الواجهة الرئيسيةترجماتتكنولوجيا

هل تستطيع الحكومة تنظيم تقنية التزييف العميق؟

تقنية جديدة تتيح إمكانية إنتاج مقاطع فيديو تظهر شخصاً ما يقول أو يقوم بما يريده منتج هذه المقاطع.. ومن غير الواضح ما إذا يمكن للقانون في الولايات المتحدة أن يفعل بشأنها

كيوبوست- ترجمات

كاس صانستاين♦

في الشهر الماضي، بثت القناة الرابعة التليفزيونية البريطانية “خطاب عيد الميلاد”؛ ولكنه خطاب بديل ظهرت فيه الملكة إليزابيث الثانية، ذات الأربعة والتسعين عاماً، وهي ترمي النكات وتؤدي رقصة منتشرة على تطبيق تيك توك. بالطبع لم يكن الفيديو حقيقياً؛ بل كان عبارة عن مقطع جرى إنتاجه ليكون بمثابة تحذير بشأن “التزييف العميق”، وهو تعبير يشير إلى مقاطع فيديو تظهر شخصاً ما يقول أو يقوم بأشياء لم يُقم بها أو لم يقلها قط. إذا أمكن العثور على صورة لشخص ما، أصبح من الممكن لتقنيات جديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، أن تظهر هذا الشخص وهو يفعل أي شيء على الإطلاق. وأخطار هذه التقنية واضحة تماماً. يمكن إظهار مدرس في المرحلة الثانوية بوضعية مخلة مع إحدى تلميذاته، أو إظهار جارك في المنزل على أنه إرهابي.

هل من الممكن حظر “التزييف العميق” بموجب القانون الأمريكي؟ من شبه المؤكد أن الجواب هو “لا”. في قضية الولايات المتحدة ضد ألفاريز، عام 2012، قضت محكمة عليا منقسمة على ذاتها بأن التعديل الأول على الدستور الأمريكي يمنع الحكومة من تنظيم الخطاب لمجرد أنه كذب. دارت تلك القضية حول شخص ادعى زوراً أنه حصل على وسام الشرف. ووفقاً لقانون سرقة البطولة لعام 2006 يعتبر الكذب بشأن الوسام جريمة؛ ولكن المحكمة العليا ألغت الحكم الأساسي لهذا القانون، وقضت بأن هذه الكذبة محمية بالتعديل الأول. وكان رأي الأغلبية في المحكمة أن “السماح للحكومة بأن تعتبر هذا الخطاب جريمة جنائية.. سوف يخول السلطات الحكومية بإعداد قائمة من الأمور التي يعتبر الكذب بشأنها جريمة تستحق العقاب. ليس هنالك من مبدأ محدد لهذه السلطة الحكومية، وإذا ما جرى إقرار هذا القانون فستكون هنالك قائمة لا نهاية لها من الموضوعات التي يمكن للحكومة الوطنية أو الولايات أن تختارها”.

اقرأ أيضًا: دور وسائل التواصل الاجتماعي في “الربيع الأمريكي” ومستقبل الانتخابات الأمريكية

وبموجب القانون الحالي، فإن السؤال الجوهري هو ما إذا كان “التزييف العميق” يمكن أن يسبب ضرراً كبيراً. فإذا كان هذا التزييف تشهيرياً، يمكن ملاحقته وفقاً للمعايير القانونية الحالية التي تسمح للمدعي بالحصول على تعويضات لقاء الأضرار عندما، على سبيل المثال، يقوم شخص ما بتشويه سمعته من خلال نشر معلومات يعلم المدعى عليه أنها كاذبة.

ولكن ليس من الضروري أن يكون “التزييف العميق” تشهيرياً؛ فقد يكون إيجابياً، كأن يجعل الأشخاص يبدون رائعين. يمكن استخدام “التزييف العميق” للإعلان الترويجي لكبسولات الطاقة مثلاً؛ بحيث يظهر رجلاً في الثمانين من عمره يتناول إحدى هذه الكبسولات، ثم يقوم بإحراز هدف في لعبة كرة السلة يشبه أهداف ليبرون جايمس. وإذا ما أظهر التزييف العميق سياسياً ما، وهو يقوم بعمل رائع أو بطولي، فلا تشهير في ذلك.

الذكاء الاصطناعي يقف وراء التزييف العميق للمشاهير- “بزنس إنسايدر”

هل تمتلك الحكومة الحق في منع هذا النوع من التزييف العميق؟ وفقاً لرأي الأكثرية في قضية ألفاريز، فإن “علاج الحديث الكاذب هو الحديث الصحيح. هذا هو المسار الطبيعي في المجتمع الحر”. وبناء على هذا المعيار، فإن أفضل رد على الكثير من عمليات التزييف العميق هو ابتسامة أو ضحكة -أو كلام مضاد وكشف الحقائق- بدلاً من الرقابة. إلا أن منصات التواصل الاجتماعي لا تلتزم بأحكام التعديل الأول؛ ولكنها في الحالات التي ترى أنه يتم فيها تضليل الناس يمكن لهذه المنصات أن تقوم بالتنبيه إلى أن هذا المحتوى “تزييف عميق”؛ ولكن دون أن تقوم بإزالة هذا المحتوى بالطبع. وقد تبنى تطبيق “تويتر”، طواعية، نهجاً من هذا القبيل؛ حيث من الممكن أن يضيف إشارات إلى المحتوى الذي تم التلاعب به، من دون أن يحذف التغريدات، إلا إذا كان من المحتمل أن “تسبب الضرر”.

أما في ما يتعلق بالقانون الدستوري، فيجب أن تكون الحكومات مطالبة باختيار المقاربة التنظيمية التي توفر الحد الأقصى من حرية التعبير. وفي قضية ألفاريز، اقترحت المحكمة أنه بدلاً من تجريم الادعاء بالحصول على وسام الشرف؛ يمكن للحكومات إنشاء قاعدة بيانات عامة للحاصلين على هذا الوسام، بحيث يكون “من السهل التأكد وفضح الادعاءات الكاذبة”.

اقرأ أيضًا: دراسة: وسائل التواصل الاجتماعي قد تنقذ حياتك في الكوارث

ولكن يصعب القول إن استجابة كهذه ستكون كافية في الحالات التي يسبب فيها التزييف العميق ضرراً كبيراً؛ فإذا ما جرى إظهار شخص ما وهو يرتكب شيئاً فظيعاً لم يفعله قط، أو يتبنى موقفاً تحتقره، فلن تكون قواعد البيانات العامة كافية لرفع الضرر. والإجراء الأكثر فعالية في مثل هذه الحالات، مع عدم المساس بحرية التعبير، هو الكشف الواضح، عن طريق إخبار الناس قبل أو عند مشاهدة مقاطع التزييف العميق، بأن هذه المقاطع مزيفة. وهذه المقاربة للقضايا التي يرجح أنها قد تسبب ضرراً لا تصطدم بأي من الحواجز الدستورية التي واجهت قضية ألفاريز.

أما في الحالات الأكثر تطرفاً -التي يكون فيها التزييف العميق تشهيرياً على سبيل المثال- فيمكن أن تتخذ الضوابط الأكثر صرامة شكل غرامات وأحكام بالتوقف والكف، يمكن أن تفرضها جهة أو هيئة ناظمة، أو يمكن أن يتم تفعيل هذه الضوابط، من خلال مقاربة العطل والضرر، التي تسمح لضحية التزييف العميق التشهيري بإقامة دعوى مدنية.

قد يكون من المغري القول إن التزييف العميق ليس شيئاً جديداً؛ فهو مشابه للادعاء الكاذب، فإذا قام شخص ما بإعداد مقطع يظهر مدعياً عاماً وهو في حالة من السكر الشديد وفقدان التوازن؛ فذلك قد لا يختلف قوله للناس ببساطة “لقد رأيت المدعي العام وهو في حالة سكر شديد وفقدان التوازن”. ومثل هذه الادعاءات لا تخضع لضوابط قانونية أو لحظر بموجب القانون ما لم يكن سبباً مستقلاً، كأن تكون على سبيل المثال تشهيرية أو مسيئة للسمعة. فلماذا يجب التعامل مع التزييف العميق بنهج مختلف؟

التزييف العميق.. مشهد قانوني غير معروف وغير مألوف- “داتا ساينس”

الإجابة المنطقية عن هذا السؤال هي أن التزييف العميق أقوى تأثيراً من مجرد التعبيرات اللفظية أو بعبارة أخرى التزييف العميق يتمتع بالمصادقة الذاتية؛ فالدماغ البشري لا يمكنه تجاهله بسهولة، وحتى لو فعل ذلك يبقى هنالك جزء منه مقتنعاً بما رآه. يميز علم السلوك بين منظومتَين من العمليات المعرفية في الدماغ؛ المنظومة الأولى سريعة وتلقائية، والمنظومة الثانية متعمدة وأقل سرعة. وحتى لو تم إعلام المنظومة الثانية أن هذا المقطع مزيف، فمن المرجح أن تبقى المنظومة الأولى خاضعة لتأثير ما رأته، في ما يشبه الصدي العقلي. فإذا رأيت مقطعاً مزيفاً لنائب عام وهو في حالة سكر شديد فسيكون من الصعب أن تتخلص من صورته هذه في ذهنك؛ لذلك قد تكون عمليات التزييف العميق الأكثر تصديقاً وضرراً موضوعاً يحتاج إلى شيء من الضوابط التنظيمية؛ حتى لو كانت التعبيرات اللفظية عن نفس مضمونه لا تخضع لمثل هذه الضوابط.

في ضوء ذلك قد تختار المؤسسات الخاصة نهجاً أكثر تشدداً من ذلك الذي تستطيع الحكومات، أو ينبغي عليها، اتباعه. في عام 2019 أعلن “فيسبوك” أنه سيمنع “الوسائط المضللة التي تم التلاعب بها” وفقاً لمعيارَين، الأول “أن يكون قد تم تعديلها أو توليفها -بما يتجاوز ضبط الوضوح وجودة الصورة- بطرق غير واضحة للمشاهد العادي، والتي يمكن أن تضلل المشاهد وتجعله يعتقد أن الشخص الذي يظهر في الفيديو قد قال شيئاً لم يقله”. والمعيار الثاني هو “أن تكون هذه الوسائط من إنتاج الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي الذي يدمج أو يستبدل أو يركب المحتوى على مقطع فيديو بطريقة تجعله يبدو أصلياً”.

اقرأ أيضًا: انتبهوا.. الذكاء الاصطناعي ينام معكم في السرير!

ولكن هنالك مشكلة في هذه المقاربة؛ فكما جاء في نص سياسة الموقع فإن هذه المقاربة تنطبق على “كلمات لم يقلها الشخص”، وليس على أفعال لم يقم بها، فلا شيء في سياسة “فيسبوك” يبدو أنه يمنع نشر تزييف عميق يظهر مرشحاً سياسياً يضرب طفلاً أو يتعاطى الهيروين. كما أن المنع مقتصر على إنتاج الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي مع أن مقاطع الفيديو يمكن التلاعب بها بطرق أخرى؛ كعرضها بسرعة أبطأ كي تجعل شخصاً ما يبدو ثملاً أو تحت تأثير المخدرات، كما في حالة الفيديو سيئ السمعة لنانسي بيلوسي. ما يجب أن ينصب عليه الاهتمام ليس التقنية المستخدمة في الخداع بحد ذاتها؛ بل ما إذا كان قد حدث خداع غير مقبول.

نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب ضحية التزييف العميق- “نيويورك تايمز”

تتيح منصات وسائل التواصل الاجتماعي إمكانية الانتشار الواسع والفوري للأكاذيب والمعلومات المضللة؛ بما فيها قضايا تتعلق بالصحة والسياسة، وأي شيء آخر، وسوف يزيد التزييف العميق الطين بلة، فهو يهدد بتفاقم الأوضاع التي يصعب فيها على الجمهور العادي معرفة ما هو صحيح وحقيقي؛ حيث غالباً ما ينتهي به الأمر إلى تصديق مَن هم الأكثر قدرة على خداعه. ربما يكون حق حرية التعبير واحداً من أهم الحقوق؛ ولكن كلتا المؤسسات العامة والخاصة سيكون من الواجب عليها أن تفكر بشكل جدي في كيفية تطبيق المبادئ القديمة على الأخطار المستجدة.

♦أستاذ في كلية روبرت والمسلي في جامعة هارفرد. وهذا المقال مقتبس من كتابه «كاذبون.. الكذب وحرية التعبير في عصر الخداع» الذي ستنشره مطبعة جامعة أكسفورد في مطلع مارس المقبل.

المصدر: ذا وول ستريت جورنال

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة