الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل تعيد الولايات المتحدة والصين الحرب البيلوبونيسية مرة أخرى؟

قوة بحرية وأخرى برية وصراع استراتيجي...

كيوبوست – ترجمات

جيمس بالمر♦

ألقى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، مؤخراً، خطاباً مهماً في مكتبة ريتشارد نيكسون الرئاسية حول العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، لذلك فمن الطبيعي أن يكون أحد أول الأسئلة التي طرحها رئيس مؤسسة نيكسون، هيو هيويت، يشير إلى اليونان القديمة. وقد سأل هيويت، بومبيو قائلاً: “لكننا، مثلما كانت أثينا قوة بحرية، فأمريكا قوة بحرية، وكما كانت الحال مع أسبرطة، فإن الصين تشكل قوة برية. ألا يتعين علينا أن نغير الطريقة التي نتعامل بها مع الإنفاق الدفاعي لكي نركز على مواردنا البحرية أكثر مما نركز على موارد جيشنا؟”.

وعلى غرار هيويت، يُقال إن مستشاري ترامب مهووسون باليونان القديمة؛ لكنهم ليسوا وحدهم. فالحرب البيلوبونيسية تبهر الاستراتيجيين وعلماء العلاقات الدولية. وعندما يتعلق الأمر باليونان القديمة والعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، فإن المقارنة الأكثر بروزاً هي “فخ ثيوسيديديز“، الذي اشتهر به عالم السياسة غراهام أليسون، والذي يستخدم لوصف العلاقة بين أثينا وأسبرطة، لرسم تشبيه لما يحدث بين الصين الصاعدة والتهديد الذي تشعر به الولايات المتحدة اليوم.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من “فخ ثيوسيديديز”؟

ولا شك أن التاريخ اليوناني ساحر؛ لكن بقية التاريخ كذلك أيضاً. وحتى بالنسبة إلى النخب الذين يعتقدون أنهم ورثة العالم الكلاسيكي، فإن التركيز على الحرب البيلوبونيسية ضيق للغاية. ومن الغريب أنه لم يرد قط ذكر لدروسٍ أخرى مستقاة من التاريخ اليوناني، مثل ثيفا؛ القوة العظمى في القرن الرابع قبل الميلاد، التي بالكاد يتم ذكرها. ولم يدعُ أي استراتيجي إلى تشكيلِ نخبة مقدسة من المحاربين الأمريكيين، يقاتل كل منهم إلى جانب مَن يحب حتى لا يظهر في عينيه عار. إن ثيوسيديديز عظيم؛ ولكنه لا يجب أن يسيطر على علماء العلاقات الدولية، كما تسيطر قراءة هاري بوتر على جيل قرّاء الألفية.

معركة بحرية حول الجزيرة البيلوبونيسية التي سميت الحرب باسمها- موقع “إنشنت أوريجنز”

وحتى عندما يتجاوز الاستراتيجيون أثينا، فإنهم لا يزالون يكتبون عن أوروبا. وفي كل ما يتعلق بالعلاقات بين الولايات المتحدة والصين، فإن تاريخ الحرب الصينية ذاتها -والنطاق الهائل للصراع الآسيوي، والحروب، والنزاع السياسي على مدار الثلاثة آلاف عام الماضية- لا يُذكر تقريباً. ولا يزال هناك اتّباع دون وعي لزعم المؤرخ البريطاني توماس بابنجتون ماكولي، أن “رفاً واحداً في أية مكتبة أوروبية جيدة يساوي قيمة كل الأدب الشعبي للهند والجزيرة العربية”.

وهناك المزيد من المقالات التي تشير إلى الصراع الخيالي بين أوروبا في مسلسل “لعبة العروش” أكثر من تلك التي تشير إلى الصراعات الحقيقية في آسيا في القرون الوسطى. وحتى سون تزو، المفضل لدى ملازمي الجيش الأمريكي، يُشار إلى كتابته على أنها أقوال مأثورة أكثر من كونها تاريخاً.

اقرأ أيضاً: مكيافيلي وكيسنجر.. والواقعية في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين

ولعل المقارنات التاريخية ليست دوماً مناسبة. وبقدر ما قد تكون دروس الماضي مفيدة، فإن أوجه التشابه المستخلصة قد تعبر عن أولويات المحللين أكثر مما تعبر عن الحقائق الفوضوية للإمبراطوريات القديمة، التي لا تكاد تشبه التحديات التي نواجهها. ومع الأخذ في الاعتبار كل ما سبق، في ما يلي مقتطفات من 8 مقارنات متخيلة مستندة إلى التاريخ الآسيوي بدرجات متفاوتة من المصداقية والأهمية.

الحرب السلوقية- الماورية (305- 303 قبل الميلاد)

بينما يتذكر التاريخ الغربي غزوات الإسكندر الأكبر لآسيا، فإنه ينسى خسائر خلفائه. حيث يُقدَّم انتصار القوى الآسيوية على الأوروبيين باعتباره شذوذاً تاريخياً، سواء هزيمة الروس على يد اليابانيين أو الفرنسيين والأمريكيين على يد الفيتناميين.

لوحة تعبر عن الحرب السلوقية- الماورية (305- 303 قبل الميلاد)- موقع “توتال وار”

لكن الإمبراطوريات الآسيوية كانت تتفوق على الإمبراطوريات الغربية منذ آلاف السنين، فقد كانت بوتقة الحرب ضد السلوقيين جزءاً لا يتجزأ من انتصار تشاندرا جوبتا، مؤسس الإمبراطورية الماورية، وأيديولوجيا الحرب الشاملة الموضحة في الكتاب الكلاسيكي العظيم، “آرثاشاسترا” للحرب الهندية وفن الحكم. وهذا له علاقة مباشرة بأزمة الاستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة اليوم.

صراع هان- شيونغنو (209- 60 قبل الميلاد)

في نظر سيما شيان؛ أول مؤرخ حقيقي للصين، كانت إمبراطورية شيونغنو، هي القوة المنافسة التي أُرغمت على الخضوع من قبل إمبراطورية هان الشابة. وقد كانت حاضرة بشكل موازٍ للصين، فعندما يكونون ضعفاء فإن الصينيين يكونون أقوياء، والعكس صحيح. وقد نطلق على هذا “فخ سيما شيان”، أو بناء عدو أجنبي كمرآة لثقافتك الخاصة، وليس كخصم اقتصادي وسياسي وعسكري في حد ذاته.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحو “دوامة أيديولوجية” و”حرب باردة”؟

وسوف يتطلع الكتاب الصينيون في المستقبل إلى شيونغنو لتفسير الأعداء الجدد الذين يظهرون من الغرب؛ مثل الأتراك والإيغور. وعلى المنوالِ نفسه، تسعى الولايات المتحدة على نحو مستمر إلى مضاهاة معارضيها السابقين مثل الاتحاد السوفييتي في تعاملها مع الصين.

حرب سوي- كوكوريو (598- 614م)

بقدر ما قد يكون الإنفاق على البنية الأساسية للبلدان مغرياً، فإن المكافآت لا بد أن تكون فورية وواضحة أيضاً. وقد أصبحت قناة الصين الكبرى مصدراً للازدهار الوطني لقرون من الزمان؛ لكنَّ بناءها الأوليّ كان كارثةً، حيث تم بناؤها لتوسيع سلطة الصين على طول الحدود الشمالية المتنازع عليها، ثم نقل الرجال والأسلحة إلى الحرب الطاحنة ضد مملكة كوكوريو الكورية.

إحدى المعارك في الحرب الصينية- الكورية التي أدت تكلفتها إلى ثورة أطاحت بإمبراطورية “سوي”- موقع “توتال وار”

وقد أدت هذه التكاليف إلى ثورة عارمة، أطاحت بإمبراطورية “سوي” التي لم تدم طويلاً. وعلى نحو مماثل، فإن مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها الصين اليوم تبدو أنها تتطلع في معظمها إلى تملق طموحات الحاكم، بدلاً من تحقيق ازدهار حقيقي على أرض الواقع.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

نزاع جين- سونغ (1125- 1234)

على غرارِ الولايات المتحدة، كانت إمبراطورية سونغ تعتقد أنها السيد الطبيعي للنظام العالمي وهي تتعامل مع الدول التابعة لها والمنافسين المحيطين. وقد أدى الظهور المفاجئ لـ”جين” إلى تمزيق تلك الأوهام. ورغم أن واشنطن لم تواجه كارثة صارخة ككارثة سقوط “كايفنغ” عاصمة إمبراطورية سونغ؛ فإن الشعور المشترك بالغضب إزاء اختلال الطريقة الطبيعية للأشياء يتردد صداه بين سونغ والنخب الأمريكية. وكما تفاوضت “سونغ” على سلام غير مستقر مع “جين”، وأُجبرت على تعلم قواعد نظام جديد متعدد الأطراف، فإن الولايات المتحدة لا بد أن تجد تفاهمها الخاص مع الصين الجديدة التي تم تمكينها حديثاً.

سقوط إمبراطورية تشولا (1027- 1279)

عندما ننظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة بحرية، يتبادر إلى الذهن على الفور مثال تاريخي واحد وهو الأساطيل العظيمة لإمبراطورية “تشولا”، التي هيمنت على المحيط الهندي والبحار المجاورة لقرون.

غزا تشولا كلاً من دول جنوب وشرق آسيا وكذلك ملوك شمال الهند بفضل أسطوله الضخم- موقع الدراسات الهندية

وعلى غرار الولايات المتحدة، صوَّر شعب “تشولا” أنفسهم على أنهم ضامن للاستقرار والتجارة الحرة؛ لكن جهودهم الاستعمارية أثارت الاستياء بين الشعوب التي أُجبرت على الامتثال، ما دفعهم إلى الانحياز إلى إمبراطورية “بانديا” المعتمدة على الأراضي عندما تحدت “تشولا” في عقر دارهم. وتلك دورة الحماية والعداء التي يجب على واشنطن الانتباه إليها.

اضطراب الموانئ الثلاثة (1510) 

يتعين على صناع القرار السياسي في أمريكا والصين الذين يحاولون معالجة تعقيدات العلاقات الاقتصادية المتشابكة بين الصين والولايات المتحدة، أن يستوعبوا الدروس المستفادة من كوريا في القرن السادس عشر. فقد واجهت كوريا معضلة في التعامل مع اليابان؛ حيث كانت جارتها مصدراً ثرياً لكل من التجارة والقرصنة التي استهدفت كوريا.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

ولم تؤد المحاولات الكورية للقضاء على الانتهاكات اليابانية إلا إلى زيادة العداء، فضلاً عن استياء السكان اليابانيين في كوريا؛ ما أدى إلى تدمير العلاقة الإنتاجية تماماً وإنهاء التجارة بالكامل بين الدولتين لعقود من الزمان. وكذلك قد تأتي المحاولات الأمريكية بنتائج عكسية.

الجواهر التسع للسلطان جلال الدين أكبر (1556- 1605)

يشتهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم حبه للقراءة أو الاطلاع على وثائق الإحاطة، تاركاً وجهات نظره تتأثر بمَن تحدث إليه في آخر مرة، أو ما يشاهده على شاشة التلفاز. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع الإمبراطور المغولي أكبر، رغم أن أكبر وعلى النقيض من ترامب، كان أمياً.

الإمبراطور المغولي أكبر بصحبة مستشاريه التسعة- أرشيف جامعة لايدن

وقد بُني نجاح أكبر على مجموعة من المستشارين أو ما يسمى بالجواهر التسع؛ بما في ذلك الشعراء والوزراء والعلماء والموسيقيون، واحترامه اتساع نطاق تعلمهم وبصيرتهم. وسيحتاج الرئيس الأمريكي القادم إلى أن يكون لديه تسع جواهر خاصة به، مستمدة من جميع مناحي الحياة.

سفن السلاحف (1590)

عندما اخترع الأدميرال الكوري “إي سن شن” أو أعاد اختراع ما قد يكون أولى السفن الحربية الحديدية في العالم، حيث كان يزعم أنه ينسخ التصاميم العتيقة، تم تدمير القوات البحرية اليابانية غير المستعدة. ولكن على الرغم من أن “سفن السلاحف” كانت فعالة بشكل مذهل؛ فإن التفوق التكنولوجي الكوري المفاجئ في البحر لم يكن سوى عنصر واحد في ردع هجمات اليابان.

اقرأ أيضاً: ماذا علينا أن نفعل حيال الصين؟

واستغرق الأمر مدة طويلة من الجمود الذي سببه تدخل إمبراطورية مينغ العسكرية لإنهاء حرب “إمجين” في نهاية المطاف. وعلى نحو مماثل، ينبغي على الاستراتيجيين أن يتوخوا الحذر الشديد من الإفراط في استخدام تكنولوجيا منفردة؛ مثل الصواريخ الصينية المدمرة للسفن المتوقع استخدامها عندما يتعلق الأمر بأي صراع محتمل في بحر الصين الجنوبي.

أخيراً، لا شك أن الوصول إلى التاريخ الآسيوي باللغة الإنجليزية أصعب كثيراً من الوصول إلى التاريخ الأوروبي؛ فالتاريخ العسكري للقارة مُدون بشكل مخجل. لكن المواد التاريخية متاحة، وهي أكثر ارتباطاً بكثير من الناحية الجغرافية والثقافية والتاريخية بالقارة التي ستحدد ملامح القرن الحادي والعشرين من حيث الوقوع في فخ ثيوسيديديز مرة أخرى.

♦نائب رئيس تحرير “فورين بوليسي”.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة