الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل تشهد ليبيا مواجهة عسكرية مصرية- تركية؟

السيسي يضع خطوطاً حمراء للتدخل التركي وسط دعم عربي

كيوبوست

وضع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حدوداً للتدخل التركي في الأزمة الليبية بعد أشهر من إيصال الأسلحة والمسلحين المرتزقة عبر البحر والجو من تركيا إلى طرابلس؛ لدعم حكومة فايز السراج، وهي التعزيزات العسكرية التي جاءت بالمخالفة لقرارات الأمم المتحدة بحظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا، وعكست انتهاكاً صارخاً لمخرجات مؤتمر برلين، وكل القرارات الدولية ذات الصلة بالأزمة الليبية.

وحدد السيسي، خلال تفقده المنطقة الغربية العسكرية، حدود مدينتَي “سرت” و”الجفرة” كخطوط حمراء لن يسمح بسيطرة ميليشيات الوفاق عليها، وذلك بعد أيام من تراجع قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، عن طرابلس والمدن المحيطة بها، بعدما فضلت القوات الانسحاب لإعادة التنظيم في بعض المناطق، والانسحاب من مناطق أخرى؛ تجنباً لحدوث أضرار للمدنيين، في وقتٍ ارتكبت فيه قوات الوفاق جرائم وُصفت بأنها “جرائم حرب” و”ضد الإنسانية”؛ خصوصاً في مدينة ترهونة.

ترحيب ليبي وعربي

ولاقى التعهد المصري بالتدخل العسكري استجابة لطلب أبناء القبائل الليبية؛ من أجل الدفاع عن الأراضي الليبية في وجه العدوان التركي، ترحيباً ودعماً عربياً ودولياً، سواء ببيانات رسمية صادرة عن حكومات السعودية والإمارات والأردن، أو تصريحات عن مسؤولين أوروبيين وأمريكيين دعوا إلى الاستجابة لوقف إطلاق النار؛ من أجل بدء المحادثات السياسية بين الأطراف الليبية، في وقتٍ لا تزال فيه تركيا تتمسك بدعم ميليشات الوفاق؛ من أجل السيطرة على “سرت” و”الجفرة” قبل البدء في المفاوضات.

وغرَّد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخليجية أنور قرقاش، عبر حسابه على “تويتر”، قائلاً: “الدعم العربي الكبير لكلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بخصوص ليبيا، مؤشر واضح على رفض العالم العربي استباحة سيادته وحدوده من قِبل الدول الإقليمية. الضعف الحالي للنظام العربي طارئ، والمواقف المبدئية الداعية للعلاقات المتوازنة والصائنة للاستقرار والسيادة ستبقى راسخة”.

الدور التركي

“على العكس مما حدث في 2011 مع إسقاط نظام القذافي، فإن الأدوار الرئيسية الآن في ليبيا مرتبطة بمواقف تركيا وروسيا”، حسب الباحث السوري الدكتور سامي مبيض، في تعليقه لـ”كيوبوست”، مؤكداً أن الموقف المصري ليس مستغرباً في ظل الدعم العسكري اللا محدود الذي قدمته تركيا إلى حكومة السراج، في الفترة الأخيرة، وأدى إلى تراجع قوات الجيش الليبي.

“للأسف حكومة الوفاق لا تملك قرارها؛ القرار يصلها من أنقرة سواء باستمرار القتال أو وقفه”، حسب عبدالهادي إسماعيل، المتحدث باسم قبيلة المجابرة الليبية، في تعليق لـ”كيوبوست”، مؤكداً أن القبائل تقدر الموقف المصري الداعم لها ولمساندتها في مواجهة المد الإخواني الذي تحاول تركيا فرضه على أرض الواقع في ليبيا بالمخالفة لرغبة الشعب الليبي.

اقرأ أيضًا: الاختراق التركي المقلق في ليبيا

وأضاف إسماعيل أن مساندة الجيش المصري للجيش الوطني الليبي في مواجهة العدوان التركي أمر سيسجله التاريخ، ويعبر عن عمق العلاقات وأهميتها بين البلدين؛ خصوصاً أن الأمن في مصر امتداد للأمن في ليبيا، والعكس صحيح، لافتاً إلى أن أبناء القبائل يدعمون في الوقت الحالي جميع تحركات الجيش الوطني، وأية خطوات مستقبلية يقوم بها لحين عودة الاستقرار.

مواجهة مرتقبة

ورغم تأكيد الرئيس المصري توافر الشرعية الدولية للتدخل لمنع سقوط مدينتَي “سرت” و”الجفرة” في يد ميليشيا الوفاق؛ فإن بيانات رسمية نشرت للوفاق تتحدث عن متابعة واستعداد لتنفيذ عملية الهجوم على المدينتين مع استمرار وصول التعزيزات التركية لطرابلس؛ الأمر الذي ينذر بمواجهة عسكرية تركية- مصرية على حدودهما، في وقتٍ جرت فيه اتصالات روسية مكثفة مع الأتراك والمصريين بشأن الوضع في ليبيا.

د. سامي مبيض

“لا مانع لدى الروس من حدوث هذه المواجهة”، حسب الدكتور سامي مبيض، الذي يرى أن سياسة قائد الجيش الليبي في الانفتاح على جميع الأطراف الدولية والتواصل معها تجعله صديقاً وليس حليفاً لروسيا؛ وهو أمر يجب الالتفات إليه جيداً في المعادلة الحالية.

“المواجهة العسكرية واردة؛ لكنها ليست حتمية”، حسب المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية د.عمرو الشوبكي، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”، مستشهداً بما حدث في مدينة إدلب السورية بين روسيا وتركيا من تصاعد في الخطاب السياسي، توقع كثيرون أن ينتهي إلى مواجهة مسلحة؛ لكن انتهى بتفاهمات بين الطرفين.

دعم تركي بالسلاح لميليشيا الوفاق – رويترز

أهمية استراتيجية

وتعني السيطرة على مدينة سرت أن الطريق أصبح مفتوحاً أمام ميليشيا الوفاق؛ من أجل السيطرة على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي شرق ليبيا، والتي تضم المخزون الأكبر من النفط في البلاد، بينما تكمن أهمية الجفرة لكونها تضم أكبر القواعد الجوية الليبية، والتي تشكل غرفة العمليات الرئيسية لقوات الجيش الوطني الليبي.

د/ عمرو الشوبكي

وقال الشوبكي إن في مثل هذه الأزمات يحاول كل طرف الوصول إلى الحد الأقصى مما يرغب في تحقيقه قبل بدء التفاوض، مشيراً إلى أن الرئيس المصري حدد مجموعة من الشروط لإنهاء الأزمة؛ جوهرها سياسي قائم على الحوار واستبعاد العناصر الإرهابية المتطرفة.

وأشار المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أن مصر جددت عدم استعدادها لقبول إرهابيين على حدودها الغربية يشكلون تهديداً على أمنها القومي، لافتاً إلى أن التأكيد على اعتبار سرت والجفرة خطاً أحمر ارتبط بشكل واضح بعدم السماح بوجود قوى عسكرية تركية في هاتين المدينتَين الاستراتيجيتَين بليبيا، ومن ثمَّ فإن مصر حددت شروط الحل، وهي عدم التقدم التركي نحو سرت والجفرة.

اقرأ أيضًا: هل توصل أردوغان إلى صفقة مع ترامب حول ليبيا؟

وحرص السيسي، في كلمته، على تأكيد اقتصار التدخل المصري لمساندة أبناء القبائل مع إبداء استعداد لتدريبهم في مصر، وتأهيلهم لتولي مسؤولية تأمين بلادهم ضد المخاطر التي تحيط بهم، على أن يكون اختيار المتدربين في مصر من جانب القبائل الليبية.

اللواء محمد إبراهيم الدويري

“رسائل عديدة حرص السيسي على إيصالها؛ منها أن ليبيا تعد قضية أمن قومي مصري ولا تهاون في التعامل معها”، حسب اللواء محمد إبراهيم الدويري، نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الذي أكد، في تعليق لـ”كيوبوست”، أن الرئيس المصري جدد التأكيد أن هدف بلاده هو استقرار ليبيا، وأن تعود دولة وطنية قوية موحدة مستقرة؛ خصوصاً أن التدخل العسكري التركي ووجود الميليشيات والمرتزقة والجماعات الإرهابية أسهم في مزيد من تأجيج الأزمة.

وأشار الدويري إلى أن الرؤية المصرية قائمة على تسوية الأزمة تسوية سياسية طبقاً للمقررات الدولية، ومخرجات برلين وإعلان القاهرة، وأن الوقت قد حان لوقف إطلاق النار ثم البدء في عملية سياسية تفاوضية، مؤكداً أن القاهرة لا تبحث عن حرب أو صراع مع أية دولة؛ ولكن إذا حاولت أية دولة تعدي الخطوط الحمراء التي تمس الأمن القومي المصري؛ خصوصاً في ليبيا، فلا مفر سوى التحرك للدفاع عن المصالح المصرية.

وأكد الدويري أن الرئيس المصري تحدث بوضوح وحسم واستخدم مصطلحات دقيقة؛ خصوصاً أن المرحلة الحالية تتزايد فيها التحديات والمخاطر، ومن ثمَّ كان لا بد من استخدام هذه الكلمات، حتى يدرك الجميع جدية الموقف المصري بصورة لا تقبل الشك، مشدداً على أن عدم وقوف القتال طبقاً للخطوط الحالية، ودون أن يتم تعديها هو الحل، وإلا سندخل مرحلة أخرى لا نريد أن نلجأ إليها.

اقرأ أيضًا: إخوان ليبيا يطالبون بالتدخل العسكري التركي في بلدهم

دعم دولي

وفي وقتٍ جرت فيه اتصالات مصرية مكثفة؛ معلنة وغير معلنة مع عدة أطراف دولية، يرى الدكتور عمرو الشوبكي، المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الموقف المصري ومن قبله الموقف الفرنسي تجاه التصرفات التركية قد يدفعان أنقرة إلى إعادة النظر في خطوتها القادمة؛ خصوصاً أن هناك ضغوطاً أوروبية تساند الموقف المصري.

ورجح الشوبكي استغراق بعض الوقت في ما يتعلق ببدء المفاوضات السياسية، على الرغم من استحالة تحقيق أي طرف من طرفي النزاع نصراً عسكرياً حاسماً، مشيراً إلى أن هناك ضرورة في وصول الطرفين إلى قناعةٍ متبادلة بأن الحل سيكون سياسياً لا عسكرياً.

الدكتور سامي مبيض يؤكد أن المفاوضات السياسية يجب أن تكون على أساس المبادرة الأخيرة لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لافتاً إلى أنها الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة الحالية.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة