شؤون عربية

هل تعيد استقالة بني ارشيد ووفاة زعيم “الصقور” رسم مستقبل “إخوان الأردن”؟

هل يشهد "إخوان الأردن" طي صفحة "الصقور" وميلاد صفحة جديدة؟

كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

سلسلة من الأزمات العاصفة ضربت جماعة “الإخوان المسلمين” في الأردن، وذلك بعد أن أعلن القيادي “الإخواني” البارز زكي بني ارشيد، تقديم استقالته من موقعه في مجلس شورى الجماعة، وبعد وفاة محمد عواد الزيود الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية للجماعة في الأردن، الأمر الذي عزز من حالة الإرباك والتصدع التي تعاني منها الجماعة منذ سنوات عدة.

وفي مارس/آذار الماضي، أعلن المراقب العام لـ”جمعية جماعة الإخوان المسلمين”، المحامي عبد المجيد الذنيبات، استقالته من منصبه، بسبب “وضعه الصحي”، الأمر الذي يعد نذير شؤم على الجماعة، خصوصًا أنّ هذه الشخصيات تشكل الأجنحة الرئيسة في نجاح التنظيم نسبيًا، نظرًا لما تحمله من رمزية مهمة.

اقرأ أيضًا: مستقبل الإخوان المسلمين في الأردن بعد موجة العمليات الإرهابية الأخيرة

وعلى إثر ذلك، يمكن القول بأنّ جناح “الصقور” داخل التنظيم بدأ يفقد قوته وسطوته، وربما يتلاشى تدريجيًا في ظل فقدان الجماعة لحالة “الرمزية” التي كانت تعيشها، إضافة إلى خسارتها الأرضية الصلبة التي كانت تقف عليها، والبيئة الحاضنة لها، نتيجة للأحداث التي عصفت بها في الدول العربية، خصوصًا مصر عام 2013.

علاوة على ذلك، فإنّ المواقف الإقليمية والدولية التي تشكلت تجاه الجماعة -على رأسها مواقف كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين التي صنفتها على أنها تحت مظلة “الإرهاب”- أدت إلى تحول المزاج الشعبي تجاه “جبهة العمل الإسلامي”. ورغم ذلك، يرى المفكر الأردني د. هشام غصيب، في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، أن نمط التفكير “الإسلاموي” والمنهجية “الإخوانية” تتقاطع في كثير من توجهاتها وتفكيرها مع نمط التفكير “التقليدي” السائد داخل الأردن، الأمر الذي يدفع إلى تقبل بعض التيارات لأفكار الإخوان المتطرفة، خصوصًا بسبب تستر الجماعة بالإسلام، وتمسحها بجزء من “التراث الإسلامي” على حد وصفه، الأمر الذي يزيد في الحضور الأيديولوجي “الإخواني” داخل المجتمع الأردني.

 

ارتباط الجماعة بشخصيات له انعكاساته السلبية

مراقبون ومحللون طرحوا تساؤلات من قبيل: هل تشهد الجماعة في الأردن فعليًا طي صفحة “الصقور” وميلاد صفحة جديدة؟ وما هو مستقبل الجماعة؟ وهل ستشهد تغيرًا جذريًا في بنيتها وكينونتها من الناحية الفكرية والأيدولوجية؟ أم أنّ مشروع “الإخوان” في الأردن يتجه إلى مزيد من الضعف والتشرذم والتدهور؟

يجيب عن هذه التساؤلات المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن سالم الفلاحات، وذلك في حديثه الخاص مع موقع “كيو بوست”، الذي أكد فيه على أنّ ارتباط الجماعة بشخصيات ورموز معينة له مؤشرات وانعكاسات سلبية على المستويات الفكرية والأيدولوجية كافة، مشددًا على أن المشكلة الأكبر في الجماعة لا تتمثل في فقدانها لشخصيات كبيرة، لكنّها تتمثل في مدى القدرة على الاستيعاب، وملامسة مصالح الناس، والابتعاد عن حب الذات والأنا والقبول بالطرف الآخر. 

اقرأ أيضًا: هل سيحسم الأردن علاقته بجماعة الإخوان أسوة بدول المنطقة؟

وحول الدوافع والأسباب الحقيقية التي أدت إلى استقالة بني ارشيد من الجماعة، يردّ الفلاحات قائلًا: “لدى خروج بني ارشيد من السجن عام 2015، رأى بأنّه لا بدّ من إعادة النظر في السلوك والمنهج الذي تتبعه وتسير عليه الجماعة، وطرح هذه الإشكاليات على قياداتها لكنّهم لم يتفهموا وجهة نظره، وأداروا ظهورهم لمبادرته”.

ويشير الفلاحات إلى أنّ حزب “الشراكة والإنقاذ” الذي قام بتأسيسه مؤخرًا يتطابق مع ما طرحه بني ارشيد على الجماعة، فعلى الرغم من حالة التطور الفكري التي بدأت تتبلور، إلا أنّ الأخير لم يستطع تحقيق أي تغيير حقيقي داخل التنظيم، متسائلًا في الوقت نفسه بالقول: “هل قدم استقالته بالفعل أم جرى إقصاؤه عن الجماعة؟ لا يمكن الجزم بذلك”.

 

رهان البقاء يتمثل في حجم التغيير

يمكن أن تتصاعد مثل هذه الأزمات التي تشهدها الجماعة على المستوى التنظيمي والفكري، وهذا بطبيعة الحال يطرح تساؤلًا هو: هل يمكن أن تؤدي مثل هذه الأزمات إلى إحداث تغيير جذري داخل الجماعة من الناحية الفكرية والأيدولوجية؟ أم أنّ مشروع “الإخوان” في الأردن سيستمر في حالة الضعف والتشرذم التي يعيشها حتى هذه اللحظة؟

يجيب عن هذا التساؤل الفلاحات بالتأكيد على أنّ أية حركة سياسية إذا ما أريد لها الاستمرار، فيجب أن تقوم بحركات التجديد والإنعاش على مستوى التفكير والأدوات، وإلا فإنّها سوف تخرج حتمًا من الميدان، مشددًا على أنّ رهان البقاء للجماعة في الأردن يتمثل في حجم وطبيعة التغيير الذي تقوم به، وهو أمر سيستغرق وقتًا طويلًا، لأنّ حركته تسير ببطء شديد.

اقرأ أيضًا: إلى أين يتجه المشروع “الجهادي” في الأردن بعد تراجعه في المنطقة؟

ويشدد الفلاحات على أنّ الظروف الداخلية والإقليمية والدولية تزداد صعوبة على الجماعة يومًا بعد يوم، ومن هنا فإنّه يهيب بأهمية البحث عن أدوات ووسائل أخرى لأجل الدفع بعملية التغيير داخل الجماعة، خصوصًا في ظل التسارع الكبير في الظروف والمتغيرات التي تحيط بالمنطقة، التي تنعكس حتمًا على مدى قدرتها على الاستمرار.

لكن من وجهة نظر هشام غصيب، يتعلق الأمر أكثر بالإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ إذ أنّ إدارات أوباما وكلينتون السابقة كانت لها ميول وتوجهات نحو الانفتاح على التنظيم، بينما الإدارة الحالية بزعامة ترامب تعادي في توجهاتها جميع تنظيمات “الإسلام السياسي”، مؤكدًا بأنّ ذلك قد أدى إلى فتور في علاقة “الإخوان” بالدولة الأردنية، لكن في المقابل من الصعب أن تؤدي هذه الحالة إلى قطيعة دائمة بين الحكومة و”الإخوان” في المملكة، لوجود تداخلات وارتباطات سياسية-اجتماعية أحدثت زواجًا كاثوليكيًا يصعب من خلاله تفكيك هذا الارتباط.

 

الوضع داخل الجماعة يزداد سوءًا

يؤكدّ القيادي الإخواني السابق أحمد موسى الرواحنة بأنّ من يتحكم بقيادة الجماعة في الأردن هم من لديهم صراعات مع رموز “الإخوان”، وبالتالي ينعكس ذلك على الأفراد، مشددًا على أنّ الوضع في الوقت الحالي يزداد سوءًا على مستوى التنظيم، الذي يتمثل في الإحباط لدى الأفراد والأعضاء، وهذا يعود بطبيعة الحال إلى التراجع التربوي والفكري والحركي بشكل كبير، إضافة إلى تراجع المظاهر الروحية والأخوية التي كانت سائدة في وقت سابق لدى عناصر الجماعة.

ويرى الرواحنة في تصريحات خاصة إلى موقع “كيو بوست”، بأنّ الكثير من أعضاء الجماعة يحاولون الهروب من الواقع، والتوجه نحو الاستقلالية، أو إلى الأحزاب الأخرى، كما حدث مع حزب الشراكة والإنقاذ، وحزب المؤتمر الوطني “زمزم”، مشيرًا إلى أنهّ تم فصل كل من التحق مع الحزبين، على رأسهم المراقب العام السابق للجماعة الشيخ سالم الفلاحات.

ويتابع الرواحنة حديثه قائلًا: “الجماعة تعيش في حاله يأس وإحباط عام، حتى على مستوى الجناح السياسي المتمثل في حزب جبهة العمل الإسلامي، إذ أنّ هناك صراعًا بين القيادات العليا على المناصب لوجود منتفعات ومكاسب مادية واجتماعية، إضافة إلى وجود انتماءات إقليمية ومناطقية”. وعلى إثر ذلك، فإنّ الرواحنة يؤكدّ على أنّ تنظيم “الإخوان” في الأردن في تراجع مستمر، ولا يوجد انتماء لدى كثير من قياداته وعناصره.

 

“سرية التنظيم” إلى الأبد

ويستمر الرواحنة في إبراز أزمات الجماعة متسائلًا كيف تنجح الجماعة والكثير من أعضائها ينكر انتماءه لها في الأساس! إذ لا يزال يعيش غالبيتهم حالة من التكتم والسرية، وبالتالي فإنّ الحالة العامة السائدة بين أوساط الجماعة تبقى في أصولها مبنية على “سرية التنظيم” إلى الأبد.

اقرأ أيضًا: أزمة الاقتصاد الأردني: هل باتت الطريق مسدودة أمام حل جذري؟

وعن مستقبل الجماعة في ظل المتغيرات والتطورات الجديدة، يعتقد الرواحنة بأنّ الحل الوحيد لخروجها من أزماتها هو الظهور العلني من خلال “جمعية جماعة الإخوان المسلمين”، التي من الممكن أن يمارس فيها الفرد الأعمال الحركية والتنظيمية علنًا دون خوف من أحد، ودون أن يملى عليه، مشيرًا إلى أنّ أجواء الحرية وممارسة العمل الحزبي والسياسي والدعوي في الأردن لا وجود لها في أية دولة عربية.

أما هشام غصيب فيعتقد بأنّ الحل يكمن في تفكيك مفردات ومحركات “الإسلاموية” في الداخل الأردني، لكنه يرى أن هذا الأمر يصعب في الوقت الحالي، إذ أنّ تغيير أطروحة “الإسلام السياسي” يحتاج إلى صراعات فكرية واجتماعية في المستقبل القريب والبعيد.

ويبرر غصيب ذلك بالقول بأنّ الجماعة مخترقة أمنيًا على المستوى الإقليمي والداخلي، “فالجماعة باتت أداة بيد الغير، لكن هذا لا يعني أنّها مجرد أداة أو مخترقة بالكامل، مشيرًا إلى أنّ هناك اختلافًا كبيرًا بين “إخوان الأردن” و”إخوان تونس” المتمثلة في حركة “النهضة”؛ إذ أنّ هذه الأخيرة لديها مفكرين ومنظرين في داخلها كراشد الغنوشي، بخلاف “إخوان الأردن” التي تفتقر لمثل هذه الشخصيات، فيما أغلب قياداتها تحمل الطابع السياسي أكثر منه الفكري. ويشدد المفكر الأردني على أنّ الأفق الفكري والأيديولوجي لدى “النهضة” يختلف بشكل جذري عما عليه إخوان الأردن”.

خلاصة الأمر هي أنّ مستقبل الجماعة سيظل غامضًا حتى في ظل المتغيرات والتطورات الجديدة، فالجماعة -وبإقرار من قياداتها وأفرادها السابقين- تشهد في داخلها حالة من الجمود والتغيير الفكري البطيء، والمبادرات الخجولة التي تعوقها نحو حركة التحديث والتطوير، إذ لا تزال حالة “الصقورية” هي “السائدة” داخل الجماعة، حتى وإن فقدت الكثيرين منهم عبر مغادرتها طوعًا أو كرهًا، الأمر الذي سيجعلها تستمر في الدوران بحلقة مفرغة لا يعرف مدى نهايتها.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة