الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل تعتذر فرنسا لنساء بوسبير في المغرب؟

الباحث المغربي في التاريخ والتراث يوسف المساتي يتحدث عن المعاناة والتمييز العنصري اللذين تعرضت إليهما نساء تم استقدامهن لممارسة الجنس في عهد الاستعمار

كيوبوست- إلهام الطالبي

يوسف المساتي، باحث مغربي في التاريخ والتراث، نشر أبحاثاً ومقالات تاريخية، وشارك في مناظرات بالمغرب حول قضايا الشباب والتطرف، ويعد من الباحثين المغاربة القلائل الذين بحثوا في موضوع نساء بوسبير.

اعتذرت اليابان للضحايا الكوريات اللواتي أُجبرن على العمل في بيوت الدعارة العسكرية اليابانية في الحرب العالمية الثانية، وقدمت في عام 2015 دعماً مالياً لمساعدة الناجيات؛ لكن في المقابل لم تعتذر فرنسا عن استعبادها “نساء بوسبير”، وإجبارهن على امتهان الجنس في ظروف صعبة خلال فترة الاستعمار. لمعرفة ما عانته “نساء بوسبير”، يقربنا الباحث المغربي في التاريخ والتراث، يوسف المساتي، من حياتهن وكيف كن يتعرضن إلى التمييز العنصري، ولماذا لم تعتذر فرنسا لهن؟ ولماذا يعتبر المغاربة تاريخ “نساء بوسبير” التابو؟

يوسف المساتي، أنت من الباحثين المغاربة القلائل الذين درسوا حي بوسبير، هل يمكن أن تتحدث لنا عما عاشته نساء هذا الحي في فترة الاستعمار الفرنسي؟

بدأت السلطات الفرنسية في تقنين الدعارة بالمغرب انطلاقاً من سنة 1914، مدفوعةً إلى ذلك بالخوف من انتقال الأمراض التناسلية. من هنا ظهرت عدة أحياء جنسية في عدد من المدن؛ كمراكش وفاس والعرائش والدار البيضاء، هذه الأخيرة عرفت تنامي الطلب على الدعارة السرية أو غير المقننة، كما تفشَّى عدد من الأمراض الجنسية والتناسلية؛ فقرر المجلس الأعلى للصحة سنة 1921 بناء درب يجمع عاملات الجنس.

 اقرأ أيضاً: حزب العدالة والتنمية بالمغرب وانتكاسة الثامن من سبتمبر

كانت تُستقدم لهذا الحي النساء اللواتي يتم القبض عليهن بتهمة ممارسة الدعارة غير المقننة، أو الراغبات في العمل كعاملات جنس من مختلف مناطق المغرب (كان يضم نساء من مراكش وفاس وأكادير ومكناس ووجدة…)، وقد تجاوز عدد العاملات به 900 عاملة جنس.

للأسف هذا الموضوع لم يحظَ بحقِّه من الدراسة رغم أهميته التاريخية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية؛ بل وحتى المعمارية، فحي بوسبير بحكم نشاطه كانت له هندسة معمارية خاصة، وأعتقد أن الأمر يعود إلى نوع من أحكام القيمة التي تلتصق بمقاربة هذه النوعية من الموضوعات، وأغلب ما أنجز حول هذا الموضوع كان من طرف الأجانب.

يوسف المساتي باحث في التاريخ والتراث- صورة شخصية

كيف كانت ظروف عملهن؟

كانت الظروف الحياتية في حي بوسبير جد صعبة؛ إذ عانت العاملات فيه التمييز العنصري، فالحي تشكل من عاملات مغربيات مسلمات وأخريات أوروبيات. وبينما سُمح للمسلمات بتقديم خدماتهن إلى المسلمين والأوروبيين، كانت الأوروبيات يقدمن خدماتهن إلى الأوروبيين فقط.

لكن أقصى درجات الفصل العنصري كان في الحصول على خدمات المستوصف الموجود بالحي؛ إذ كان يفترض على كل العاملات القيام بفحص أسبوعي، وقد اعتبرت سلطات الحماية أنه من غير اللائق لعاملات الجنس الأوروبيات الاختلاء بالمغربيات، فتم الفصل بينهن.

 اقرأ أيضاً: هل تنقذ أفلام هوليوود السياحة بالمغرب؟

إضافة إلى هذا، لم تكن حرية عاملات الجنس متاحة؛ إذ كان يسمح لهن بمغادرة الحي مرة واحدة في الأسبوع بإذن من الطبيب والشرطة، وكانت العاملات تعملن بمعدل من 12 إلى 14 ساعة يومياً، ووصل عدد العاملات به إلى أكثر من 900 عاملة يستقبلن أكثر من 1500 زائر يومياً، وقد كانت أكثر من 70% من عاملات الحي يعملن تحت إمرة وسيطة، وفي منازل جماعية.

لماذا لم تعتذر فرنسا لنساء بوسبير؟

هل نملك ثقافة الاعتذار عن الأخطاء التاريخية؟ أعتقد أنه سؤال يجب أن نطرحه بجرأة؛ لا في تعاملنا مع الآخرين بل حتى مع تاريخنا. للأسف، القائمون على الدولة لم يطالبوا فرنسا وإسبانيا بالاعتذار عن الجرائم الاستعمارية في حق الوطن بأكمله، يبدو لي الأمر نفسياً أكثر منه سياسياً. وبخصوص نساء بوسبير، يجب الإشارة إلى أنه على إثر نشر طبيبَين تقريراً لهما سنة 1953، قامت ضجة كبيرة حول الحي بسبب الأوضاع غير الإنسانية التي تعيشها العاملات، وهو ما كان أحد أسباب الدفع نحو إغلاقه أو تغيير طبيعة نشاطه.

ظهرت حركات أوروبية وإفريقية تطالب الدول الاستعمارية بالاعتذار عما فعلت في الشعوب المستعمرة، هل تتوقع أن تعتذر فرنسا عن استعبادها نساء بوسبير؟

الاعتذار الفرنسي للمغرب مربوط بوعي المغاربة بـ”رد الاعتبار”، والذي لا يتلخص في مجرد إعلان الاستقلال أو الانسحاب من البلاد؛ ولكن في الإقرار أولاً بالجرائم المرتكبة، ثم التحلي بالجرأة اللازمة والكافية للاعتذار، وهو أمر لا يمكن حدوثه دون تحرك مغربي حقيقي يؤطره إيمان كبير بالحق التاريخي في رد الاعتبار الذي يؤخذ ولا يُعطى.

أثار نشر طبيبين تقريراً لهما سنة 1953 ضجة كبيرة حول الحي بسبب الأوضاع غير الإنسانية التي تعيشها العاملات- الصورة “akg”

لماذا ينظر المغاربة إلى موضوع بوسبير على أنه ممنوع، رغم أن نساء الحي كن ضحايا للمستعمر الفرنسي؟

أعتقد أن الأمر مرتبط بنزعة أخلاقية تعتبر عاملات الجنس خارج النسق الاجتماعي ككل، وفكرة ممارسة العمل الجنسي بشكل مقنن ومرخص له تبدو فكرة مرفوضة من طرف الكثيرين -رغم وجودها السابق في التاريخ المغربي- وهنا يجب أن أشير إلى ملاحظة قد تبدو بسيطة لكنها تختزل الكثير؛ بعد تغيير نشاط حي بوسبير تم تغيير أسماء الأحياء به إلى أسماء الورود والأزهار، وكأن الذاكرة الجماعية تعتبر ما كان يجري فعلاً نجساً يجب تغييره برائحة عطرة.

 اقرأ أيضاً: أزمة “كورونا” تكشف عن ضعف حكومة العدالة والتنمية في المغرب

في البداية، أعتقد أن التصالح مع التاريخ ضروري، ووضع الأحداث في سياقاتها التاريخية والنظر إليها خارج المعايير الأخلاقوية والقيمية بل وَفق سيرورتها التاريخية، ودون هذا التصالح سنظل نعاني مركبات نقص يصعب فهمها أو تشريحها في ما يتعلق بالحي؛ فلا بد من رد الاعتبار له ولنسائه، فلا يُعقل أن يظل الباحثون في التاريخ إلى اليوم صامتين عن دور عاملات الجنس بالحي في الحركة الوطنية ثم المقاومة المسلحة، والذي كان السبب الرئيسي الذي دفع سلطات الحماية لطرد العاملات فيه، ولا الصمت عن الأدوار السياحية التي قام بها هذا الحي، لدرجة أن وفوداً سياحية كانت تأتي خصيصاً إلى الحي الذي كان له طراز معماري فريد مستلهم من التصور الاستشراقي.

 لقد فعلت وزارة الثقافة حسناً بتصنيف الحي تراثاً وطنياً؛ لكن الكارثة أنه رغم ذلك فما زال يعاني التهميش واقترن بالقدح والسب أكثر من أي أمر آخر، أما العاملات فيه فالذاكرة الجمعية ما زالت تقصيهن.                                      

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية

مقالات ذات صلة