الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل تعيد أنقرة تكرار سيناريو التدخل العسكري في شمال سوريا؟

مراقبون لـ"كيوبوست": كلما تأزمت تركيا سياسياً حاولت التصعيد في المسألة الكردية

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

تشهد مناطق شمالي وشرقي سوريا تصاعداً وتوتراً غير مسبوقين، إثر استهدافٍ للقوات التركية في ريفِ محافظة إدلب، ما تسبب في وقوع قتلى وجرحى بين صفوف الشرطة التركية، وسط تصاعد نبرة التهديد من أنقرة لشن عمليةٍ عسكرية واسعة في المنطقة، ضد وحدات حماية الشعب الكردية شمال سوريا.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكدّ عقب الهجوم الذي أسفر عن مقتل شرطيين تركيين في منطقة أعزاز بريف حلب أنّ بلاده عازمة على القضاء على التهديدات القادمة من شمال سوريا، ووصف الهجوم بأنه “القشة التي قصمت ظهر البعير”.

اقرأ أيضًا: تركيا تغافل المجتمع الدولي وتتعمق في سوريا بحدود مصطنعة

سيناريو التدخل التركي في الشمال السوري قد يتكرر، وذلك بعد أن أطلقت تركيا أولى عملياتها العسكرية في سوريا “درع الفرات” في أغسطس/آب 2016، بعد ما يقارب الشهر ونصف الشهر فقط من المحاولة الانقلابية الفاشلة في الداخل، وذلك بعد أن أعلنت أنقرة أنّ هدف العملية المعلن كان مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، إلا أنّ الغاية الحقيقية من وراء هذه العملية هو استهداف قوات سوريا الديمقراطية، ومنع تأسيس كيان سياسي ذي علاقة بحزب العمال الكردستاني.

إبراهيم مسلم

وفي هذا السياق، يؤكدّ الناشط الكردي والمنسق العام السابق لمجلس محافظة الرقة؛ د.إبراهيم مسلم، في تصريحاتٍ خاصة لـ”كيوبوست”، بأنّ التدخل التركي في شمال سوريا يأتي نتيجة المصالح والتوافقات التي تتم على الأرض، فغالبية تدخلاتها حدثت نتيجة اتفاقاتها وتفاهماتها مع روسيا، ومع النظام السوري، والعمل على ترك مساحاتٍ لصالح النظام السوري في مقابل السيطرة على أماكن أخرى.

ويتوقع مسلم بأنّ أنقرة ستسيطر على مزيدٍ من الأراضي لتضاف إلى المناطق التي تسيطر عليها (جرابلس، إعزاز، عفرين، تل الأبيض، رأس العين)، وهذه المرة ستكون منطقة تل رفعت هي المستهدفة بتوافقٍ مع روسيا، في مقابل تسليم أدلب للنظام السوري ليتم تسهيل السيطرة على تل رفعت.

شاهد: فيديوغراف.. ما الذي يريده أردوغان من سوريا؟

حجج واهية

ويرى مسلم بأنّ أنقرة تسعى لإقحام حزب العمال الكردستاني لشرعنة عملياتها العسكرية في الشمال السوري، والإدعاء بأنّها تسعى لمنع تأسيس كيان سياسي ذو علاقة بالحزب، معتبراً بأنّ مثل هذه الحجج واهية، فهي بالأساس تستخدم وجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني في سوريا ذريعة للتدخل، مشدداً على أنّ تركيا إذا كانت بالفعل جدية في مقاتلة حزب العمال الكردستاني فمقراتها جغرافياً معروفة أنّها في جبال قناديل، فلماذا لا تشنّ عملياتٍ عسكرية فيها؟

ويضيف مسلم قائلاً: “إذا كانت تركيا تتحجج بحزب العمال الكردستاني لكي تتدخل بسوريا لتحتل مزيداً من الأراضي، والغاية منها تحقيق هدفها، كما هو معروف في “الميثاق الملي” الذي يعدّ بمثابة الخارطة التي يستند عليها أردوغان في طموحاته التوسعية سواء في العراق أو سوريا، حيث يهدف إلى السيطرة على الشمال السوري بعمقٍ أكثر من 50 كم وصولًا إلى حدود العراق، وهذا ما تمكن من تحقيقه عبر إقامة قواعد عسكرية على تخوم مدينتي الموصل وكركوك”.

أردوغان يصف استهداف قواته شمال سوريا بـ “القشة التي قصمت ظهر البعير”

مشيراً إلى أنّ هذه المناطق كلها تعتبرها تركيا بحسب “الميثاق الملي” جزءاً من ميراث الدولة التركية، ومن هنا فإنّ أنقرة تفكر مستقبلاً في تكرار سيناريو (لواء اسكندرونة)، الذي عمدت من خلاله إلى تجنيس الكثير من المواطنين السوريين بالجنسية التركية، والخاضعين في مناطق السيطرة التركية، ومن ثمّ القيام بعملية استفتاء لضمّ هذه الأراضي كلها إلى الدولة التركية.

اقرأ أيضًا:وسط صمت دولي.. تركيا توغل التوسع داخل الأراضي السورية

وفي سياقٍ متصل، يذهب رئيس المركز الكردي للدراسات نواف خليل، إلى رؤيةٍ مقاربة لما ذهب إليه مسلم، مؤكداً أنّ العملية تستهدف بالدرجة الأولى التواجد الكردي، والذين باتوا بالنسبة لتركيا خصماً أساسياً، لكن هذا لا يعني أنّ المستهدف هم الكرد فقط، فمن خلال استهداف الكرد الذين يشكلون قوة أساسية وكبيرة خاصة فيما يتعلق بمحاربة داعش، وفي مجمل العلاقات التي أقامتها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، فإنّ تركيا تستهدف المشروع الذي يحافظ على أفضل حالة من العلاقات بين المكونات السورية الممثلة في الكرد والعرب والسريان والأرمن، والذين اختلطت دمائهم في الحرب ضد داعش، وفي مقاومة النفوذ التركي.

تعزيز نفوذ

نواف خليل

ويرى خليل في حديثٍ إلى “كيوبوست”، بأنّ تركيا تستهدف عبر إطلاق عملياتها العسكرية في الشمال السوري تعزيزَ نفوذها وهيمنتها في سوريا، والضغط على النظام السوري وروسيا، مع استبعاد أنّ يسمح هذان الطرفان هذه المرة، كما في المرات السابقة، تمرير التدخل في الشمال السوري، مشدداً على أنّه كلما عززت تركيا من نفوذها في سوريا، طالبت دولَ المنطقة بمقابل أكبر لتتراجع أو تخرج يوماً ما من سوريا، وهو ليس بالأمر السهل على الإطلاق، فمن المعروف أنّ الأتراك لا يخرجون من مكان دخلوا فيه إلا بالقوة.

اقرأ أيضًا: أردوغان يستبيح أراضي سوريا وثرواتها ويشوه سمعة السوريين

ويؤكدّ خليل بأنّ تركيا نجحت في تمرير تدخلاتها في المنطقة، وروجت بأنّها تستهدف “الانفصاليين الكرد” في البداية رغم أنّه ليس هناك حزب كردي يطالب بالانفصال أو الاستقلال منذ تأسيس الحزب الكردي الأول على الأراضي السورية في 14 حزيران 1957 الذي يتمثل في الحزب الديمقراطي الكردي.

مسؤولون أتراك يؤكدّون استعدادهم شن عملية عسكرية ضد الوحدات الكردية شمال سوريا

وفي خضم هذه الحالة السياسية، يشير خليل إلى أن أنقرة قالت للسوريين إن هؤلاء الكرد يرغبون بالانفصال عن سوريا، وقالت لبعض الجماعات الإسلامية إن هؤلاء “الكرد ملحدين”، وقالت لبعض القوميين إن الكرد سيلحقون أكبر الضرر في سوريا، ونجحت في ذلك إلى حد كبير، وبالتالي، فإنّ تركيا بحسب رؤية خليل تستهدف الكرد؛ لأنّهم باتوا حالياً قوة مهمة في المعادلة السياسية، كما أنّها تستهدف العرب وباقي المكونات في شمال شرق سوريا؛ لأنّهم باتوا الأقوى.

وعلى أثر ذلك، فإنّ تركيا تسعى من خلال تدخلاتها، وعملياتها العسكرية في الشمال السوري، إلى الترويج بأّنها تستهدف الكرد لأنّهم يهددون أمنها القومي/ وهذا بحسب وصف الكاتب والمحلل السياسي الكردي نواف خليل يعدّ مهزلةً، متسائلاً في الوقت نفسه: “كيف للكرد أن يهددوا ثاني أكبر قوى حلف شمال الأطلسي، والأمريكان والروس ياتوا يدركون تماماً أنّها أكذوبة لا أساس لها من الصحة، لكنّ أنقرة تسعى إلى تقوية نفوذها لتحقيق مزيدٍ من الضغط، ولتثبيت نفوذها في سوريا المستقبل”.

اقرأ أيضًا: الغزو التركي لسوريا: نعمة لداعش

ويوضح خليل، في سياقٍ متصل، بأنّه كلما تأزمت تركيا سياسياً حاولت التصعيد في المسألة الكردية، وهذا تمثل وترافق مع خروج تركيا من G20 مجموعة دول العشرين الذي يشكِّل أزمة خطيرة على الاقتصاد التركي، وبالتالي فإنّه لا بد لأنقرة من إيجاد مخرجٍ، وعمدت إلى التصعيد ضد الكرد، معتبراً أنّ سياسة أنقرة في الوقت الحالي هي الهروب من الأزمات الداخلية، وفي نفس الوقت محاولة تحقيق مكاسب من خلالها سيطرتها على المزيدِ من الأراضي السورية.

والذي سيتعزز، على حد تعبير خليل، بقوة الآلة الإعلامية التي يسيطر علها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الداخل التركي، فغالبية وسائل الإعلام تابعة له، ويقولون مايشاؤون وهناك قسم لا يزال يصدق، لكن القسم الأعظم فلم يعد يتابع ولا يصدق، ولا يهمه سوى البحث عن لقمة العيش؛ لأنّ الوضع الاقتصادي في تركيا يزداد سوءاً.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة