارسات الصينية التقليدية، وبالمقارنة مع تحركات السياسة الخارجية الأخيرة الأكثر عدوانية، يمكننا أن نستنتج أن الاتفاقية مهمة للغاية، وإلا لكانت ستستخدم لأغراضٍ دعائية.

اقرأ أيضاً: الصين قد تتحالف مع إيران في حربها ضد الولايات المتحدة

في مجموعة مقالاته الأخيرة بعنوانها المثير للاهتمام “عودة عالم ماركو بولو”، يركز روبرت كابلان على عودة ظهور أوراسيا كمفهوم استراتيجي رئيسي. ويرى أن الجغرافيا السياسية في عصرنا سوف تتحدد بالمنافسة الجديدة الشرسة بين مختلف اللاعبين الذين يعيدون تجسيد إمبراطوريات الماضي القديمة، وورثة أنظمة ما بعد الاستعمار؛ وهم على وجه التحديد الصين، والولايات المتحدة، وإيران، وروسيا، وتركيا، والاتحاد الأوروبي. وسيتم خوض هذه المنافسة في فضاء تجتمع فيه عوامل العولمة والتكنولوجيا والجغرافيا؛ حيث تجمع التجارة والنقل والصراعات كل هذه القوى الكبيرة. وقد وضعت بكين مسألة تكامل التجارة والبنى التحتية لقطاع النقل عبر هذه القارة العملاقة في صميم رؤية استراتيجية جديدة. وإلى جانب أهدافها المعلنة، هنالك ميزة جيوسياسية إضافية في التخلص من اعتمادها على الممرات البحرية العالمية المعرضة للإغلاق من قِبل الولايات المتحدة أو أية قوة بحرية أخرى معادية عند المضائق؛ مثل مضيق مالقة ومضيق هرمز أو باب المندب.

طرق المواصلات والنقل البري والبحري كما تطرحها مبادرة الحزام والطريق الصينية- أرشيف

يقع طريق الحرير البري الجديد؛ خصوصاً الفرع الذي يمر عبر إيران، في قلب مبادرة الحزام والطريق؛ وهي إطار عام للتعاون الدولي قدمه الرئيس شي في بداية ولايته عام 2013. والاسم الذي أطلق على هذا الممر الاقتصادي الذي يربط الصين بأوروبا، له دلالات تاريخية قوية، ويشير إلى عصر الصين الذهبي عندما كانت مركز التجارة العالمية. وتركز الأهداف الأولية للمبادرة على تعزيز التواصل وتنسيق مبادرات التنمية عبر دول منطقة أوراسيا. وكما هي الحال في كثير من الأحيان مع السياسة الصينية، بينما تكون الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى واضحة المعالم، فإن تعريفها العملي وتنفيذها غالباً ما يكون متراخياً أو مرناً إلى حد كبير، وقد تطور كل من نطاقها الجغرافي ومحتواها بما يتماشى مع مصالح الصين.

إلى جانب مساهمتها في نشر البنى التحتية الخاصة في مجالي النقل والطاقة، بدأت مبادرة الحزام والطريق تدريجياً بإدخال قطاعات؛ مثل الزراعة والإنشاء والسياحة والصناعة، والتكامل المالي، والتبادل الثقافي والعلمي والتكنولوجي. وآخر التطورات كان طريق الحرير الرقمي، الذي يضم الاتصالات وأنظمة تخزين المعلومات السحابية، والكمبيوتر وأنظمة الأمان وأنظمة التعرف الشخصي. من وجهة نظر الصين، فإن الاستثمار على طول طرق التجارة يقلل من تكاليف النقل ويخلق أسواقاً جديدة، بينما الاستثمار في قطاع الطاقة يوفر استقرار الإمدادات.

اقرأ أيضاً: روسيا والصين وإيران ليست منارة يهتدي بها العالم

ويمكن بسهولة توسيع نفس المنطق المطبق على البنى التحتية المادية الملموسة ليشمل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وفي الواقع، فإن شركات الاتصالات اليابانية تستثمر فعلاً في مختلف أشكال البنى التحتية السحابية، وحلول تكنولوجيا المعلومات في آسيا، ويحتلون بسرعة مكان الموردين التقليديين لهذه التكنولوجيا، ومعظمهم من الشركات الأمريكية. ومن المنطقي تماماً بالنسبة إلى الشركات الصينية أن تستخدم هذه البنى التحتية الرقمية الجديدة بشكل مترابط مع مبادرة الحزام والطريق. وسيكون من المنطقي أيضاً بالنسبة إلى الشركات العاملة في دول مشاركة بمبادرة الحزام والطريق أن تستخدم أنظمة الاتصالات الصينية كنظام الجيل الخامس، وخدمات التخزين السحابية، وحلول الذكاء الاصطناعي.

وانطلاقاً من هذا المنطق، أطلقت الصين منذ عام 2018 مشروع “طريق الحرير الرقمي” الذي كان من المفترض أن يكون امتداداً لمبادرة الحزام والطريق، والذي يشمل الهواتف المتنقلة والجيل الخامس، والحوسبة الكمية، وتكنولوجيا النانو، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والعملات الإلكترونية الافتراضية، والحوسبة السحابية وأنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية. وتشمل الاقتراحات المقدمة إلى الدول المهتمة إنشاء البنى التحتية الرقمية وتطوير أنظمة حماية الإنترنت على الطريقة الصينية؛ لغرض حماية الفضاء الافتراضي للدول من التدخل الأجنبي. ووفقاً للرؤية الصينية، فإن الهدف النهائي سيكون بناء مجتمع ذي مصير مشترك في الفضاء الإلكتروني.

بعد مبادرة الحزام والطريق.. الصين تطرح مشروع طريق الحرير الرقمي- وكالات

هل يمكن إقامة نظام مالي وتجاري بديل كجزء من عملية خلق مساحة اقتصادية تسيطر عليها الصين يمكنها أن تتحدى الهيمنة المالية الأمريكية؟

اقرأ أيضاً: أزمة دبلوماسية تهدد العلاقات الإيرانية- الصينية.. والسبب “كورونا”

إن مثل هذا التطور إلى جانب الفصل التكنولوجي الذي دفعت باتجاهه الولايات المتحدة بقوة خلال السنوات الأخيرة، من شأنه أن يغير بشكل جذري النظام الدولي متعدد الأطراف القائم حالياً. وفي هذا السياق يجدر بنا إلقاء نظرة على تصريحات كبير الاقتصاديين في بنك الصين، الذي يؤيد استخدام أنظمة دفع دولية مختلفة عن تلك القائمة حالياً، وربما يكون تطوير الصين تقنية “بلوك تشاين” جزءاً من هذا البديل للمعاملات المالية الدولية الحالية. أبرمت الصين منذ عام 2019 اتفاقيات تبادل العملات مع عشرين دولة مشاركة في مبادرة الحزام والطريق؛ وهي تدافع عن نظام الدفع الدولي بين البنوك (SIPS) الذي طورته كبديل عن نظام (SWIFT) واسع الانتشار الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. ومن غير المرجح حالياً أن تحل هذه البدائل محل الترتيبات الحالية، فقد وقع بنك الشعب الصيني اتفاقية مع “سويفت” تهدف إلى تحسين استقرار نظام الدفع الدولي.

تستطلع الهند وروسيا والصين إمكانية استخدام نظام بديل عن “سويفت”- “ذا إيكونوميك تايمز”

وتدرك الصين جيداً أنه لا توجد قوة عالمية لم تتضرر من التدخل في صراعات الشرق الأوسط، وأن عليها أن ترسم خطاً رفيعاً بين العالم العربي، وإيران وتركيا، وحتى إسرائيل. ومن الملاحظ أن الشركات الصينية بين عامَي 2005 و2018 قد استثمرت في إيران أقل مما استثمرت في المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، وبقدر ما استثمرت في مصر. ومع ذلك، فالصين ليست في عجلة من أمرها، وتعتبر أن الوقت في صالحها. ومن الأفكار المتكررة في خطاب الرئيس الصيني شي: تعددية الأقطاب في النظام الدولي الجديد؛ حيث لن تكون الولايات المتحدة قادرة على فرض هيمنتها، وحيث سيتاح للصين ممارسة قيادتها، وإن لم يكن ذلك بالضرورة كقوة عالمية مهيمنة. وأنا أعتقد أن ما تعنيه هذه الاتفاقية حقاً هو أنها حركة افتتاحية في لعبة شطرنج طويلة؛ حيث يتوقف الكثير على كيفية رد الولايات المتحدة على هذه الحركة.

ولا يمكن للأهداف التكتيكية الأولية لكل من الصين وإيران، والتي تتمثل في تقوية أوراقهما التفاوضية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، أن تخفي أن هذه الاتفاقية التي تنذر بتعدديةٍ عالمية جديدة، حيث تحدد مكانة الأطراف فيه من خلال قوة وسائل اتصال الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تحدده القوة المالية والعسكرية. وسوف تحدد الدول الراسخة والصاعدة -ومنها إيران وتركيا وروسيا ودول الخليج- سياساتها تبعاً لكيفية استجابة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحديات العولمة في نظام متعدد الأطراف غير مستقر، من أبرز ملامحه وجود اللاعبين غير الحكوميين، وتراجع سيادة الدول.

♦دبلوماسي إسباني، وسفير غير مقيم للتوسط وحوار الحضارات، وسفير سابق في العراق. وترتكز هذه المقالة على مقالةٍ كتبها بالاشتراك مع الدكتور كلوديو فيجو، ونُشرت في صحيفة “زينيت” في سبتمبر 2020.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Is the Iran-China deal

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

رامون بليكوا

دبلوماسي إسباني، وسفير غير مقيم للتوسط وحوار الحضارات، وسفير سابق في العراق

مقالات ذات صلة