الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل تعطي مشاورات الرياض الأملَ أخيراً لليمنيين؟

كيوبوست- منير بن وبر

طغى زخم الإعلان عن مجلس قيادة رئاسي في اليمن على المخرجات المهمة الناتجة عن المشاورات اليمنية-اليمنية التي عُقدت في الرياض لمدة عشرة أيام متوالية، وحضرها عددٌ كبير من الشخصيات اليمنية من مختلف الجهات الفاعلة والأحزاب. خرجت المشاورات المكثفة بأحد عشر مخرجاً في ستة محاور متنوعة، أبرزها المحور السياسي والاقتصادي والأمني.

كانت مسودة البيان الختامي مكتوبة بلغةٍ مختلفة، كما أن التوصيات ذات مغزى، وأكثر واقعية، وأساسية حقاً إذا ما كانت هناك أية نية للإصلاح. وفي مثل هذا الإنجاز، يبقى من الأهمية بمكان التعامل مع تلك المخرجات والتوصيات بجدية لنقل اليمن من “حالة الحرب والتفكك إلى حالة السلام والأمن”، بحسب ما جاء في نص مسودة البيان.

اقرأ أيضاً: اليمن.. آفاق السلام وواقع الأزمة بعد إنشاء مجلس رئاسي

أبرز ما بدا مختلفاً في لغة البيان هو عدم الإشارة إلى “وحدة اليمن”؛ وهو شعارٌ يثير حنق الكثير من الجنوبيين، والذين أُدرجت قضيتهم أخيراً ضمن توصيات المشاورات. يقضي ذلك الشعار المستخدم بكثرة وبشكلٍ متشدد على أي توجه للتعامل مع القضية الجنوبية؛ لأنه يعبّر صراحة عن رفض الحوار فيها. ينبغي أن يكون من المفهوم بما فيه الكفاية أن الحديث عن دولة جنوبية أو أي صيغة لإعادة تشكيل الدولة لا يعني القطيعة بين الشعوب، وإنما -ببساطة- تقرير مصير، وتبني شكلٍ آخر من أشكال الاتحاد بطريقة تلبي بفاعلية أكبر طموحات الشعوب، وتسهم في رفاهيتها.

التوصيات السياسية

تعزيز مؤسسات الدولة، ووحدة الصف، جاء على رأس المخرجات، وتتضمن توصياتٍ منها تشكيل مجلس رئاسي وهيئة استشارية موسعة، ومباركة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي لإدارة الدولة؛ سياسياً وعسكرياً وأمنياً، خلال الفترة الانتقالية، والإعلان عن الدعم الكامل له. شملت التوصيات الأخرى دعوة مجلس النواب ومجلس الشورى للانعقاد بصفةٍ منتظمة، وتعزيز استقلال القضاء والنيابة العامة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي- آر تي

يُعد تفعيل دور مجلس النواب أحد أهم الخطوات الضرورية لتطبيع الحياة ومكافحة الفساد واتخاذ قرارات أصوب. يتولى مجلس النواب ثلاث وظائف أساسية، سياسية وتشريعية ومالية، عرقلة عمل هذه الوظائف يعني خللاً كبيراً في عمل الدولة يصعب تجنّب آثاره السلبية. تشمل الوظيفة السياسية لمجلس النواب الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وتوجيه سياسة الحكومة، وكذلك حق السؤال والتحقيق، والاستجواب مع رئيس الوزراء أو الوزراء أو من ينوب عنهم للتأكد من أن مؤسسات الدولة وأجهزتها تؤدي أعمالها بما لا يتعارض مع المصلحة العامة.

كما تشمل الوظيفة التشريعية -وهي الوظيفة الأساسية للمجلس- حق الموافقة على مشاريع القوانين، فيما تشمل الوظيفة المالية الموافقة على الموازنة العامة للدولـة، ومهاماً أخرى. أدى الصراع الدائر في البلاد إلى تعطيل عمل مجلس النواب عملياً؛ وبالتالي ضعف الرقابة واختلال عمل أجهزة ومكونات الدولة الأخرى.

اقرأ أيضاً: اليمنرمضان أقسى ومستقبل مظلم

غطتِ المحاور السياسية والإدارية العامة التالية أولويةَ الحل السياسي، واستمرار تنفيذ اتفاق الرياض، وتطوير آليات الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، واستمرار المشاورات اليمنية-اليمنية. حيث أُوصي بالانخراط في الحل السياسي، والجلوس إلى طاولة المفاوضات لمناقشة نقاط الخلاف كافة، وإدراج قضية شعب الجنوب في أجندة مفاوضات وقف الحرب، واستئناف المشاورات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين اليمن ومجلس التعاون.

تنشأ الصراعات من وجود أهدافٍ متعارضة، ولا شيء أفضل من المناقشات المستفيضة لمواءمة تلك الأهداف، وإتاحة الفرصة لكل طرف لتحقيق أهدافه بأقل ضرر ممكن بالطرف الآخر، وتقليل الشعور بالعدائية الحقيقية أو المفترضة إلى حدها الأدنى. ما عدا ذلك، يعني اللجوء إلى الحرب كملاذ أخير. من المهم فهم هذه الحقائق الأساسية من قِبل أي طرف يرغب في سلامٍ مستدام، وتقليل مخاوف الحروب داخلياً وخارجياً، وهذا ما تعبِّر عنه توصيات ومخرجات المشاورات الأخيرة.

الاقتصاد والأمن

خرجت المشاورات بعددٍ من التوصيات في الجانب الاقتصادي؛ منها إدارة موارد الدولة والعمل على استقلالية البنك المركزي. تعطينا هذه التوصيات فكرة واضحة عن مدى ما تتعرض له موارد الدولة من تعطيل أو سوء إدارة. كما أنها تؤكد سبب الضعف الكبير الذي يعاني منه البنك المركزي، والذي يؤدي دوراً لا غنى عنه في التحكم في المعروض النقدي، وهو الأمر الذي يؤثر على أسعار صرف العملات؛ المعضلة الأكثر درامية في اليمن.

انهيار الريال اليمني أحد أبرز آثار الأزمة في اليمن- AFP

ينبغي أن يكون من بين خطوات “إدارة الموارد الطبيعية” العمل الجاد لإعادة القدرات الإنتاجية والتصديرية للنفط والغاز، وهما الموردان اللذان تعتمد عليهما الدولة بشكلٍ أساسي. لن تؤدي زيادة قدرات الإنتاج والتصدير إلى الاستفادة من الزيادة في أسعار قطاع الطاقة فحسب، بل أيضاً في توفير ما يكفي من احتياجات توليد الكهرباء والوقود محلياً؛ إذ أن الاحتياطات النفطية والغازية في اليمن تكفي للاستهلاك المحلي، مع وجود فائض مناسب للتصدير.

الشراكة الاستراتيجية بين اليمن ومجلس التعاون كان محوراً لافتاً كذلك ضمن مخرجات المشاورات اليمنية؛ يتمتع اليمن بموقع استراتيجي مهم، ويجاور دول الخليج التي تؤدي دوراً كبيراً في أسواق الطاقة العالمية، كما يمتلك اليمنيون علاقاتٍ تاريخية وطيدة مع دول الجوار. يمكن أن يؤدي تعزيز التكامل الاقتصادي بين اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي إلى نتائج اقتصادية مبهرة، خصوصاً مع توجه دول المجلس إلى تحقيق المزيد من التكامل بينها، وهو ما ينعكس إيجاباً على اليمن عند دخوله ضمن تلك الخطط كشريكٍ فاعل وواعد.

اقرأ أيضاً: مبادرة سلام خليجية جديدة تشرك الحوثيين في اليمن... فهل تنجح؟

أما المحاور الأمنية فقد شملت الحفاظ على الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على الأمن القومي العربي، وهما عنصران أساسيان لا غنى عنهما لتنفيذ أي خطة اقتصادية وبناء علاقات خارجية مستدامة وصحية. لقد اُبتلي اليمن بنشاط الجماعات الإرهابية، وأمراء الحرب، والمتمردين، وغياب قوة القانون وهيبة الدولة في مجتمعٍ قبلي ومسلح؛ كل ذلك يقوِّض من قدرة الدولة على إنشاء البنية التحتية الجاذبة للاستثمار، ويجعل تنفيذَ الأعمال التجارية محفوفاً بالمخاطر، ولا سبيل إلى تجاوز هذه العقبات إلا من خلال فرض الأمن والقانون بصرامة، وتعزيز قدرة الدولة على حماية مواطنيها وحدودها.

الحفاظ على الأمن القومي العربي هو ضرورة أخرى لتجنّب الصراع الداخلي والتوترات الخارجية؛ لا ترغب دولة ما أن تشعر بالتهديد من قِبل دولة أخرى جارة لها، فهذا الشعور يقود الطرفين -بقصد أو بغير قصد- إلى سباق تسلّح وتبني السلوك العدائي المدفوع بالرغبة في تأمين المصالح العامة والأمن الداخلي. لا تتعلق المسألة بـ “الأمن القومي العربي” في معناه الضيق، بل بالأمن الجماعي للمجتمع الدولي؛ فالشعور بالتهديد يقود إلى الحروب، وبالتالي يجب على الدول – خصوصاً المتجاورة- تبني سياسات داخلية وخارجية متوازنة ومطمئنة.

مقاتلون حوثيون- EPA

وبالرغم من غياب جماعة الحوثي عن مشاورات الرياض، فإن الحدث يكتسب أهميته من كونه جمع أكبر قدر ممكن من الفرقاء الآخرين، في ساحة الصراع المعقدة، وخرج بنتائج إيجابية ومختلفة من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية سيتطلب الأمر إرادة محلية ودعماً خارجياً قوياً لرسم معالم طريق أكثر وضوحاً وآليات تنفيذ محددة، ربما يتطلب ذلك بعض الوقت، وربما يتعرض للإفساد من قِبل الخاسرين، لكن الانعطافة في الأحداث عموماً جديرة بالاهتمام، ومن نافلة القول إعادة التأكيد على أن الازدهار لا يكون حليفاً إلا للراغبين في السلام.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة